
يوسف الشايب
تمثل أعمال المؤرخ آفي شلايم مرجعًا مهمًا في فهم الصراع العربي الإسرائيلي، لكن كتابه الأخير "الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين"، الصادر باللغة العربية، حديثًا، عن منشورات تكوين في الكويت، يتجاوز كونه سردًا تاريخيًا ليصبح شهادة أخلاقية وقانونية مدوية.
في هذا الكتاب الذي ترجمته شهد دعباس، يخلع شلايم ثوب الحياد الأكاديمي البارد ليرتدي عباءة المؤرخ المنخرط، معتبرًا أن ما يحدث في قطاع غزة ليس مجرد رد فعل عسكري، بل تتويج لمسار طويل من السياسات الاستعمارية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في جوهره.
يفتتح شلايم كتابه برؤية تحليلية تربط بين الماضي والحاضر، موضحًا أن "إسرائيل لم تكن يومًا مهتمة بالحلول الدبلوماسية إلا كغطاء لتوسيع مشروعها الاستيطاني".
ويرى أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تكن البداية، بل كانت "انفجارًا لمرجل غلى طويلًا تحت ضغط الحصار والإنكار".
ينصب تركيز الكتاب بعمق على الفصول التي تحلل مفهوم "الإبادة الجماعية"، حيث يقدم شلايم مرافعة فكرية تثبت أن الأفعال الإسرائيلية في غزة استوفت الأركان القانونية للجريمة، عبر اقتباسات من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين ليؤكد وجود "نية الإبادة"، مشيرًا إلى أن وصف الفلسطينيين بـ"الوحوش البشرية" لم يكن زلة لسان، بل كان تمهيدًا أيديولوجيًا لرفع الضوابط الأخلاقية عن الجيش والمجتمع الإسرائيلي.
وفي فصوله التي تتناول الحرب على غزة بالتفصيل، يفكك شلايم إستراتيجية "جز العشب" التي انتهجتها إسرائيل لسنوات، بحيث يحلل كيف تحولت هذه السياسة من محاولة لاحتواء المقاومة إلى عملية "تدمير شامل" للبنية التحتية للحياة.
ويتوسع شلايم في الحديث موضحًا أن إسرائيل لم تستهدف المقاتلين فحسب، بل استهدفت أيضًا "مقومات البقاء"، فالتدمير الممنهج للمخابز، ومحطات تحلية المياه، والمستشفيات، والجامعات، يمثل في نظره "إبادة اجتماعية وثقافية" تهدف إلى جعل غزة مكانًا غير قابل للحياة البشرية حتى بعد توقف المدافع.
ويقتبس شلايم في هذا السياق: "إن الهدف ليس تدمير حماس فحسب، بل أيضًا تدمير المجتمع الذي أنتجها، وهو ما يضعنا أمام جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية".
يغوص آفي شلايم في كتابه "الإبادة الجماعية في غزة" عميقًا في تفكيك بنية العنف الإسرائيلي، معتبرًا أن اختزال ما يحدث في غزة بمجرد "قتل مباشر" تسطيح لخطورة الجريمة.
ويطرح شلايم مفهوم "الإبادة الشاملة" التي تستهدف تحطيم النسيج المجتمعي والهوية الوطنية، متجاوزًا الجسد الفلسطيني إلى روح المكان ومستقبل الأجيال، فهو لا ينظر إلى تدمير الأبراج والمنازل بوصفه أضرارًا جانبية، بل يصفه بـ"الإبادة السكنية"، فالهدف هنا ليس عسكريًا صرفًا، بل هو تحطيم "مفهوم الأمان" وجعل العودة مستحيلة.
ويحلل شلايم كيف أن مسح أحياء كاملة من الخريطة يهدف إلى خلق حالة من الاغتراب المكاني، بحيث يعود النازح فلا يجد معلمًا واحدًا يربطه بماضيه، ما يحوّل غزة من موطن إلى "حيز جغرافي غير قابل للحياة".
ويفرد الكتاب مساحة لنقد استهداف المنظومة التعليمية، حيث يشير شلايم إلى أن تدمير الجامعات والمدارس وقتل الأكاديميين ليس عبثيًا، بل هو محاولة لـ"تجهيل المجتمع" وقطع تسلسله المعرفي، مشيرًا في تحليله إلى أن إسرائيل تدرك أن قوة الفلسطيني تكمن في استثماره في التعليم، لذا فإن تدمير هذا القطاع هو "إبادة للمستقبل" تضمن بقاء المجتمع في حالة من الشتات الفكري والمؤسساتي لعقود قادمة.
"إن الهدف ليس تدمير حماس فحسب، بل أيضًا تدمير المجتمع الذي أنتجها،
وهو ما يضعنا أمام جريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية"
ويركز شلايم على استهداف الأرشيفات المركزية، والمكتبات العامة، والمواقع الأثرية مثل المسجد العمري الكبير والكنائس القديمة، ويرى أن هذا التدمير يهدف إلى "اقتلاع الفلسطيني من تاريخه"، فمن خلال محو الشواهد المادية على الوجود التاريخي للفلسطينيين في هذه الأرض، تسعى الرواية الصهيونية لإعادة صياغة المكان بوصفه "أرضًا بلا تاريخ" لغير اليهود، وهو ما يسميه شلايم "عملية محو الذاكرة الجمعية".
يتحدث شلايم، أيضًا، عن تدمير الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار، وتخريب شبكات المياه والصرف الصحي، وهذا النوع من التدمير يهدف إلى "تسميم شروط البقاء"، فعندما تصبح التربة غير صالحة للزراعة والمياه غير صالحة للشرب، فإن الإبادة هنا تصبح صامتة وتعمل على المدى الطويل، حيث يضطر السكان إلى الرحيل قسرًا ليس هربًا من القنابل فحسب، بل هربًا من بيئة أصبحت معادية للحياة البشرية كذلك.
يحلل شلايم بمرارة كيف تحوّلت المستشفيات من ملاذات آمنة إلى مراكز للعمليات العسكرية، ويرى أن خروج المنظومة الصحية عن الخدمة هو "حكم بالإعدام المؤجل" على الجرحى والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة، مُشدِّدًا على أن استهداف الكوادر الطبية وسيارات الإسعاف يهدف إلى نشر "اليأس المطلق"، بحيث يدرك الفلسطيني أنه لا يوجد مكان واحد في غزة يمكن أن يوفر له الحماية أو العلاج.
ويرى أن هذه الأنماط المجتمعة تشكل "هندسة للإبادة"؛ فهي ليست أفعالًا عشوائية فرضتها ظروف الحرب، بل هي "سياسة أرض محروقة" تهدف إلى تجريد الفلسطيني من كل ما يجعله كائنًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، فيما يختتم شلايم هذا التحليل بالتأكيد على أن إسرائيل، عبر هذا التدمير الشامل، تسعى لفرض "نكبة ثانية" تكون أكثر عمقًا ونهائية من نكبة عام 1948، من خلال تحويل الوجود الفلسطيني في غزة إلى مجرد عبء إنساني يبحث عن إغاثة، بدلًا من كونه شعبًا يطالب بحق تقرير المصير.
كما يتوقف الكتاب طويلًا عند فصل "إبادة الأطفال"، حيث يقدم أرقامًا وتحليلات مروعة حول استهداف الجيل القادم، معتبرًا أن قتل آلاف الأطفال وتشويه عشرات الآلاف الآخرين هو فعل مقصود لكسر إرادة الشعب الفلسطيني للأبد.
وفي استعراض لفصول الكتاب الأولى، يأخذنا شلايم في رحلة تبدأ من الخطيئة البريطانية الأولى ووعد بلفور، وصولًا إلى الفصل المتعلق بـ"التواطؤ الأميركي"، بحيث يخصص شلايم مساحة واسعة لنقد الدور الذي لعبته إدارة جو بايدن، واصفًا إياها بأنها "الشريك الصامت في الإبادة" من خلال تزويد إسرائيل بالغطاء السياسي والسلاح الفتاك بينما تكتفي بإطلاق تصريحات خجولة حول المساعدات الإنسانية.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن شلايم، بصفته يهوديًا عراقيًا وبريطانيًا، يخاطب الضمير الغربي بلغة يفهمها، مستندًا إلى أرشيفات ووثائق لا تقبل التأويل، بحيث يقدم "مانيفستو" للعدالة، مؤكدًا في ختامه أن الأمن الإسرائيلي لن يتحقق أبدًا عبر سحق الشعب الفلسطيني، وأن الطريق الوحيد للخروج من دائرة الدم هو الاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية الفلسطينية وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي يغذي هذه الإبادة الممتدة، لذا، فإن كتاب شلايم يشكل صرخة في وجه الصمت الدولي، ومحاولة جادة لاستعادة الحقيقة من براثن الدعاية السياسية.