في كتابه «مدخل إلى فلسفة المستقبل»… مصطفى النشار: الأخلاق العالمية المشتركة هي الحل!

2022-06-27

عاطف محمد عبد المجيد

في كتابه «مدخل إلى فلسفة المستقبل» الذي يهديه إلى كل من يسعى إلى مستقبل أفضل للبشرية، وصدر عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة يقول مصطفى النشار أستاذ الفلسفة في كلية الآداب جامعة القاهرة، إنه حين يتأمل ما يحدث اليوم من مظاهر جعلت العالم كله يتشارك في أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد الفتاك، وكيف تعاملت دول العالم المختلفة مع الأزمة، بداية من الصين التي كانت البؤرة الأولى لانتشاره، يجد أن كل ذلك يقود العالم حتما إلى مرحلة جديدة يمكن أن يُطلق عليها مرحلة ما بعد كورونا، حيث إن نظرة البشر لأنفسهم حتما ستختلف، إذ كانت حياتهم وتصوراتهم تتركز حول النظر إلى مصالحهم الذاتية كدول وشعوب، وكان الصراع بينهم يأخذ مناحي شتى تتمحور حول الحروب العسكرية والاقتصادية والتجارية، أما الآن فقد تجمع الجميع وتوحدوا لمحاربة عدو واحد لم يميز في مهاجمته لهم بين غني وفقير، أو بين حاكم ومحكوم.

النشار يرى أن كورونا قد وضع كل البشر تحت ضغط التساؤل: وماذا بعد؟ وإلى أين المفر؟ وكيف نهرب منه؟ وكيف نهرب من أمامه ونحن لا نراه؟

في مقدمته يؤكد الكاتب إن كتابه هذا معنيٌّ بطرح كل التساؤلات وكل القضايا المستقبلية، ليس في مجال العلم والسياسة فقط، بل في كل ما يشغل بال الإنسان المعاصر من تساؤلات حول المستقبل، مضيفا أن العقل العربي مُتهَم حتى من مفكريه بأنه عقل غير معنيٍّ بالمستقبل، لأنه مشدود باستمرار نحو الماضي ولا يفكر في الحاضر إلا من منظور كيف نستدعي الماضي بقيمه الدينية والأخلاقية والعلمية النبيلة ليكون هو حاضرنا ودافعنا إلى المستقبل. لكنه يعلن أن كتابه هذا محاولة لدحض هذا الاتهام، إذ إن العرب ليسوا بعيدين عن التفكير في المستقبل، ولا يشغلهم ماضيهم عن مستقبلهم، هم فقط يعتزون بماضيهم الحضاري العظيم.

مجال التحدي

هنا، وفي كتابه الذي يضع القارئ مباشرة في قلب المستقبل ولا يطلب منه إلا التفاعل والحوار حول كل ما فيه من قضايا، يدعو الكاتب للنظر إلى المستقبل، خاصة أن النظر إلى المستقبل هو الذي يتغير به الحاضر إلى الأفضل. والنظر إلى المستقبل بعيون مفتوحة وعقول مبدعة، هو طريقنا الوحيد إلى التقدم والنهوض. كذلك يرى النشار أن المستقبل هو ما يمكن أن نفكر فيه بإيجابية وبإرادة حرة، وهو مجال التحدي الحقيقي للمنافسة الحضارية مع الآخر، غربيّا كان أم شرقيّا، وهو ما نستطيع أن نقول من خلاله هنا، إننا أمة ناهضة وقادرة تستطيع أن تقود العالم بمزيج من الموازنة بين مطالب الروح ومطالب الجسد، بمزيد من التزاوج بين الأخلاق والعلم والدين، وإننا أمة يمكن أن تصوغ للعالم مستقبله، وفقا لقيمها وقدراتها.

في كتابه هذا، الذي يكتب صفحاته في لحظة فارقة من تاريخ البشرية في العصر الراهن، يقول إننا نكاد نلمح بداية عصر جديد منذ بداية العام 2020، فالنظام العالمي راح ينهار وراحت تنهار معه قيمه، التي ركزت على امتلاك القوة العسكرية والقوة الاقتصادية، مضيفا أن هذا النظام المعولم بقيمة الرأسمالية المتوحشة وآلياته العسكرية المدمرة ينتصر عليه الآن هذا الفيروس الصغير كورونا، والسؤال الكبير الذي يشغل الكاتب ومعه كل فلاسفة العالم وعلماء الإنسانيات الآن هو: هل هذا نهاية عصر وبداية عصر جديد؟ معلنا أنه شخصيّا يرى أن فجر عصر جديد في تاريخ البشرية يلوح في الأفق الآن، إنه العصر الذي ستتجه فيه السيادة من الغرب الأمريكي ـ الأوروبي إلى الشرق الآسيوي الصيني، فالصين هي التي نجحت في السيطرة على انتشار الفيروس.

إنسانية الإنسان

ما يتوصل الكاتب إليه هنا هو أن هذا العصر الجديد ستتغير فيه السياسات العالمية واقتصاديات العالم، كما أن السيادة لن تكون للقوة العسكرية والاقتصادية، بل لإنسانية الإنسان، فغياب القيم الإنسانية الرفيعة في الحقبة السابقة من تاريخ البشرية، وانفصال الأقوال عن الأفعال، حيث كثر الحديث عن حقوق الإنسان والتسامح والسلام، بينما اتجهت أفعال القوى المهيمنة إلى الاستبداد بالآخرين، وفرض الهيمنة عليهم بقوة السلاح، وتفتييت الدول والجيوش والفوضى الخلاقة التي أشاعوها بين الأمم والدول المستقرة. هنا يؤكد النشار أن العصر الجديد ستكون فيه السيادة لعودة القيم قولا وفعلا. نعم سيتجه العالم إلى تكديس السلاح ومحاولات غزو الفضاء، لكنه أيضا، وبالقدْر نفسه، سيتجه إلى إعادة توزيع الثروات والقضاء على الفقر، وإعادة البيئة الخضراء والحفاظ على الحقوق المتوازنة للبشر وللكائنات الحية كافة التي تشارك البشر الحياة على هذا الكوكب. كذلك يقول إن عصرا جديدا سيتشكل عقب القضاء على وباء كورونا الذي لم يعرف له البشر حتى الآن نهاية! إنه لا يزال ينتشر ويقضي على الناس في كل مكان في العالم، كالوحش الذي خرج من قمقمه ولا نعرف متى سننجح في القضاء عليه.

هنا يكتب النشار عن المستقبل وفلسفة التقدم، ذاكرا أن المستقبل أهم من الحاضر والماضي، ومن هنا انصب اهتمامه على التفكير في المستقبل. كما يرى الكاتب هنا أن التفكير في المستقبل وممكناته، رغم أهميته وضرورته إلا أنه محاط بالكثير من عوامل الغموض واللايقين، وأن هناك فائدة عظمى من استباق الأفعال، بالتنبؤ بممكنات المستقبل في هذا الأمر أو ذاك، حيث إن هذا الاستباق المبني على التنبؤ حتى لو كان ثمة لا يقين في هذا التنبؤ يجعلنا على وعي بممكنات الغد، ويخبرنا عن التطورات الممكنة فيه، وحتى لو لم نمتلك حينذاك الوسائل الكافية لتحقيق الأهداف، فإننا على الأقل نمتلك بعض القدرة على تغيير الأحداث والتأثير فيها، أملا في مواجهة التحديات.

ما يتوصل إليه هنا الكاتب أيضا هو أن المستقبل هو مجال للحرية ولممارسة القدرة بفعل العزيمة والإرادة، ودون المستقبل والتفكير فيه من ممكنات، ودون خوض تجربة الاختيار بين ممكناته فلا مجال للتقدم خطوة، ولا مجال للإبداع الإنساني الذي بفضله يتحقق التقدم.

سيناريوهات المستقبل

في « مدخل إلى فلسفة المستقبل» يكتب مصطفى النشار عن سيناريوهات المستقبل ودور الخيال الفلسفي، عن فلسفة المستقبل والعلوم الاجتماعية، عن مستقبليات فلسفة التعليم، عن العقل وثورة التقنيات الرقمية المعاصرة، متسائلا هل تقود الصين الدورة الحضارية المقبلة؟ هنا، ومتأملا الواقع الذي يحيط بنا، يقول الكاتب إنه علينا أن نفكر، كعرب، بشكل يعلو على المصالح الآنية الضيقة، فنشكل كيانا سياسيّا واقتصاديّا له قوة عسكرية تحميه، ليكون اتحادنا سندنا في مواجهة المستقبل المليء بالغموض والتحديات.

النشار، الذي ينقل هنا عن هوج دي جوفنال قوله، إن طبيعة المستقبل تتجلى في ثلاثة مجالات هي، الحرية والقدرة والعزيمة، يقول إن هناك أسئلة كثيرة ومتتابعة تثير القلق على مستقبل الإنسان عموما في ظل ما أحدثته إبداعاته التكنولوجية من تطورات قد تجبر الإنسان البشري على ترك معظم مواقع العمل، إن لم يكن كلها لهذا الإنسان الآلي ذي الذكاء الاصطناعي القابل لتطورات ربما تكون لا نهائية في مستقبل الأيام.

في كتابه هذا الذي يحمل تساؤلاته وتأملاته التي تتعلق بالمستقبل يقول الكاتب، إنه ينبغي النظر إلى مسألة الأخلاق العالمية المشتركة والتآلف المطلق بين البشر في وحدة كونية وإنسانية واحدة، على أنها أقرب إلى الحلم الطوباوي منها إلى الواقع الممكن، خاصة في الوقت الحالي.

نهاية يتساءل الكاتب: هل يمكن فجأة أن يحل السلام محل الصراع؟ ويحل الحب محل البغض؟ ويحل الوفاق محل التنافس؟

كاتب مصري







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي