سورين كيركيغارد… القلق كشرط للوجود للإنساني

2022-07-15

أوس حسن

ظلّت الفلسفة لقرون عديدة غارقة في سبات طويل غيبها عن رؤية الحياة بتناقضاتها وعلاقتها بالفرد كوجود ذاتي. إن الفلسفة التي أرهقتها الحمولات الفكرية المجردة والتأملات النظرية، لم تعتبر الإنسان سوى شيء من الموجودات مندمج في نسقها ومقولاتها المتعالية. انبثقت الوجودية بعد اليقظة الحقيقية للإنسان في مواجهة العالم، لذلك ركّزت على الجانب العاطفي الذي همشته الفلسفات السابقة، واهتمت بالجانب الوجداني الذي يجعل الفرد يندمج بكيانه مع العالم، وأعطت الأولوية لأمور أساسية كالقلق والملل والغثيان.

يعتبر سورين كير كيغارد أبا الوجودية والمؤسس الحقيقي لمذهبها، الذي وضع الركائز والدعامات الأساسية للوجودية اللاحقة التي سميت بالوجودية الملحدة في القرن العشرين، وكان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من مؤسسي هذه النزعة الوجودية وأحد أهم مفكريها. وُجدَ كيركيغارد في عصر هيمنت عليه الفلسفة الهيغلية، واستحوذت على كل مناحي الفكر الإنساني في ذلك الزمن، لذلك رأى كيركيغارد أنه يجب أن يحيا من أجل فكرة وهذه الفكرة هي الحقيقة، لكن أي حقيقة؟

إنها الحقيقة الذاتية وليست الموضوعية. الحقيقة التي تنبع من وجودي أنا كفرد، وكآدمي من دم ولحم وعواطف، على الرغم من رفض كيركيغارد تسميته بفيلسوف، ورغم عدم وجود نظام ونسق في فلسفته، إلا إنه استند إلى مجموعة من المقولات كالفردانية والاختيار والكينونة. وقف شيخ الوجودين بالضد من فلسفة هيغل في زمنه، ورأى أن الحياة لا تختصر في نسق فلسفي أو نظام من الأفكار. إذ إنه ما من نظام فلسفي ممكن للوجود. فكلمتا وجود ونظام فلسفي متناقضتان وفقا لكيركيغارد. فإذا اخترنا الوجود، فإنه ينبغي لنا أن نتخلى عن كل فكرة متعلقة بالنظام الفلسفي الهيغلي. إن خطأ المذهب الهيغلي وفقا لكيركيغارد هو أنه أراد أن يفسر جميع الأمور؛ والأمور ينبغي أن لا تفسر، بل أن تحيا. لذا رفض صاحب كتاب « إما.. أو» أن يكون موجودا معطى في النسق الهيغلي، أو لحظة من لحظات تطور الواقع، وآثر أن يمضي في الحياة من عاطفته الوجدانية العميقة، ومن تأمله في اللحظات المصيرية التي يشهدها الإنسان في تحولاته، وفي مشاعر اليأس والفزع والقلق، ثم الانطلاق نحو الحرية التي تقود الإنسان إلى الإيمان، كمنقذ أخير من دوامة الرعب واليأس، وكأبدية تحيا في الحاضرالإنساني.

يعتبر سورين كير كيغارد أبا الوجودية والمؤسس الحقيقي لمذهبها، الذي وضع الركائز والدعامات الأساسية للوجودية اللاحقة التي سميت بالوجودية الملحدة في القرن العشرين، وكان الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من مؤسسي هذه النزعة الوجودية وأحد أهم مفكريها.

مفهوم الفزع أو القلق عند كيركيغارد

وحدهم العظماء يختبرون مشاعر الألم والرعب، ويقفون عند حافة الخطر للانطلاق نحو خلق المعاني الخالدة في الحياة. في كتاب مفهوم الفزع (الصادر عن دار الرافدين ترجمة قحطان جاسم) يفرق كيركغارد بين مفهومي الخوف والفزع، فالخوف يكون من مسبب خارجي من شيء محدد في العالم، لكن الفزع هو ملتبس وغامض ويكون نتاجا للوعي، فالخوف يعاش حصراً كشيء سلبي، ويكون منفرا ومشمئزا، بينما الفزع يبدو منفراً وجذابا في آن واحد. يرى كيركيغارد أن الفزع عند الإنسان يأتي من انفتاح دوامة الاختيارات على المقبل المجهول. فهو إمكانية الحرية، أو في ما يود أن يكونه الإنسان، دون أن يملك أدنى تصورات عن وجوده المقبل، ومع ذلك يشعر بحاجته إلى أن يتخذ موقفا أو يقوم بفعل ما.

الفزع شرط أساسي للوجود الإنساني، وهو يظهر في الإنسان منذ بداية وعيه بمعرفة العالم، وما يحيط به من أمور وأحداث، لكنه يبقى كامناً ومستترا في الأعماق، ويظهر كلما توجب على الإنسان أن يختار إحدى الإمكانيات المتنوعة.

إن تصور الحرية هو الذي يوقظ فينا الفزع بشدة، ويجعلنا نصاب بالدوار، ويسمي كيركيغارد هذه الحالة بدوخة الحرية، ويضرب مثالاً بالشخص الواقف على أعلى بناية شاهقة عندما تنظر عيناه إلى أسفل، ويرعبه السقوط إلى أسفل فيسبب له هذا الرعب دواراً يكون نابعا من الخيارات والاحتمالات التي من الممكن أن تؤدي إلى سقوطه، ومن ضمنها خيار الفرد نفسه بأن يلقي بنفسه من الأعلى.

إن الفزع مرحلة ديالكتيكية في نظر كيركيغارد، فالفزع يسبق الخطيئة، رغم أنه يحاول إزالة واقعها بدرجة معينة، ويسبق فعل الخير عند الفرد المؤمن في تصوره المرعب للأبدية. ومن هنا تنبع قوة العظماء والعباقرة في لحظة الخطر عندما يكمن الفزع في الجهة الأخرى قبل وبعد الخطر. تلك اللحظة المرعبة عندما يكون على العبقري أن يتحدث مع المجهول العظيم.

الفزع العميق في مواجهة الصدمات والكوارث

إن الفزع العميق وحده يخرج من المرء ما هو تافه ومحدود، ويقوده حيث يريد الذهاب. يكشف الفزع القدر، لكن عندما يريد الفرد أن يضع ثقته في القدر يتغير الفزع فجأة ويبعد القدر. يساعد الفزع أو التربية على الفزع على تقبل الواقع والحياة بأقسى مآسيها وآلامها، فالواقع المفزع في أعماق الفرد يساعده على الراحة والسكينة ويكسبه القوة واللامحدودية في مواجهة أقوى الكوارث وأكثرها وحشية، وهذا لا يأتي إلا من أولئك الذين عاشوا الدمار واليأس والحزن إلى أقصاه. يقول كيركيغارد: «يكون الموسوس بالمرض مفزوعاً من كل شيء تافه، لكن عندما يظهر المهم، يبدأ التنفس بسهولة. لماذا؟ لأن الواقع المهم هو في كل الأحوال ليس مرعباً كالإمكانية التي استحدثها هو بنفسه، والتي استخدم قوته لتشكيلها، بينما بوسعه الآن أن يستخدم كل قوته ضد الواقع». إن التربية في الإمكانية هي تربية لذلك الفزع العظيم. ومثل هذا الفزع يستهلك كل النهايات المحدودة ويكشف خداعها. إن التربية والمران على الفزع من خلال الإيمان، سيؤدي إلى استئصال الفزع بصورة نهائية عندما يرمي الفرد نفسه في أحضان الإيمان كمنقذ أخير، لكن حتى الذي تربى في الممكن وعايش الفزع بعمق يكون معرضا للخطر أيضاً، لكنه حتما سينجو ويجد طريق الخلاص والسكينة بعد أن غاص نهائيا، ثم ظهر بعد ذلك من عمق الهاوية خفيفاً من كل الأشياء المرعبة في الحياة.

تنظر الأبدية بخلسة، بحزن وحلم في اللحظة التي يغدو التفكير الأبدي عملا خياليا، ويكون المزاج ذاته… هل أنا أحلم؟ أم أن الأبدي يحلم بي. فالفن هو مصالحة للخيال والتطلع إلى حياة خالدة، الأبدي هو التقاء الزمان بالسرمدية، لذا يجب أن يكون الخلود موجودا في كل مكان، ويكون الزمني مخترقا الأبدية ومحفوظا ً فيها.

صيرورة الإنسان

إن الحقيقة الوجودية تنبع من جوانية الفرد؛ من العاطفة العميقة، لذا يركز كيركيغارد كثيرا على وعي الفرد نفسه كوعي ذاتي، وليس كوعي خالص، والوعي الذاتي ليس وعياً محدداً، وإنما عبارة عن بصيرة ثاقبة صقلتها رحلة الحياة بالمآسي والآلام والشرور. وهذا الوعي يكون في حالة حركة فعل وتماثل مع الحياة الجوانية، والإنسان نفسه أيضا يكون في صيرورة لتحقيق الذات التائقة إلى الحرية، وإلى ذلك الينبوع الذي يقودنا نحو الأبدية. إن الإنسان بتعبير كيركيغارد يمر بثلاث مراحل في حياته، وهي ليست بالضرورة مشروطة لكل الفرد، أنها تلتزم عزيمة وإصرارا يفرضهما الوعي في لحظة حاسمة انتقالية. المرحلة الأولى هي المرحلة الجمالية أو الحسية ويكون الإنسان غارق فيها بالملذات والشهوات، وتكون فيها المسؤولية معدومة، والروح غائبة. والمرحلة الثانية هي المرحلة الأخلاقية وفيها يجنح الفرد نحو الراحة والطمأنينة، بعد أن أنهكته الرغبات واللذائذ الحسية، فيلجأ إلى تحمل المسؤولية وإلى الالتزام بالأخلاق، وعادة ما يرتبط بزوجة وتكون له عائلة. في هذه المرحلة يكون متوافقا ومنسجما مع الشأن العام، وله القدرة على التفريق بين الخير والشر واتخاذ القرارات الحاسمة، ويكون فيها الله نقطة خفية متلاشية أو فكرة واهنة وتكون قوته في الأخلاقي فقط. أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الإيمانية وفيها يعلو الفرد على الشأن العام؛ على الجمالي والأخلاقي، ويكون فرداً منعزلاً في علاقة مطلقة مع الله، ومتوحدا، وهذه هي المرحلة التي تتطلب مفارقة للعقل والغايات الأخلاقية بقرار باطني ينتزع من الأعماق.

في كتاب «الخوف والرعشة» يبدي كيركيغارد تعلقه بشخصية النبي إبراهيم الذي اقتاد ابنه إسحاق للتضحية به عند جبل الموريا، فشخصية النبي إبراهيم في نظر سورين كيغارد هو فارس الإيمان الذي ارتفع فوق المنطق العقلي، والمبدأ الأخلاقي العام. هذا الإيمان الذي يكون أصله نابعا من العاطفة، وهو ليس مجرد تأمل ذاتي وإنما حركة إيقاعية تولدها العاطفة واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى حركة الاستسلام اللانهائي، التي يستطيع بواسطتها الفرد أن يتصالح مع كل آلام الوجود. يفرق كيركيغارد بين البطل التراجيدي وفارس الإيمان، فالبطل التراجيدي يتخلى عن نفسه لكي يعبر عن العام، أما فارس الإيمان فيتخلى عن العام لكي يصبح فردا. والفرد في علاقته مع المطلق فوق كل غاية أخلاقية وتشريعية، فهو يسمو في عزلته فوق العام

وينتصر على نفسه، حيث تتكشف له الأسرار وتقترب روحه من هذا الأبدي الذي ينتصر على الزمني والنهائي. فارس الإيمان هو شاهد عيان وليس معلما أبدا، وهنا تكمن الإنسانية العميقة. فارس الإيمان دائما في عزلة مطلقة، هو المفارقة، هو الفرد الذي لا يسمع في عزلة الكون صوتا أبداً، بل يخطو وحيدا مع مسؤوليته المرعبة.

الزمان والأبدية عند كير كريغارد

إن الإنسان بالنسبة لكيركريغارد هو معادلة من النفس والجسد تسندها الروح، وهو مزيج من الزمني النهائي، والأبدي. لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه كيركيغارد: كيف يمكن تصور الأبدية في الفرد؟ يرى كيركيغارد أن هناك تصورا خاطئا عن الأبدية والخلود عند الأفراد، فمن الخطأ أن يتم فهم الأبدية ميتافيزيقياً، ومن الخطأ اعتبار الأبدي تجريدا كليا، فذلك الذي يعيش بحماس في الزمني لا يصل التخوم أبداً، بل على المرء أن يكون حارس حدود خارج الزمن. تنتج الأبدية تأثيرا ساحراً في الخيال، فلا يعرف المرء هل هو حلم أم واقع؟ كما تلوح أشعة القمر في غابة أو صالة مضاءة. كذلك تنظر الأبدية بخلسة، بحزن وحلم في اللحظة التي يغدو التفكير الأبدي عملا خياليا، ويكون المزاج ذاته… هل أنا أحلم؟ أم أن الأبدي يحلم بي. فالفن هو مصالحة للخيال والتطلع إلى حياة خالدة، الأبدي هو التقاء الزمان بالسرمدية، لذا يجب أن يكون الخلود موجودا في كل مكان، ويكون الزمني مخترقا الأبدية ومحفوظا ً فيها.

كاتب عراقي








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي