رشاد توام.. الجيش المصري بين نظامين دستوريّين

2022-06-27

ضمن "سلسلة أطروحات الدكتوراه"، صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" كتاب "الدولة في الجندي: الجيش وتغيير النظام الدستوري في مصر" لرشاد توام، وهو من تقديم ناثان براون وفرحات الحرشاني.

يقوم الكتاب على منهج مركّب بين الاستنباطي والاستقرائي والمقارن، فيوثق تفاصيل تدخلات الجيش وأبرز الفاعلين الآخرين خلال الانتقال إلى الجمهورية المصرية الثانية، معتمدًا على مصادر أصلية في الأغلب، ويحللها ويربط بينها في قسم أول مخصص لدور الجيش في الانتقال من النظام الدستوري القديم، ثم يعكسها بعمق في قسم ثانٍ مخصص لمكانة الجيش في النظام الدستوري الجديد. وهو إذا كان في قسمه الأول يقصر حالته الدراسية على مصر، فإن المؤلف قارنها في قسمه الثاني بحالات دراسية أخرى: البرتغال وتركيا وتونس والجزائر وجنوب أفريقيا وفرنسا.

وعلى الرغم من أن الكتاب التزم منهجيًا نطاقًا زمنيًا محددًا (2011–2014)، فإن مؤلفه أثراه بالإشارة إلى أبرز التطورات التي حصلت بعد ذلك، خصوصًا تعديل الدستور في عام 2019، وأسقط تجربة الانتقال إلى الجمهورية الأولى منتصف القرن الماضي، وسبر أغوار الخبرة التاريخية والموروث التشريعي. وأنجز مقاربة جمعت بين القانون العام وعلم العلاقات المدنية-العسكرية.

أدى الجيش المصري دورًا محوريًا في الانتقال إلى الجمهورية الثانية، لم يوازه دور أي طرف آخر؛ فكان الفاعل السياسي الأبرز الذي لم يتوقف دوره على المرحلة التي تولَّى فيها "إدارة شؤون البلاد"، بل تعدى ذلك إلى الفترات التي تعايش فيها، لاحقًا، مع سلطات الدولة المنتخبة والمعيَّنة.

خلال الانتقال، شهدت السلطة التأسيسية والسلطات الدستورية تحولات عدة، فتارة تضطلع بها جهات أصيلة، وتارة أخرى يضطلع بها فاعلون على نحو عرضي. وما بين حالتَي الحلول والتعايش، انخرط الجيش في أنساق متباينة من العلاقة مع السلطة التأسيسية والسلطات الدستورية، حالًّا مكانها، أو مكان بعضها أحيانًا، ومتعايشًا معها أحيانًا أخرى؛ ففي حين حل الجيش، فترة، مكان السلطة التأسيسية للانتقال (فترة حكمه المباشر)، تعايش معها أحيانًا أخرى (عهد الرئيس المنتخب)، أو ساهم فيها (عهد الرئيس المؤقت). أما السلطة التأسيسية للمستقبل، فتعايش معها دومًا، وقد استرضته بترسيخ دستوري غير مسبوق.

دخل الجيش الانتقال وجُلّ همّه حماية الدولة من الانهيار، ويوازيها حماية مصالحه المؤسسية وفقًا لنظرته الخاصة وتكريسها في الدستور، بعد أن باتت موضع نقاش غير مسبوق، بما يطرح احتمالية الانتقاص منها في الجمهورية الثانية، حال بقيت خارج الدستور. وبما لا يتعارض مع هذين المصلحتين، وفقًا لحدود فهمه إياهما، كان موقف الجيش سلبيًا تجاه الأحداث، متفهمًا مطالب الثورة بأنها لا تتجاوز تغيير الحاكم، إلى النظام الحاكم. وأدرك مبكرًا أنّ نصرته الثورة تعني بالضرورة استرداد أتعابه بترسيخ دستوري؛ وربما صحّ فيه توصيف البعض بالقول إن "الجيش ليس مؤسسة خيرية تتولى تحقيق أهداف الثورة نيابة عن القوى الثورية".

كان الجيش في النظام الدستوري القديم مؤسسة دولة، كبقية المؤسسات الأخرى أو أشدّ أهمية. وبات للجيش اليوم مكانة مميزة في النظام الدستوري لا تضاهيها أي مؤسسة أخرى؛ في ضوء تعزيز مساهمته في منظومة السلطة، وامتيازاته في منظومة الحقوق، إلى درجة يكاد الجيش فيها يكون مستقلًا بالكامل عن مؤسسات الدولة الأخرى. انعكس تعزيز مكانة الجيش هذه بالضرورة على مبدأ الفصل بين السلطات. لم تَخبَر مصر قبل الثورة علاقة متوازنة بين السلطات؛ فلطالما كان نظامها السياسي خارج المألوف مما تترسخ من تطبيقات للأنظمة السياسية التقليدية الشائعة، التي خلطت بينها التجربة المصرية ضمن محدد تمايز مكانة رئيس الجمهورية وعلوّها على السلطات الثلاث ومؤسسات الدولة.

لم يتغير شيء في النظام الدستوري الجديد على هذا الصعيد؛ فما زال مبدأ الفصل بين السلطات تعرقله حبكة تداخل صلاحيات السلطات القائمة على معادلات توازن عبّرت عن لحظة تقنينها وقوة الفاعلين في تلك اللحظة، وليس على منطق مدروس، أو ملائِمة لبيئة أو خصوصية. ما تغير أن رئيس الجمهورية بات له شريك في سدة الحكم، ليس رئيس الوزراء، وإلا كنّا قبالة نموذج مقارب لنظام شبه رئاسي، بل مؤسسة الجيش، بما لها من مساهمة في منظومة السلطة، وامتيازات في منظومة الحقوق، بل المساهمة في صنع السياسات الأمنية العامة من خلال عضوية العسكريين في المجالس المختصة، خصوصًا مجلس الدفاع الوطني في ضوء سعة اختصاصاته وأغلبية الحضور العسكري فيه؛ فرئيس الجمهورية سيقوم، في بعض الأحيان، بطابع بروتوكولي في التعيينات العسكرية، ويستأذن المجلس العسكري في اختيار وزير الدفاع، وسيصوت كبقية الأعضاء في مجلس الدفاع الوطني، الذي في إمكان تحالف العسكريين فيه أن يعطل أي قرار أو أن يمرره. وبذلك أُضعف أخيرًا رئيس الجمهورية (نسبيًا، وبموجب النظام الدستوري الخطي، وليس في الواقع بالضرورة)، ولكن ليس قبالة جهة أو مؤسسة ديمقراطية كبرلمان أو مجلس وزراء - وهذا ما كانت تطمح إليه أي ثورة على الاستبداد - وإنما أُضعف الرئيس تجاه الجيش، وهذه مسألة خطِرة.

لعل النظام الدستوري المصري الجديد فعل ذلك، لكنه لم يقف عند هذا الحد، بل ذهب ليضع قبالة الرئيس الحَكم حَكمًا آخر هو مؤسسة الجيش. وبذلك، ولا بد من أن يكون هناك حكم واحد يتولى حل الأزمة، بات هناك حكمان، على الأقل، من الوارد بقوة أن يتسبب وجودهما بهذه الصفة في خلق أزمة أكبر من الأزمات التي قد يتصدى فيها "الحكم" لحل الأزمات بين السلطات. ستكون هذه الإشكالية أعمق في حال تولّى رئاسة الجمهورية شخصٌ مدني لا يرضى عنه الجيش بالضرورة؛ فما يشغل النظام السياسي المصري الآن هو منظومة من التقاليد الحكومية والعلاقات الشخصية وأخوية السلاح. وما إن يجري الاحتكام إلى القواعد الدستورية والقانونية، فإن أزمة بالضرورة ستنشب بين رئيس الجمهورية والجيش، فضلًا عن أنّ أيًّا منهما، باعتباره "حكمًا"، لن ينجح في اضطلاعه بالتحكيم بين السلطات، لأن ميزة هذا الدور هي ببساطة في كونه يُسند إلى جهة واحدة فقط.

على صعيد آخر، فإن للجيش في منظومة الحقوق امتيازات طاغية، ليس جلّها بموجب النظام الدستوري الجديد، بل أغلبها موروثٌ من النظام القديم على شكل قواعد قانونية وممارسات. وما جاء به النظام الدستوري الجديد هو ترسيخها في الدستور، بحيث لا تكون في المستقبل عرضة للانتقاص منها، وفقًا لإرادة السلطات الدستورية، وقد باتت اختصاصات الجيش وامتيازاته "دستورية" هي كذلك.

فيما يتعلق بالحقوق السياسية للعسكريين، ففي الوقت الذي تُشرِّع المؤسسة لذاتها دورًا سياسيًا، تصفه بالوطني، تقبل بتقييد منتسبيها وحرمانهم من مباشرة الحقوق السياسية. لدى كثير من الدول، يُعتبر هذا الحرمان أو التقييد أمرًا إيجابيًا، لكن بوجود مؤسسة جيش قوية، كما في مصر، فإنّ ذلك الحرمان أو التقييد يساهم في تعزيز قوّتها أكثر؛ فلا يقبل للأفراد حقوقًا قد تخلّ بالانضباط العسكري الذي تحتاج إليه المؤسسة لتعزّز قوّتها في الدولة، باعتبار منتسبيها كتلة تدفع بها المؤسسة حيثما تريد، لا حيث يريد المنتسبون؛ فالجيش، بحكم طبيعته عمومًا، لا يقبل تعدد الآراء والتوجهات داخل المؤسسة التي يجب أن تُظهر دائمًا موقفًا واحدًا موحدًا.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي