تمرّد الأبناء ينشط ملكات الإبداع لديهم

2020-06-08 | منذ 1 شهر

يوتّر التمرد الكثير من العلاقات بين الآباء والأبناء حيث تنظر الأسر إلى أن التمرد يرتبط في مجمله بعناد الأبناء وبتبني سلوكيات سلبية ترهقهم، إلا أن هذا السلوك الذي ينبذه الوالدان قد تكون له جوانب إيجابية تعمل على بناء شخصية الطفل وتنشيط ملكات الإبداع لديه.

يرتبط مصطلح التمرد بالجوانب السلبية دون الإيجابية منها وأكد علماء النفس أنه لا يمكن اعتبار أن تمرّد الأطفال مرتبط كليا بالعناد المطلق، فالتمرد فيه جانب إيجابي كبير إذا استطاع الأهل غرس أسس توجيهه منذ الطفولة، لافتين إلى أن الكثير من الدراسات الحديثة تقتصر على التركيز على الجانب السلبي للتمرد، وفي مقابل ذلك تثبت دراسات أخرى أن أساليب التربية التي يتبعها الوالدان لها دور كبير في تفاقم الجوانب السلبية للتمرد.

وأشاروا إلى أن توجيه وتطوير الجانب الإيجابيّ للتمرد، يساهم في بناء شخصية متميزة للابن منذ مرحلة الطفولـة تمرّد الطفل ومعارضته لهما دليل على صحته النفسية والفكرية وتطوّر شخصيته وذكائه، لذلك فإن واجبهما الحقيقي يكمن في رعاية هذا التطور وتوجيهه وليس في تحجيمه أو قمعه.

وقال المختصون إن وجود طفل متمرد داخل الأسرة يتطلب منهما عناية فائقة، وتأمين إطار سليم لرعاية تطور شخصيته ويتم ذلك عن طريق توجيه السلوك السلبي ليصبح إيجابيا، ودعم نقاط القوة لديه والتركيز على الجوانب الإيجابية ليصبح قادرا على التميز واستغلال جدارته وطاقاته الكامنة.

ونصحوا بأن يمنح الوالدان الابن المتمرد مساحة آمنة للتجريب والاختبار لأن ذلك ينمي الحس الإبداعي والإدراكي له، بالإضافة إلى اعتماد أسلوب الحوار ونقاش الابن في ما يفكر به ويطمح إليه، باحترام شديد لوجهة نظره وأحلامه، ودون توجيه أي نصائح تشعره بأن خياراته غير مرحب بها ولا أهمية لها.

وشدد المختصون على ضرورة التركيز على إيجابيات الابن المتمرد التي تدل على سلامة صحته النفسية والفكرية وتعني أنه يبحث عن تكوين شحصية مختلفة عن الآخرين.

وقال علماء النفس إن تمرد الطفل يأخذ مظهر المعارضة فهو يعارض الأبوين تلقائيا، ويدرك أنه لا يريد الخضوع لهما، ويبتزّهما باستعمال كلمة “لا” كي يعبّر عما يشعر به. ومراحل المعارضة هذه مرهقة بالنسبة إلى الوالدين، ولكنها ضرورية للطفل، فمن خلالها يبني شخصيته.

 

الطفل الذي يتمتع بشخصية قوية لا يقبل أن يُفرض عليه أي رأي، غير أنه يلين لو استخدمت معه لغة المشاعر

وأوضحوا أن الطفل يتمرّد أو يعارض لإثبات نفسه والتأثير في الآخرين، ويلجأ إلى التمرّد في حال الغيرة من أطفال آخرين، وفي حال اتباع الأهل أسلوب العنف المادي لمعاقبته، فإن الطفل يتمرد ويتحداهم أكثر، وكشفت الدراسات أن غالبية الأطفال المتمرّدين يكونون في قمة الذكاء.

وتوصلت دراسة حديثة إلى أن أكثر من 80 في المئة من مشكلات تمرد المراهقين هي نتيجة مباشره لمحاولة الآباء تسييرهم بموجب آرائهم وعاداتهم وتقاليدهم، مما يؤدي إلى إحجامهم عن الحوار، وأوضح الخبراء أن التمرد لدى المراهقين مرتبط بالجوانب السلبية فحسب إلا أن مدارس علم النفس كشفت أن التمرد يمكن أن يكون إيجابيا، حين يتمرد الابن المراهق مطالبا بالاستقلال عن الأسرة بشكل تدريجي في إطار بحثه عن تشكيل شخصيته وتحقيق أحلامه وطموحاته، مستفيدا بقراءات ووجود مثل أعلى يحتذى.

وقال الخبراء إن التمرد الإيجابي يساعد المراهق في الاعتماد على النفس، والابتعاد عن الغرور وعقوق الأبوين، موضحين أن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى تمرد الأبناء هو محاولة فرض الآباء طريقة حياتهم وقناعتهم على الأبناء، ونمط تفكيرهم، وطريقة حياتهم الخاصة التي ليس لها مبرر مشروع، بل لمجرد الاعتياد الاجتماعي، فتكون الصدمة بما يحمله الأبناء من تطلعات واهتمامات، وما يفرضه العصر من أوضاع، وطريقة خاصة للحياة.

وكشف بحث حول “تطور الطفل” أن الأطفال بعمر السنتين والثلاث سنوات يجادلون آباءهم 20 إلى 25 مرة في الساعة، وأوضح الدكتور جون سيرجنت طبيب الأطفال النفسي وأستاذ علم النفس والسلوك في كلية بيلر للطب في هيوستن بأميركا “يدرك الأطفال في هذه السن أن الجدال الأم يعد طريقة لكي يكسبوا الثقة بأنفسهم”، مضيفا “فتذكري ما زال العالم مكانا كبيرا وغامضا بالنسبة لطفلك وما زال يشعر بالضعف فيه، وقوله ‘لا’ يعتبر طريقة صحية وطبيعية بالنسبة له حتى يشعر بأنه يستطيع التحكم قليلا في ما يحدث حوله، مع ذلك فإن الصراعات المستمرة ليست أمرا جيدا ويصعب حلها”.

وأكد أن التمرد يساهم في استقلال شخصية الطفل، كما أنه يتيح له الحصول على درس مباشر حول ما هو الصحيح وما هو الخطأ.

ويمكن للتمرد الإيجابي الذي يستند على أسباب وجيهة أن يجعل المراهق يفكر مثل شخص بالغ وأن يكون مسؤولا ويعزز ثقته بالنفس.

وأشار خبراء التربية إلى أن وجود طفل متمرد في المنزل يتطلب احتضانه إذا كان تمرده إيجابيا ومراعاته وتوجيهه، أما إذا كان سلبيا فيجب تداركه وتوجيهه ليصبح إيجابيا، مشيرين إلى أن تمرد الطفل لا علاقة له بتحدي أبويه، بل هو تطور أساسي في شخصيته، وعندما يفرض الأهل رأيهم ويجبرون الطفل على تنفيذ طلبهم فإنه يشعر بالحزن لأنهم لم يفهموه.

محاولة لتوجيه سلوك الطفل

وأكدوا أن الكف عن قول “لا” والخضوع التام للآباء يعتبران بالنسبة إليه طمسا لولادة هويته والاستمرار بصفة طفل والديه. وهذا يتعارض مع الانفتاح على الحياة التي تدفعه إلى الانفصال عن العلاقة الانصهارية مع الراشدين ليسير نحو الاستقلالية. وبهذا المعنى فإن الطفل الذي يفرض معارضته في مواجهة رغبة الراشدين يتمتع بصحة نفسية جيدة.

وأكدت الدراسات أنه يجب أن نعتبر منذ البداية أن سلوك المعارضة هو مؤشر على صحة الطفل النفسية وحسن نموه الفكري والإدراكي وتطور شخصيته، ودور الأهل والمجتمع يكمن في رعاية هذا النمو والتطور المحققين عنده وتأمين الإطار السليم لهما.

وأشاروا إلى أن الطفل الذي يتمتع بشخصية قوية لا يقبل أن يُفرض عليه أي رأي، غير أنه يلين ويهدأ لو استُخدمت معه لغة المشاعر، ويكون ذلك من خلال تعبير الأهل عن محبتهم لأبنائهم وشعورهم الإيجابي نحوهم، ورضاهم عن سلوكياتهم واختياراتهم، خصوصا إذا كانت صائبة.

وتوصلت الدراسات إلى أن تمرّد الطفل أو المراهق الإيجابي يجعلهما لا ينساقان وراء أصدقاء السوء ولن يخضعا إلى آرائهم. وأشارت إلى أنه كلما تعنت الأهل في موقفهم حيال ما يطلبه الابن، زاد عناده ومعارضته، ولذلك على الأهل الانسحاب الإيجابي من معارك كلامية قد تنشأ حول قضايا تافهة أحيانا.

وقالت مدربة الأبوة والأمومة الأميركية ماري آند لوري إن هذا النوع من السلوك متوقع من المراهقين في سن 13 و14 عاما، منبهة إلى أنهم يشعرون لا إراديا وبحكم فترة المراهقة التي يعيشونها بأنهم مستقلون ويجب أن يتحكموا في حياتهم دون تدخل من الأهل.

وأضافت أن هناك تأثيرات خارجية لتعزيز هذا السلوك، لاسيما في العصر الرقمي الذي نشهده من هواتف ذكية وألعاب فيديو، فيجد المراهق نفسه منجذبا تجاه أقرانه من نفس عمره، منجرفا بعيدا عن والديه رغم أنه في سن مبكرة، هذا بالإضافة إلى تأثير العديد من برامج التلفزيون الشبابية التي تستهدف هذه الفئة العمرية، فهي غالبا ما تصور الكبار “حمقى” يتدخلون في حياة أطفالهم بشكل “مبالغ” فيه بل ويتحكمون فيهم.

ونبهت الخبيرة الأميركية إلى ضرورة معرفة نوع تمرد المراهق وسببه، فهناك تمرد صبياني، وغالبا ما يحدث في مرحلة الطفولة ويسمى “التمرد الطفولي”، أما تمرد المراهقين فيجب أن يؤخذ على محمل الجدية والتعامل معه بحذر، ومعرفة الأسباب التي ستسهم كثيرا في حل المشكلة من جذورها.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي