كتاب «أصوات الغابة» لـ فاروق يوسف: الذاكرة والمتماثلات الحيّة

2022-08-13

جاسم عاصي

نادرة هي الكتابات التي تخص السيرة والتجربة، إذ تضع الأفق الحسي والمتخيل النصي موضع الحيوية في خلق الأُفق الأوسع للزمان والمكان والرؤى الصانعة لجمال النص وقدراته على البوح الحذر والمتأمل. ولعل كتاب الفنان والناقد فاروق يوسف «أصوات الغابة» تُحسب له حسنات وطيبات التوزيع بمعنى التنوع والإفاضة إلى جانب الشمولية، حيث خلق من أُفق المكان (الغابة) فضاء لتنشيط الذاكرة وفيض المخيلة في الوقت ذاته، لاسيما خلق مجموعة صور وضعت الأزمنة ومستوياتها موضع التجاوب والإحاطة، إذ نلمح أُفقاً فلسفياً يتصدر ويندمج مع رؤيته السير ذاتية، بمعنى تكون لوجهة النظر حيزاً متحركاً بنى عليه انطباعاته المتفاعلة التي حوّلت المكان المتسع والغامض والكثيف إلى مكان غير ملغز، بل مفتوح على أُفاق أكثر سعة يمكن اشتقاق العيّنات المجاورة لكل آفاق الأمكنة ذات الدلالات الواسعة. ومن هذه الآفاق نجد اشتغال المخيلة في الصدارة، مخيلة تعمل وفق خلق وبلورة المعنى الذي اندمج في رحابه صورة الواقع المرئي، مع صورة المتخيل الماضي، ثم شعرية المشهد. فقد تعامل مع المكان من باب دمجه في أُفق المتخيّل السردي الذي فتح أُفق الرؤى ومجالاته الرحبة والعميقة، وكان لمعارف الكاتب المفتاح الذي عمل على توسيع أُفق المخيلة التي حولت المكان إلى مجموعة آفاق استطاع أن يلبي من خلالها تصوراته وإحالاته المركبة.

بعد هذه القراءة الموجزة يمكننا الوقوف على محطات استدعاها الانثيال والتداعي الذي خلقه المكان بتأثيراته المباشرة، التي تبدأ بالدهشة وتتواصل مع الخلق الجديد للمرئيات. لقد اضطرته المواجهة لرجل مسن وهو على مشارف البحيرة حول أوزة عراقية، كما أخبره الرجل المسن، ما اضطره أن يقول (الفرق بيننا، أنها قادرة على الذهاب إلى المياه الدافئة، فيما أنا سأظل منفياً إلى الأبد). هذه المقارنة تبدو حاملة للوجع الذي نادراً ما يبوح به مباشرة، كذلك هو حس يوازي ويحايث قوله وهو يصف زمن المغادرة مرغماً (حين التفت اكتشفت أن الجنة كلها كانت خلفي).

إن صوت الكاتب السارد يملأ فجوات أُفق الكتابة بما تمليه عليه اللحظة من تواصل صيرورة اللغة الصاعدة نحو الشعر المندمج بالرؤى والأُفق الأوسع لشعرية السرد، فهو في لغة الكتاب يصر على شعرية اللغة والأُسلوب، عبر أصغر المواقف والمشاهد حساسية فـ(كل الأضواء المستعارة لا تغني عن ضوء النهار) إلى (كل ليل آخر إنما يحضر ممتزجاً بحكاياتنا). وهذا يعني أنه وهو يمتزج مع تفاصيل وغموض المكان مع كثافة حكاياتنا، سواء الشفاهية أو تلك المسرودة والمروية في كتاب الليالي.

إن صوت الكاتب السارد يملأ فجوات أُفق الكتابة بما تمليه عليه اللحظة من تواصل صيرورة اللغة الصاعدة نحو الشعر المندمج بالرؤى والأُفق الأوسع لشعرية السرد، فهو في لغة الكتاب يصر على شعرية اللغة والأُسلوب.

أما توصيفه لتجربته وهو يدخل إلى اشتباك الغابة، فإنه يؤكد على كشف حقيقة الأشياء والمفاهيم، فلا يستسلم إلا إلى ما تكشفه معاني الأشياء المرئية وفق أُفق التجربة (كل معرفة لا يرافقها ألم مشكوك به) بمعنى البحث عن المعرفة التي تختزل الزمن والطريق، هي معرفة مزحزحة للثوابت التي ملأها الزمن، دون الاختيار الذاتي. وتجربة لفنان وناقد وشاعر مثل فاروق لا تمليه عليه الأزمنة إلا من خلال جدلية وجوده أمام مصادرها، فعين الرائي والكاشف غير الباحث النمطي. وهذا نذكره بسبب نظرتنا للكاتب كونه ناقدا وفنانا انتقائيا، تعامل ويتعامل مع الموجود من باب اختيار الندرة، فثقافته انتقائية ورصينة، سواء من خلال المطبوع هذا أو ما عرفناه وأدركناه في ما كتب من نقود تشكيلية، فهو ذاكرة نابضة وحيوية، وشاعر مرهف. وقد أكد مثل هذه المعارف التي تخلق الهوية المعرفية بذكره (الجمال لا يرى إلا مرة واحدة) لذا يُشير إلى (وطنت نفسي على التماهي مع الجمال لحظة وقوعه، بما يُغنيني عن الفشل في العثور عليه مرة أُخرى).

وفي مجال توسيع أُفق الرؤية يذكر (تعرفت على إنسان كان يصف نفسه بأنه مشروع حطاب، حين فشل في أن يكون حطاباً قال لي بأسى.. لقد هزمتني الطبيعة، لكي يصبح حطاباً لا يحتاج المرء إلى القوة العضلية فقط، بل عليه وبشكل أساسي أن يتعلم لغة الأشجار). وهنا يقصد مدى التأمل في الأشياء، حيث يحول الصامت إلى ناطق، وهي دربة تتعلق بالرسم الذي يتعامل مع الطبيعة والأفكار بمستوى التداخل، فالفنان وهو ينظر إلى مشهد الحياة، فإنه يعكس بفنه رؤيته لما يُشاهد وليس ناقلا له.

من الملاحظ على متن الكتاب تحديد صورة الرائي الذي يحاول أن يطرح اكتشافاته بتأثير المكان الكثيف والمتداخل، لكي يخرج برؤية جديدة تصطف مع أرشيف رؤاه الصاعدة. فالمكان منتج للاتساع إذا ما توفر على راءٍ يمتلك جدلية الوجود. فهو يذكر بهذا الصدد تجربة الدخول إلى الغابة (أشعر بأني أعيش لحظة وداع استثنائية، بالنسبة لي لم تعد الغابة مكاناً. كنت أُفارق أهلاً وأحبة وأصدقاء كلما غادرتها). لقد تعامل مع الغابة كمكان سحري وفق العود الأبدي كا استنتج مرسيا إلياد، فقد اختار له أفراد أُسرة جديدة هي الأشجار وحيوات الغابة، كبديل عن الأهل وشوارع بغداد، التي يتذكرها بأسى وحزن يقترب من التراجيديا المفجعة، التي وجدت صداها في ذات الإنسان المرهف وهو يستدعي خصائص أمكنته في الوطن، لكنه يزيد من كثافة تراجيديته بما يراه أكثر كثافة وعمقاً بديلاً قد لا يغريه، لكنه يذكره في المحنة (غير أن هناك صوتاً ينبعث من أعماقي يصرخ بي.. كل هذا الموت من حولك ولا تريد أن تعترف بأنك قد غادرت حياتك الحقيقية من زمن بعيد.. يا لك من أحمق) أو (لا تزال خطواتي تذكر بخطوات غريب يشبهني).

من كل ما ورد في «أصوات الغابة» الذي هو صوت فاروق يوسف الكائن المسكون بالهاجس المرهف الدائم، الذي يحفر في أدق الأماكن والمواضع من المُشاهّد والذاكرة الغامضة والمختفية وراء ستارة العقل، بما يؤهلها بأن تصطف مع المخيلة التي لا تريد تصديق النتائج والمصائر في المنفى القسري، بقدر ما تستشرف الخلاص، لذا فلعبة الكتابة عنده بمثابة نوع من المراوغة مع الزمن الصعب (زمن النفي) إذ يؤكد وهو يكتشف المجهول غير المعلوم وهو يتذكر (سامسا) كافكا في المسخ (أتذكر كل شيء في غرفة كاتب المسخ، سريره والمنضدة التي كان يكتب عليها والنافذة التي تطل على براغ القديمة. أشك في أنني قد اكتفيت بالحلم. ما نحلمه هو الآخر، وهي طريقة للمحو. لا يُقتل الحنين بعصيانه، بل باللعب معه. لقد علمتني الكتابة على اللعب مع الحنين إلى أن أخرجته من حياتي) أو (لولا الكتابة لانتصر الضياع عليّ).

لقد أكد الكاتب المتعدد التوجهات على صناعة المعنى من أصغر الأشياء، كذلك رصد الأدق عبر كثافة المرئي والمقتحَم، وهو الغابة التي تتوازى كمكان مطلق مع البحر والأُفق الملغز.

فاروق يوسف «أصوات الغابة» إصدار دار خطوط وظلال ــ عمّان/الأردن2021

كاتب عراقي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي