موجز تاريخ روسيا (والعالم؟) عبر فوّهة كلاشنيكوف!

2019-10-05 | منذ 2 شهر

حسام الدين محمد

 

تحتفل روسيا في هذه الأيام بمئوية ميخائيل كلاشنيكوف (مواليد 1919)، المخترع الشهير للبندقية AK47 التي تشتهر باسمه في كل أنحاء العالم، والتي يحمل معملها في مدينة أيجيفسك اسمه أيضا. بتمجيد روسيا لكلاشنيكوف، وبعرضها معرضا في شبه جزيرة القرم التي احتلتها عام 2014 عنه، وبنشرها «جيش الشبيبة» من أطفال حروب بوتين للمخترع الشهير، تقدّم دولة الكرملين عناصر قوّتها: السلاح والتوسع الجغرافي والدعاية الديماغوجية لسكانها والعالم.
خلال لقاء مع صحافي أمريكي وصف الرقيب سائق الدبابة الذي أضحى جنرالا نتيجة اختراعه أحد أشهر أسلحة الإطلاق الآلية في العالم، بندقية AK74، الاسم العسكري الدقيق للرشاش، بكلمة «غولم» Golem وهو مخلوق مرعب حسب أساطير اليديش اليهود، يشبه مخلوق الدكتور فرانكشتاين الذي يفلت من مخترعه ويصبح قوة شريرة لا يمكن السيطرة عليها.
يكشف التفتيش في قصة كلاشنيكوف الكثير من المواضعات المثيرة، ومنها مثلا، أن مدينة أيجفسك التي تصنع بندقية كلاشنيكوف منذ بدء إنتاجها عام 1949 لديها تاريخ قديم في تصنيع السلاح، وربما هذا سبب أهمّيتها كمدينة فبحيرتها الكبيرة ليست غير خزان مياه هائل صنعه القيصر الكسندر الأول عام 1810، وأدّى الصدأ المتراكم عبر عشرات السنين إلى اصطباغ سدّه باللون الأحمر.

لا تعد بندقية كلاشينكوف أيقونة السلاح الروسيّ العالمية وحسب، بل يمكن اعتبارها رمزاً لروسيا نفسها وتلخيصا لتاريخها الحديث، ابتداء من الانتصارين التاريخيين التي ساهمت المدينة فيهما، حين نجحت مدافعها في شتاء عام 1812 في إنهاك جيش نابليون بونابرت خلال انسحابه من موسكو، وحين ساهم إنتاجها من الأسلحة الخفيفة خلال الحرب العالمية الثانية في هزيمة هتلر عام 1945، وكان، ذلك الإنتاج، أكبر من كل الكمية التي أنتجتها الإمبراطورية الألمانية مجتمعة خلال تلك الحرب الكونية.
من المفارقات الكبيرة أن كلاشنيكوف الذي حظي بتكريم ستالين وخروشوف وبريجنيف ويلتسين وبوتين، وتوج مرتين بطلا لـ»الطبقة العاملة الاشتراكية»، لم يحظ بحقوق ملكية اختراعاته، ولم يستفد من الصفقات المالية المهولة التي جُنيت من اسمه، ولعل ذلك ما جعله قبل موته يستجيب لمحاولة رجل أعمال بريطاني تسويق ماركة فودكا باسمه، وبذلك كان الجنرال الفقير سيورث أحفاده شيئا آخر غير أشباح القتل والرعب والإبادة التي ارتبطت باختراعه (وصورة «مجرم الحرب» الذي أظهره فيه برنامج وثائقي لقناة «بي بي سي» البريطانية أواخر تسعينيات القرن الماضي).

 

الفلاح عدوّ الشعب!

تقدّم كلاشنيكوف عام 1946 إلى مسابقة لتصميم الأسلحة الخفيفة، ولم تكن إمكانية نجاح تصميمه تعني المجد العسكري وحسب، بل كانت ستخلص الرقيب البسيط من مأزق يعرض وجوده للخطر، فهو وعائلته كان يعتبر، حسب مقاييس الماركسية الستالينية «عدوا للدولة»، فكلاشينكوف المولود عام 1919 في إحدى قرى سيبيريا قرب حدود كازاخستان، كان من طبقة «الكولاك»، أي الفلاحين الذين يملكون ما يكفي من الأرض لإنتاج فائض صغير لغرض التجارة. كان وجودهم محفوفا بالمخاطر بسبب تقلبات الطبيعة القاسية، والعمل القاسي، وكانوا يدخرون ويتقشفون للتمكن من الاستمرار في العيش، وإذا تعطلت إحدى المكائن كان عليهم أن يعيدوا تصليحها بأنفسهم، وهذا ربما ما جعل الفتى على دراية كافية بالميكانيك.
هذا النمط من «الأثرياء» صار هدفا للخطة الخمسية الأولى للتصنيع الإلزامي الشامل والسريع، فسيق الفلاحون من مجاهل الاتحاد السوفييتي إلى المدن والمصانع بالقوة، وحين قاوم «الكولاك» ذلك، قامت الدولة بقتل أبقارهم وخنازيهم وأضرمت النار في الحقول التي يملكونها وانتشر الجنود لقمع المقاومة، واتهمهم ستالين بالتسبب في كارثة تدهور الإنتاج الزراعي في الاتحاد السوفييتي، ومع قراره بـ»تصفية الكولاك كطبقة» عوقب خمسة ملايين شخص بالنفي إلى سيبيريا وقتل مئات الآلاف أو ماتوا في معسكرات السجون.

تحوّل كلاشنيكوف وعائلته إلى «أعداء للشعب»، وشاهد الطفل أفراد «الشعب» يذبحون حيواناتهم ثم يتوجهون للمزرعة ويجردونها من المكائن الزراعية، ثم جاءت الشرطة وأخذت العائلة إلى قطار توقف بعد رحلة 800 كلم، وكانت العائلة محظوظة لأنها لم تقتل رميا بالرصاص في المعسكر الذي ألقيت فيه لكن والد ميخائيل توفّي بعد نهاية الشتاء الأول فتزوجت أمه وصار محشورا في كوخ مع أب جديد وأولاده. حاول المراهق الهرب إلى بيت أخته ثم عاد بعد ثلاثة أشهر للمعسكر ليعتقل بتهمة حيازة مسدس فيهرب مجددا، حيث سيسكت عن سرّ ملاحقته ويلتحق بالعمل في معمل تصنيع هندسي وينتمي للحزب الشيوعي: لقد تعلم كلاشنيكوف فن البقاء على قيد الحياة، وصارت قدراته الميكانيكية وسيلته للارتقاء في «فردوس الشيوعية».
أدت مجموعة من التصميمات للدبابة وفوزه بمسابقة عسكرية لإرسال المارشال جوكوف له إلى ليننغراد، في الوقت الذي اجتاح هتلر فيه روسيا عام 1941 ضمن هجوم «بارباوسا» الذي تألف من مليون جندي ألماني و1700 دبابة و19500 مدفع و950 طائرة مقاتلة. رغم نجاحه في صد بعض هجمات الألمان، أصيبت دبابته ودخل جزء من شظاياها في كتفه، وأثناء المعارك اكتشف نقاط الضعف الفادحة لدى مشاة الجيش السوفييتي، وانصبت أفكاره على ضرورة اختراع سلاح آليّ خفيف. كانت تلك طريقة للدفاع عن النفس وعن زملائه الذين كانوا يتساقطون كالذباب حوله أمام آلات القتل الألمانية. لقد كلفت رداءة الأسلحة الروسية كما هائلا من الأرواح فتكبد جيشهم أكثر من 150 ألف قتيل خلال تلك العملية وحدها.

فيتنام، فلسطين وأفغانستان

كانت حرب فيتنام، في أحد مظاهرها، مواجهة بين بندقية M16 والكلاشنيكوف واعتبر فوز الأخيرة نجاحا مظفّرا للشيوعية. لم تكن البندقية الأمريكية مصممة للغابات المطرية والحرارة العالية. لقد فتحت حرب فيتنام الطريق للكلاشنيكوف لتصبح «أيقونة للتحرير».
ارتبطت الكلاشنيكوف بقوة بالمقاومة الفلسطينية، بدءا من معركة الكرامة عام 1968 ومرورا بمعارك سبتمبر/أيلول 1970 ثم بمسار طويل عبر العمليات الفدائية والحرب الأهلية اللبنانية، وصولا إلى عملية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية، وكانت إحدى الصور المعبّرة عن هذا السياق غلاف مجلة «التايمز» عام 1968 الذي ظهر فيه قائد حركة فتح ياسر عرفات وخلفه فدائي ينبثق من عاصفة رملية وهو يحمل كلاشنيكوف على صدره.
كما شهدت البندقية الأشهر لحظاتها العالية فقد شهدت انحطاطها مع صور الأطفال المجندين في افريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. لقد انزاحت الصور الرمزية، كما يقول مايكل هوجز صاحب كتاب «بندقية الكلاشنيكوف»، من سكة المحراث والكتاب إلى الكلاشنيكوف كرمز للنصر، ولكن «النصر» كان يمرّ عبر جثث الملايين الذين قتلوا في الحروب الأهلية، والحركات المسلحة المتنازعة، وكان توفّر الأسلحة الهجومية عاملا مساعدا في كل ذلك، ومن حروب التحرير، على طريقة فيتنام وفلسطين انتهى الأمر بكلاشنيكوف ليظهر على صدر أسامة بن لادن.


في صيف عام 2004 أرسل بوتين إلى جورج بوش الابن زجاجة كريستال من الفودكا الروسية مصممة مثل بندقية كلاشنيكوف. هذه الزجاجة المقدمة من رئيس روسي كان ضابط استخبارات إلى رئيس أمريكي لم يذهب للخدمة العسكرية، تمثل استعارة كبرى لمزيج السلطة والسياسة والقتل وتحويل كل ذلك إلى متعة وتجارة، وهو المآل نفسه الذي صار إليه كلاشنيكوف، الذي نجح في الانتقال من رتبة «طريد العدالة» إلى حائز أوسمة وجوائز البطولة لبلاده، ولكنه اضطرّ لبيع الأوسمة ليشتري إرثا ماليا لأحفاده، ومات عام 2013 من دون أن يستطيع أن يزيح شبح «الغوليم» من على كتفه.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي