
عندما اجتاحت حرائق الغابات منطقة لوس أنجليس العام الماضي، تحوّل منزل رينيه إيمي إلى كومة رماد سام. إلا أن المكان يتلألأ اليوم بأزهار الخشخاش البرتقالية الرقيقة التي زرعها في أنحاء بلدة ألتادينا المحترقة، كرمزٍ للأمل.
ويقول الرجل البالغ 65 عاما لوكالة فرانس برس "هذه الأزهار ستنمو وتتكاثر في أي مكان يستطيع البشر العيش فيه على هذا الكوكب". ويضيف "إنها شديدة الصلابة. تبدو هشة للغاية، لكنها ليست كذلك، فهي قوية من الداخل… تماما مثل سكان ألتادينا".
وألتادينا الواقعة عند سفوح الجبال المطلّة على لوس أنجليس، دُمِّرت نتيجة الحرائق التي اجتاحت ثاني أكبر مدينة في الولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير 2025.
ومن بين 31 شخصا لقوا حتفهم في الحرائق، توفي 19 في ألتادينا، فيما قضى الآخرون في الأحياء الساحلية الراقية في باسيفيك باليسيدز وماليبو.
كذلك أدت الحرائق إلى تدمير أكثر من تسعة آلاف مبنى، ما حوّل المنطقة إلى أرض قاحلة شاسعة.
وبعد 15 شهرا بدأت ألتادينا تنهض ببطء وألم من تحت رمادها، حيث انطلق بناء بعض هياكل المنازل. أما بالنسبة إلى الناجين، فغالبا ما تتحوّل عملية إعادة الإعمار إلى معركة، نظراً إلى الإجراءات المعقّدة لتقديم طلبات التأمين، فضلاً عن البيروقراطية في منطقة يشكو كثيرون من كونها مفرطة التنظيم.
- رمز -
على مدى الأشهر القليلة الماضية، نثر إيمي 250 مليون بذرة خشخاش في أكثر من 750 قطعة أرض خالية، منفقا 12 ألف دولار من ماله الخاص. وكانت تلك طريقته لإضفاء بعض الألوان على المشهد الكئيب في ألتادينا ورفع معنويات الناجين.
ويروي الرجل "ما اكتشفته هو أن مساعدة الآخرين تجعلني أشعر بالحياة، وبعض أفضل اللحظات التي عشتها منذ الحريق كانت عندما ساعدت الآخرين".
أما اختياره لزهرة الخشخاش في كاليفورنيا، فلم يكن صدفة، فالنبتة ذات الزهرة الشبيهة بالتوليب هي الزهرة الرسمية لولاية كاليفورنيا. وقبل أن تمتدّ لوس أنجليس بعمرانها إلى ما لا نهاية، كانت ألتادينا تُعرف بـ"جنة الخشخاش"، كما يقول إيمي، علما أن الزهرة تظهر على الختم الرسمي للبلدة.
وفي القرن التاسع عشر، كان سكان لوس أنجليس والسياح الأثرياء القادمون من الساحل الشرقي يتدفقون إلى التلال كل ربيع لمشاهدة الأزهار وهي تغطي المنحدرات بأمواج من اللونَين البرتقالي والذهبي.
- "بداية جديدة" -
لكن مع تغيّر المناخ على خلفية الاستخدام غير المنضبط للوقود الأحفوري، بدأت أنماط الطبيعة بالاضطراب.
وقد أنهت كاليفورنيا للتو واحدا من أكثر أشهر آذار/مارس جفافا على الإطلاق، مما وضع العديد من أزهار الخشخاش التي زرعها إيمي في مأزق.
ومع ذلك، فقد شقّت بعض الأزهار طريقها عبر التربة في أماكن متفرقة، مثل الرصيف أمام أحد مطاعم الوجبات السريعة، حيث تفتحت تحت جدارية لفتاة صغيرة تحمل زهرة خشخاش.
وتقول روكسان ألباي أثناء خروجها من المطعم إن "رؤية الطبيعة تعود بعد الحرائق أمر يبعث الدفء في القلب".
وتضيف الممثلة السابقة البالغة 77 عاما، والتي فقدت منزلها في النيران وتكافح لإعداد جردة مفصلة لممتلكاتها المفقودة لشركة التأمين، "إنه أشبه ببداية جديدة".
وتتابع "عودة هذه الأزهار… عودة الخشخاش… هذا جزء من روح ألتادينا".
وفي غضون بضع سنوات يأمل إيمي الذي أطلق على مركبته اسم "بوبي موبيل"، أن تنتشر أزهاره بما يكفي لإعادة البلدة إلى مجدها السابق.
ويقول "آمل أن تصبح ألتادينا في السنوات والعقود المقبلة، مشهورة مرة أخرى، وبكل استحقاق، أزهار الخشخاش".
ويرى أنها "طريقة لربطنا ببعضنا البعض ولتذكيرنا بتاريخنا، وبالمكان الذي جئنا منه وللنظر إلى المستقبل".