الاحتفالات الدينية أبرز عادات التونسيين في شهر رمضان

قنا - الأمة برس
2024-03-16

تعبيرية (انسبلاش)

تختلف عادات الشعب التونسي خلال شهر رمضان عن بقية عادات الدول العربية، سواء في طريقة استقبال هذا الشهر والاحتفال به، أو في طريقة الاحتفالات الدينية والحياة اليومية طيلة أيامه.

وتستقبل عادة العائلات التونسية شهر الصيام بالعديد من التحضيرات خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر شعبان. وتبدأ أغلب ربات البيوت خلال الأيام التي تسبق هذا الشهر في شراء أوان جديدة لتزيين المطبخ وطاولة العشاء، وهو تقليد تونسي منذ القدم، كما يقمن بتلميع الأواني الفضية والنحاسية عند حرفيي النحاس لاستعمالها خصيصا في الاحتفالات خلال رمضان، فيما يحرص الرجال على أن يكون المنزل في حلة جديدة، فيهتمون بإعادة دهن الجدران وتغيير ألوان المنزل، وهي عادة توارثتها العديد من العائلات التونسية جيلا بعد جيل.

لذلك تشهد جميع الأسواق التونسية حركة كبيرة ونشاطا تجاريا على غير العادة، وتعج الأسواق يوميا في جميع المدن والقرى بالناس لشراء كل ما يلزم شهر الصيام، على الرغم من ارتفاع أسعار جميع المواد خلال تلك الفترة.

وتقول فاطمة حفيظ إحدى ربات البيوت، إنها تعودت منذ سنوات على تنظيف البيت خلال الأسبوع الذي يسبق شهر رمضان، وشراء بعض الصحون وأطقم الأكل الجديدة فرحا بشهر الصيام، واستعدادا لاستقبال الضيوف، خصوصا وأنه شهر التقارب والتآزر بين الأهل، وهي عادة متوارثة في عدة جهات، لذا تشهد أسواق بيع الأواني ومعدات المطبخ إقبالا كبيرا خلال تلك الفترة.

وتنطلق احتفالات التونسيين بشهر رمضان منذ الليلة التي تسبق دخول هذا الشهر، ويسمي الشعب التونسي اليوم الذي يسبق شهر رمضان "يوم القرش"، وهو يوم يتم فيه دعوة الأقارب والأصدقاء والجيران على سفرة الغداء أو العشاء للمرة الأخيرة قبل دخول شهر الصيام.

فمع اقتراب شهر رمضان، تنظم بعض العائلات سهرة دينية تعرف "بالسلامية" وهي حفلة دينية على الطريقة الصوفية، تردد فيها الترانيم والأدعية، ويستدعى الجيران والأقارب والأصدقاء لحضور هذا الحفل للمشاركة في الذكر وترديد الأدعية.

وتنتشر تلك العادة في عدة محافظات على غرار تونس العاصمة، وسوسة، وصفاقس، والمهدية. وترتدي فيها العائلات اللباس التقليدي التونسي.

فيما تحتفل بعض العائلات في عدة جهات خلال "ليلة القرش" بطرق مختلفة، ويتم إعداد أطباق تونسية متنوعة مثل "الرفيسة" التي تتكون من الخبز والتمر، و"المدموجة" وهي ورقة من العجين المقلي مفتتة ومحشوة بالتمر والسكر، والعصيدة أو فطائر بالزبيب في أغلب مناطق الشمال الشرقي، وفي الشمال الغربي لتونس تحضر العصيدة بالدقيق والعسل والسمن، فيما يعد سكان المناطق الجنوبية "البركوكش"، أما العائلات في المناطق الساحلية فتطبخ "الكسكسي".

ويقبل التونسيون في تلك الليلة على تبادل الزيارات العائلية، وتبادل التهاني بمناسبة حلول شهر رمضان.

ويستعد أغلب أصحاب المقاهي والتجار أيضا لشهر رمضان، وتزين الشوارع والطرقات الرئيسية بالفوانيس والأضواء في المدن، وخصوصا أزقة المدن العتيقة، التي تشهد حركية كبيرة طيلة ليالي شهر رمضان، حيث تنتشر المقاهي ومحلات بيع الحلويات التقليدية، وحيث تنظم حفلات "مهرجان المدينة" الذي يحتفي بـ"المالوف" والأغاني التونسية القديمة.

ويقول الباحث في التراث حاتم الرياحي في تصريح لوكالة الأنباء القطرية "قنا":" إن أغلب العائلات التونسية تحيي عدة عادات تقليدية خلال شهر رمضان من التراث اللامادي للتونسيين خاصة في مدن الشمال. والتي تناقلها جيل بعد جيل، لذا لم تندثر منذ سنوات، إذ يقع تزيين بعض البيوت وواجهاتها بفوانيس طيلة شهر رمضان، وتحيي العائلات عادة ليلة القرش وهي الليلة التي تسبق دخول شهر رمضان، ويقع فيها إعداد "المثرد" وهو وعاء نحاسي يعد فيه الكسكسي بطريقة تقليدية، ويتم توزيع الكسكسي في تلك الليلة بين الجيران والأهل. وهي عادات تنتشر خاصة في المناطق الشمالية".

وأضاف الرياحي أن "العلاقات تتعمق أكثر خلال هذا الشهر، فتكثر الزيارات العائلية، وتقام حفلات الخطوبة والأعراس تبركا بهذا الشهر، كما تكثر الأعمال الخيرية فيه بين الناس".

وتابع: "تتميز ليالي رمضان في تونس بالسهرات العائلية والزيارات، وتكثر فيه اللمات واللقاءات بين الجيران والأقارب والأصدقاء بصفة يومية.

ويحتفل التونسيون في بعض ليالي هذا الشهر بطرق خاصة ومختلفة عن بقية الدول العربية. ففي ليلة النصف من شهر الصيام تعد العائلات أساسا طبق الكسكسي بلحم الضأن، احتفالا بمرور منتصف الشهر. وتذبح في تلك الليلة الخرفان لتوزيع لحمها على المحتاجين والفقراء، وإعداد موائد الإفطار في الشوارع. وتتبادل العائلات الزيارات في تلك الليلة، كما تختلف عادات التونسيين ليلة 27 من شهر رمضان عن باقي ليالي شهر الصيام".

وعن الاحتفال بليلة القدر، قال الباحث في التراث حاتم الرياحي:" ارتبطت ليلة القدر في تونس أساسا بليلة السابع والعشرين من شهر رمضان. لذا تختص هذه الليلة بعدة عادات وتقاليد تجمع بين العبادات والعادات والتقاليد المتوارثة. ففي ليلة القدر في تونس، تشهد جل المساجد توافد أعداد كبيرة من المصلين، وذلك لختم القرآن. ويرتدي أغلب التونسيين المتجهين للمساجد في تلك الليلة الزي التونسي التقليدي، الجبة والبرنوس والشاشية والبلغة؛ احتفاء بتلك الليلة، حتى الأطفال الصغار يلبسون ذلك الزي لتعلم العادات العائلية في تلك الليلة. ويصر أغلب المصلين على اصطحاب أطفالهم للمساجد لتعلم الصلاة وحضور الابتهالات والدعاء، كما تحضر النساء في المساجد تلك الليلة للدعاء والصلاة".

وأوضح أنه نظرا لاكتظاظ المساجد تعج الشوارع المحاذية لها بالمصلين، خاصة في المساجد الكبرى على غرار جامع عقبة بن نافع بالقيروان وجامع الزيتونة بالعاصمة. نظرا لبعدها التاريخي. كما ارتبطت ليلة القدر في تونس بحفلات الخطوبة أو حتى الزواج تبركا بتلك الليلة.

ويتم خلال ليلة القدر أيضا إعداد طبق الكسكسي بلحم الضأن وتوزيعه على الفقراء، إذ يتم طبخ أطباق من الكسكسي وتوزيعها على المحتاجين كصدقة.

وهنا يقول الباحث في التراث حاتم الرياحي "إن أغلب العائلات التونسية تحتفي كثيرا بليلة 27 من شهر رمضان، باعتبارها ليلة القدر، وتقام صلاة المغرب خاصة في المساجد وختم القرآن بمشاركة حتى الأطفال والنساء. وتكثف الدروس الدينية، وتبادل الزيارات بين الأهل والجيران، إلى جانب توزيع الأطعمة والمأكولات التي تم إعدادها ليلة 27 وإهداء الحلويات التقليدية، والاحتفال بهذه المناسبة، وتزيين واجهات المنازل بالمنسوجات التقليدية.

وتلك أبرز عادات التونسيين في رمضان التي يغلب عليها الحفلات العائلية والاحتفالات الدينية في جميع المحافظات، ولم تندثر أغلبها، بل تتشبث أغلب العائلات بجميع العادات حتى تظل متوارثة جيلا بعد جيل.

وعلى الرغم من المنبهات الصوتية على الهواتف والساعات، إلا أن عادة "المسحراتي" لم تندثر في العديد من القرى والمدن التونسية. ويسمى "المسحراتي" في تونس ب"بوطبيلة" نسبة إلى الطبلة التي يدق عليها لإيقاظ الناس، ويتولى شاب أو رجل كبير السن المهمة في كل جهة، وعلى الرغم من أنها عادة غابت في عدة جهات، إلا أن البعض يصر على إحياء تلك العادة خلال شهر رمضان سنويا.

ويقول عبدالحميد عرفاوي الذي يعمل كمسحراتي منذ ثلاث سنوات إنه يحب مهنة "المسحراتي" منذ كان طفلا، وبعد خروجه إلى التقاعد من عمله في أحد المصانع، أصر أن يعمل "مسحراتي" خلال شهر رمضان للحفاظ على تلك العادة في تونس.

ويرتدي المسحراتي غالبا الزي التقليدي التونسي، كالجبة والشاشية والبلغة. ويتجول قبل ساعة ونصف الساعة من موعد السحور في الأزقة لإيقاظ الناس عبر دق طبلته، ولا يتقاضى مقابلا سوى بعض المال من العائلات، والتي تكرمه خصوصا خلال العيد.









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي