بيئةفضاء

لغز مسخ تالي.. الحفرية التي تحدت أبسط قواعد التصنيف وما زالت

2019-11-05 | منذ 2 أسبوع

رسم لمسخ تالي الذي بقي لمدة تزيد عن نصف قرن دون تحديد انتمائه (ويكيميديا)كتب : أحمد الديب

منذ بضعة أيام نشر فريق بحثي من كلية كورك في إيرلندا وجامعة فوجيتا الطبية باليابان دراسة بدورية وقائع الجمعية الملكية، سردوا فيها نتائج بحثهم بخصوص واحد من أكثر الحيوانات المنقرضة غموضا، وهو الكائن المسمى بمسخ تالي، الذي حار العلماء طويلا في تحديد موقعه من شجرة الحياة، بل في الجزم في انتمائه إلى الفقاريات أو اللافقاريات.

كائن غريب

بدأت الحكاية في عام 1955 حين عثر صياد الحفريات الهاوي "فرانسس تالي" في إلينوي على حفرية لم يعلم إلى أي كائن تعود، فتوجه بها إلى المتحف الميداني للتاريخ الطبيعي بشيكاغو، ليسأل بشأنها الخبراء هناك، وليكتشف أن الإجابة لم تكن حينها -وحتى الآن- بهذه البساطة.

تستعمل كلمة "مسخ " لوصف كائن غريب الخلقة شاذ الملامح، وهو ما ينطبق تماما على مسخ تالي الذي يبدو كمخلوقات الأساطير التي تمتزج فيها صفات حيوانات شتى، فجسده مسحوب يشبه جسد الحبار، وعيناه تقفان على ساقين كعيني الحلزون، وله خرطوم كالفيل، ينتهي بمخلب يشبه كلاليب السرطان.

رغم ذلك لم يكن مسخ تالي ضخما كما قد يوحي اسمه، فذلك المخلوق العجيب، الذي جاب مياه السواحل الضحلة قرب مصبات الأنهار قبل 300 مليون عام تقريبا، لم يتعد طوله في الغالب 35 سنتيمترا.

وقد ظل مسخ تالي لمدة تزيد على نصف قرن حاملا اسما علميا هو "تاليمونستروم جريجاريوم" دون انتماء محدد إلى أية عائلة حيوانية معروفة، أو حتى تصنيف قاطع تحت شعبة الفقاريات أو اللافقاريات، حتى نشر فريق بحثي من جامعة ييل عام 2016 دراسة بدورية نيتشر تقول بوجود دلائل قوية على أن مسخ تالي كان من الفقاريات، وأنه امتلك حبلا ظهريا وهو ما يشبه عمودا فقريا بدائيا.

وقد جاءت دراسة لاحقة من جامعة ليستر، اعتمدت على تقنيات المسح بالمجهر الإلكتروني لفحص عيون مسخ تالي، لتعضد هذا الرأي بعد عثورها على جسيمات دقيقة حملت صبغ الميلانين، الذي لعب على الأرجح دورا في امتصاص الضوء الزائد للوقاية من تأثيره على جودة الرؤية.

وعلى عكس اللافقاريات التي تعتمد في هذه المهمة على أصباغ أخرى مثل الأوموكروم، تتميز الأعين الأكثر تعقيدا للفقاريات بوجود تلك الخلايا الميلانينية.


عودة إلى المجهول
غير أن الدراسة التي نشرت قبل أيام فحصت عيون بعض أنواع اللافقاريات، مثل الأخطبوط الشائع والحبار الشائع والسبيدج (السبيط) الأوروبي، لتخرج باستنتاج يهز الصورة المستقرة، ويعلن أن أنواعا من اللافقاريات قد تمتلك أيضا خلايا ميلانينية في أعينها.

لم تخرج الدراسة بهذا الاستنتاج فقط، وإنما توصلت أيضا إلى أن الخلايا الميلانينية في عيون الرأسقدميات (كالأخطبوط والحبار) تختلف قليلا في طبيعتها الكيميائية عن مثيلاتها عند الفقاريات.

منذ اكتشاف أول حفريات مسخ تالي عام 1955 لم يحدد هويته (ويكيميديا)

وبفحص أعين مسوخ تالي وجد فريق البحث أن خلاياها الميلانينية احتوت على كميات زنك أقل من تلك الموجودة في خلايا الحفريات الفقارية، بالإضافة إلى حضور ملحوظ لأيونات النحاس، وهو ما قد يشير إلى أن مسخ تالي قد يكون أقرب في طبيعته إلى الحبارات منه إلى الأسماك.

لكن رغم ما استخلصته هذه الدراسة، فإنها لا تجعل أبدا من مسخ تالي حبارا لافقاريا بأكثر مما جعل منه حبله الظهري سمكة فقارية. تعيدنا هذه الدراسة فحسب إلى المربع الأول مرة أخرى، وتخبرنا أنه ربما علينا التمهل أكثر قبل الركون إلى رأي قاطع، وتدعونا مجددا إلى ساحات الجدل العلمي بشأن هذا المخلوق بغرابته التي لا تكاد تصدق، الذي استوطن عالما لا نكاد نعرف عنه شيئا.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي