الهوية والاختلاف عند هايدغر: تاريخ المنسي والمحتجب في الفكر الإنساني

2022-11-15

أوس حسن

قبل الخوض في مسألة الهوية والاختلاف عند مارتن هايدغر، علينا أن نكوّن فكرة بسيطة عن مفهوم الهوية بمعناها الفلسفي، فالهوية موضوع جدلي تناوله العديد من الفلاسفة بالدراسة، انطلاقاً من الوجود وعلاقته بالإنسان. الهوية هي حقيقة الشيء المطلقة وما يحويه من عناصر تجعله مطابقاً ومماثلاً لذاته، ولعل الفيلسوف وعالم الرياضيات غوتفريد لايبنتز، تطرق إلى نظرية وجودية في الهوية، عندما قال إنه لا يوجد شيئان مختلفان ومنفصلان، يشتركان مع بعضهما بالخصائص والصفات نفسها. هوية الإنسان تتحدد بما يعرفه من أشياء في العالم الخارجي، وبما يملكه من وعي وإدراك يجعلان تلك الأشياء سمة بارزة ومميزة في كينونته التي تعطي لهويته ذلك الثبات والاستمرارية في الزمن، وتجعل الذات متطابقة مع الموضوع. لكن كينونة الإنسان ليست ثابتة، فالأشياء في العالم قابلة للتغيّر والتحول والفناء، والإنسان ليس ذاته عندما ينطلق من مرحلة زمنية إلى أخرى، وما يطرأ على تلك المرحلة من تحولات جديدة.

يرى هايدغر أنّ الكينونة والإنسان يتطابقان مع بعضهما بعضا، والهوية عبارة عن ذلك الانتماء مشتركاً بين التفكير والكينونة، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفكر وهو في علاقة استجابة لنداء الكينونة، فالكينونة هي ذلك الحضور الذي يطلب من الإنسان الاهتمام بالنداء الذي توجهه إليه.

بمً ينشغل التفكير؟ وأين تكمن قوة التفكير؟

حسب هايدغر، عند التفكير في شيء يسترعي الاهتمام، فإنّ ذلك التفكير يحدث لكي يحدث التغيير في طريقة ما يفكر فيه، لذلك يجب أن تتوجه عناية الفكر نحو مسار الفكر بدلاً من التفكير في مضمونه. لقد تم التفكير بالهوية منذ انبثاق الفلسفة الغربية بوصفها وحدة، أي وحدة الشيء مع ذاته، لكنها وحدة تمتاز بفراغ هزيل لذلك الشيء في حد ذاته. إنّ الاختلاف يكمن في تلك الوحدة، والكثرة تحتجب في أعماق الواحد

ومن هنا يبدأ بحث هايدغر عبر إثارة سؤال الهوية بوصفها مبدأ التفكير، ومن هنا يتجه هايدغر صوب الشيء الذي تم التفكير فيه في التراث التاريخي والفلسفي، لكنه يؤسس لذلك الاختلاف عندما ينحرف بمساره صوب اللامفكر فيه، خلف تلك القوة الظاهرة للفكر، التي تخفي تحتها المنسي والمهمش. يعود هايدغر إلى تلك العبارة التي صاغها الفيلسوف اليوناني بارمنيدس «الفكر والكينونة هما الشيء ذاته». ويفسر هايدغر تلك العبارة خارج شروط التمثل الميتافيزيقي، فبارمنيدس أراد أن يقول إنّ الهوية أو ذاتية الشيء هي حاصل ذلك الانتماء المشترك بين الكينونة والفكر.. وهذا هو معنى الهوية ذاتها المحتجبة عنا في التفكير، والتي انبثقت قبل ذلك النمط الميتافيزيقي لفهم معنى الكينونة. هكذا يطرح هايدغر مسألة الاختلاف التي تقودنا إلى اللامفكر فيه بوصفه اختلافاً بين الكينونة والكائن. إلى ذلك النسيان الذي ينتمي إلى الاختلاف ويكون خالقاً له من جديد، وهذا الاختلاف يحدث متأخراً نتيجة لنسيان التفكير الإنساني، فالميتافيزيقيا هي الأنطولوجيا التي تفكر بالكينونة بوصفها الأساس الكوني.. وعلى هذا فإنّ التفكير يجب أن ينشغل بالكينونة من جهة علاقتها بالاختلاف مع الكائن.

يطلق هايدغر مفهوم الإطار الذي يشير إلى نسق العالم وتشكلاته، التي تقطن الكينونة البشرية وتكون سابقة على وجودها، لذلك فهو يرى أنّ العالم التكنولوجي هو الإطار الذي يحدد طريقة الكينونة البشرية في هذا العالم.

الميتافيزيقيا والاختلاف

إنّ الميتافيزيقيا عند هايدغر لها مفهوم خارج ميدان الدين واللاهوت والأساطير؛ فالميتافيزيقيا تكشف عن جوهرها المجرد من العلة الأولى للكائن، وترسم لنا مساراً يوجه تفكيرنا ونمط كينونتنا. فالفلسفة هي البحث في الوجود بما هو موجود، وهذا الموجود هو الكائن الإنساني المدرك والواعي لذاته ولكينونته بوصفها حضوراً في الزمن، لذلك فإنّ الميتافيزيقيا تفكر في كينونة الكائن وتتحدد بوصفها السؤال عن الكائن في كليته. إنّ الميزة الأساسية للميتافيزيقيا، كما عرفتها الفلسفة الغربية هي الأنطوثيولوجيا، ويقصد بالأنطوثيولوجيا تلك الميتافيزيقيا، التي تحدد كينونة الكائن بوصفها علة أولى، أو علة عليا تسمو فوق الكائن وتؤسس حقيقته. لكن علينا أن نفكر كيف دخل مبحث الألوهية إلى الفلسفة؟ يعتبر الاختلاف غير المفكر فيه بين الكينونة والكائن هو البنية الأساس في ماهية الميتافيزيقيا، ويحدث ذلك عندما تعرض الكينونة ذاتها في عملية الانكشاف الذي يتهيأ للحضور ويسمح لأي شيء بالقدوم والانتشار أمامه بوصفه الأساس في الكيفيات المتعددة التي يتم فيها جذب الكائن. إنّ الكائنات أيضاً بدورها تتأسس وتؤثر في طريقة الكينونة في الوجود. تصبح الكينونة حاضرة بوصفها كينونة الكائن، وبوصفها اختلافاً وقراراً، أو انفصالاً، يتكلمان بلغة الاختلاف التي تسمح بدورانهما حول بعضهما بعضا، لذلك فإنّ كينونة الكائن يجري تمثيلها في الأساس بمعنى العلة الأولى، وهذه العلة الأولى هي المفهوم الميتافيزيقي لله، لأنّ الميتافيزيقيا يجب أن تفكر باتجاه الألوهية بوساطة الكينونة عبر طرائق مختلفة ومتعددة.. كالجوهر والذات والمادة، إلخ. وبناء عليه فالميتافيزيقيا عند هايدغر هي أنطولوجيا، وهي تاريخ الكينونات الإنسانية وتاريخ للاختلاف والمحتجب من التفكير. إنّ التكوين الأساس للميتافيزيقيا لا يمكن أن يفسر من الناحية اللاهوتية ولا من الناحية الأنطوثيولوجية، ومن هذا المنطلق يجب أن تتحرر الميتافيزيقيا من التحديد الأنطوثيولوجي واللاهوتي. عندما تبحث عما هو أصيل في وحدتها، وفي اختلافها الذي يحدث فارقاً في تلك الوحدة ويؤثر فيه. وهذا يتطلب منا مغادرة التفكير الميتافيزيقي الذي يقتصر على التفكير بالكينونة بوصفها أساسا، أو سببا للكائن.

الإنسان والتكنولوجيا

يطلق هايدغر مفهوم الإطار الذي يشير إلى نسق العالم وتشكلاته، التي تقطن الكينونة البشرية وتكون سابقة على وجودها، لذلك فهو يرى أنّ العالم التكنولوجي هو الإطار الذي يحدد طريقة الكينونة البشرية في هذا العالم. هذه التكنولوجيا ليست من فعل الإنسان ولا تخضع لسيطرة كينونته، لذلك فعلى الكائن البشري لكي يتفادى مخاطر التكنولوجيا التي تؤثر في طريقة وجوده في العالم وتشكل طبيعته هي أن يغيّر من طريقة فهمه للكينونة، ويتم ذلك عن طريق حدث التملك كما يسميه هايدغر، وهو العالم الذي يوصل فيه الإنسان والكينونة بعضهما ببعض. وحدث التملك هو أنّ الكينونة تعي وجودها الخاص بما في ذلك الوجود الذي يكشف دائماً عن حدث أصيل ومتميز.

كيف من الممكن أن نحيا وجوداً أصيلاً في عالم التكنولوجيا؟

إنّ التكنولوجيا التي يتم إدراكها من أوسع معانيها وانكشافاتها المتعددة ستفشل في الإصغاء لنداء الكينونة التي تتحدث عن ماهية التكنولوجيا، وهي مأخوذة من الخطة التي يخطط لها الإنسان بوصفه مشروع وجود، الخطة التي ستجبر الإنسان على تقرير ما إذا سيصبح خادماً للتكنولوجيا أو سيداً لها.

في بادئ الأمر علينا أن نختبر الاتحاد بين الكائن والكينونة ضمن الإطار المحدد لكينونتنا في عالم التكنولوجيا، وفي حالة حدوث التملك المشترك تنشأ الإمكانات الأصيلة التي من الممكن أن تقوّض هيمنة الإطار.

كيف تنشأ الإمكانات الأصيلة؟

ما ينطبق على الميتافيزيقيا ينطبق على التكنولوجيا أيضاً، في ما لم يتم التفكير فيه في الماهية الفاعلة لبنية بين الكينونة والكائن، تستجيب الهوية بما تحويه من فكر وكينونة لذلك الصوت المنبثق من ماهيتها الفاعلة، فتصبح حاملة لمبدأ القفزة بانحراف الكينونة نحو الهاوية، لكن هذه الهاوية ليست سقوطاً ولا عدماً محضاً، بل هي حدوث التملك المشترك الذي يتيح لنا الإمكانات الأصيلة. هذه القفزة يجب أن تأخذ زمنها في التفكير، وهي قفزة نحو الأصل الماهوي الذي يجعل التفكير يخضع إلى التحول ومن ثم النظر نحو الحاضر وفي ما وراء موقف الإنسان. ينظر هايدغر إلى نظام تفكيرنا والعلاقات التي تسوده في عصر التكنولوجيا، ويرى أنها ليست ضرورية، على الرغم من أهميتها التقنية، فمهما حاولنا التفكير، فإنّ تفكيرنا ما زال بدائياً، ولم يخرج من نطاق عالم التراث والتقليد، فالتراث يمكن أن يسود، شرط أن يحررنا من التفكير المسبق، ويجعلنا نتقدم إلى الأمام دائماً. إنّ إقامتنا في حدث التملك يكون بقدرالانسجام والتوازن بين الكينونة والكائن في أصالتهما، وبقدر ماهيتنا المعطاة للغة، فعندما نوجه اهتمامنا نحو ما سبق التفكير فيه، سوف نتجه ونتحول إلى استعمال ما ينبغي للفكر أن يفكر فيه.

كاتب عراقي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي