«مكافحة الفساد عبر التاريخ»: مَن سيحرس الحُرّاس؟

2022-05-20

محمد عبد الرحيم

«يُعرض الفساد كإهانة سياسية، كصفة سلبية لحاكم أو نظام أو منظمة أو مسؤول ما. وعلى هذا النحو كان يعتبر انحرافاً مقوضاً للأخلاق».

رغم المحاولات والجهود لمحاربة ما يُسمى بـ (الفساد) هذا المصطلح الأكثر انتشاراً في وقتنا الراهن، الذي أصبح يدل على ما يصيب السلطة السياسية والإدارية لدولة ما، إلا أن المصطلح لم يكن مرهوناً بالمجتمعات وأنظمة الحكم الحديثة، بل إن الفساد لديه سيرة تاريخية تمتد حتى اليونان. فـ«مفهوم الحكم الرشيد والجهود المبذولة لتقليل تلك الممارسات التي ما كان يعتقد أنها تقوّض الشرعية الأخلاقية والسياسية لهياكلها الإدارية والقضائية، ليست إبداعات تقتصر فقط على أوروبا الغربية، فضلاً عن كونها حداثية». هذا ما يؤكده ويتتبعه كتاب «مكافحة الفساد عبر التاريخ.. من العصور القديمة إلى العصر الحديث»، لمحرريه رونالد كروزي، أندريه فيتوريا، وجي غيلتنر، الصادر مؤخراً ضمن سلسلة عالم المعرفة، وترجمه إلى العربية إيهاب عبد الرحيم.

ينقسم الكتاب إلى عدة أبواب تتفرع إلى عدة فصول لمناقشة حقبة تاريخية بعينها، وتأتي عناوين الأبواب حسب ترتيبها كالآتي.. العصور القديمة، العصور الوسطى، الحداثة المبكرة، من الحداثة المبكرة إلى الأزمنة الحديثة، التاريخ الحديث والمعاصر، إضافة إلى مقدمة وخاتمة. وسنحاول مناقشة عدة نقاط في الكتاب الذي يُجاوز بجزئية الـ 700 صفحة.

المصطلح دلالة وسياق

تعود أصول كلمة فساد (corruption) إلى اللغة اللاتينية الكلاسيكية وكانت مرادفاً لإساءة استخدام السلطة والانحراف السياسي وفقدان النزاهة، وعلى الرغم من استخدامها في كثير من الأحيان بهذا المعنى في فترات لاحقة أيضاً، فقد استخدمت على مر الزمن لوصف مجموعة كبيرة ومتنوعة من الممارسات من سوء السلوك الجنسي إلى المحسوبية إلى الإثراء الخاص إلى شيء بسيط، مثل خطأ في نص أو ترجمة. وفي فترات مختلفة تباين التركيز على ما يمثل فساداً، فالممارسات التي كانت تعتبر غير أخلاقية ومخالفة للمصلحة العامة، وصفت بأنها فاسدة في فترة ما، ولكنها لم توصف كذلك في فترة أخرى، وفقاً للسياقات التاريخية المختلفة. ومن ناحية أخرى فإن خلو المصادر من مصطلح (الفساد) المرتبط بممارسة محددة لا يحول دون إجراء تحقيق تاريخي لتلك الممارسات والمفاهيم، ومن ثم يمكن استقصاء الفساد حتى لو لم تستخدم الكلمة نفسها لوصف حقيقة تاريخية معينة.

أن تكون مرتشياً فأنت كاره للشعب

يرى أرسطو أهمية اتخاذ القرارات بصورة جماعية مقابل الفردية في السياسة اليونانية القديمة، وأشار إلى أن مجموعة من الأفراد العاديين يمكنها الحكم على المواقف السياسية المعقدة بصورة أفضل مما تفعله حفنة من الأفراد الممتازين. وبذلك تصبح الجموع أقل قابلية للفساد من القِلة. ومن حيث الجماهير كانت تتصرف وكأنها نُخب، فقد استلزم فرض ضوابط أكبر عليها، فتهمة الرشوة إن ثبتت في حق أحد المُحلفين تكون العقوبة هي الإعدام، على العكس من قرار فردي يتخذه أحد النخب، فإما الغرامة والنفي أو الإعدام. ويرى المحرر أن النظام الديمقراطي التشاركي عمل على إعلاء المسؤولية السياسية الجماعية، مقابل الاتخاذ الفردي للقرارات، فقرارات النخبة كانت مشكوكا فيها، نظراً لأنهم تحالفوا ضمنياً مع قيم النخبة، وليس قيم الديمقراطية.

الرشوة الانتخابية

نظراً لكون القانون الروماني هو أصل وأساس القوانين الحديثة، فسنجد الكثير من التشابه بين القوانين ومن ثم الجرائم التي سُنت من أجلها، فقد ابتكر الرومان مجموعة متنوعة من تدابير مكافحة الفساد، التي يتمثل الهدف النهائي منها في القضاء على الصراع، أو تخفيفه على الأقل بين المصالح الشخصية للحكام الأفراد والمصالح السيادية للشعب الروماني. ويأتي على رأس هذه الجرائم (الرشوة السياسية/ الانتخابية)، ولننظر إلى هذه العبارات بالغة الدلالة.. «كان في وسع المواطنين الرومان بيع أصواتهم لأعلى مُزايد، ولم يُترك للمرشحين خيار سوى صب جميع مواردهم النقدية وغيرها في حملتهم الانتخابية… وبحلول أواخر الجمهورية أصبح الرومان بمن فيهم أدنى الفئات ينظرون إلى الرشوة باعتبارها حقاً تقريباً». فهل اختلف الأمر منذ الرومان عنه الآن؟

مكافحة الفساد العثماني

وننتقل إلى الدولة العثمانية ومحاولاتها التصدي للفساد، فاعتبرت إساءة السلوك وإساءة استخدام السلطة جرائم خطيرة، خاصة إن مسّت القضاة والموظفين القانونيين، وقد طبقت المحاكم الجنائية القوانين ونفذت العقوبات تجاه هؤلاء، ونشر هذه القضايا وأحكامهما في المجلة القانونية الرسمية، ومن خلالها تم توثيق عدة حالات فصل لقضاة شرعيين بسبب إساءة استخدام السلطة.

قضية لوكهيد 1977

برزت قضية لوكهيد ـ شركة تصنيع وبيع طائرات ـ نتيجة تحقيقات أجرتها لجنة أمريكية اكتشفت أن لوكهيد كانت تقدم رشوة للمسؤولين منذ خمسينيات القرن العشرين. وكانت تداعيات هذه الفضيحة في هولندا مرتبطة بالأمير بيرنهارد زوج الملكة جوليانا، فهل قبل رشوة الشركة لشراء طائرتها أم لا؟ وهو المفتش العام للجيش الهولندي وممثل الشركات الهولندية في الخارج! وبعد تحقيقات ومواجهات مع الرجل، ورغم عدم إثبات فعلي لجرائمه، إلا أن لجنة التحقيق أدانته، ورأت أنه وضع نفسه موضع شُبهة، فاستقال الرجل من منصبه، ومُنِع من ارتداء زيّه العسكري، وتوارى عن العمل العام. وبالطبع لن نأمل في بلادنا السعيدة أن تتم حتى المقارنه ولو في خيالنا بين هذه الحالة وما يعيشه رجال السلطة عندنا.

مجتمع غير قابل للإفساد

ويأتي الحديث هنا عن ألمانيا الشرقية في ظل الحُكم الشيوعي. إدّعت الأحزاب الشيوعية التي وصلت إلى الحكم في أوروبا الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية أن الفساد ظاهرة رأسمالية، وبما أنها قد انتصرت على هذه الظاهرة، فبالتالي انتفى عنها الفساد. ورغم ذلك فرض القانون بعض العقوبات القاسية على جرائم الفساد، ولكن في ظل هذا النظام لم يكن القضاء مستقلاً عن النظام السياسي، وكانت الملاحقة الجنائية تخص معارضي النظام. ولكن ظاهرة الفساد في هذا النظام كانت مرتبطة بثلاثة عناصر، النخب العليا والمناصب القيادية، واضعي الخطط وتخصيص الموارد، ومقدمي السلع والخدمات إلى المواطنين. وهي الآفات نفسها في المجتمعات الاشتراكية، والسياسات التي تنتهج مثل هذا النهج، خاصة أنها تدور في فلك الحزب الواحد المسيطر، والمتداخل بالضرورة مع التنظيم الإداري للدولة من خلال أتباعه وموظفيه. ويسرد الكتاب عدة حالات لهذا الفساد تمثلت في محاكمات استعراضية لشركات القطاع الخاص بناء على تعليمات من كبار قيادات حزب الوحدة الاشتراكي الألماني، ورغم وجود حالات فساد بالفعل، إلا أن الهدف كان التشهير بالشركات الخاصة، على الرغم من المناداة دوماً بارتباط الفساد بالمجتمع الرأسمالي.

أما قادة الحزب فأسسوا فسادهم الذي يليق بهم، المرتبط بالمحسوبية المُنَظَمَة، بخلاف الامتيازات الممنوحة لرجال الحزب والدولة، من الوصول إلى السلع النادرة في الأربعينيات والخمسينيات. الأمر نفسه ولو بشكل آخر جاء من قِبل المواطنين، فمن أجل الحصول على الخدمات والسلع الشحيحة عُرضت الرشاوى على الأفراد والسلطات المسؤولة عن توزيع أو بيع هذه العناصر، كالأطعمة والكتب والسيارات ورخص القيادة، وقضاء العطلات على ساحل بحر البلطيق، وبالطبع سلطات الإسكان، في ظل النقص العام في المساكن، مع ملاحظة حصول أعضاء الحزب البارزين على مساكن رخيصة، أو حتى دون تكلفة على الإطلاق.

ونلاحظ مدى تشابه حالات الفساد هذه والأنظمة العربية التي تبنّت الوجهة الاشتراكية، مثال (النظام المصري والنظام العراقي)، أو التي لم تزل تعيش في وهم كونها اشتراكية كـ (النظام السوري)، أو بمعنى أدق نظام الحزب الأوحد، الذي لا يعتنق إلا فكرة وجوده.

الكتاب: «مكافحة الفساد عبر التاريخ.. من العصور القديمة إلى العصر الحديث» / تحرير: رونالد كروزي، أندريه فيتوريا، وجي غيلتنر

ترجمة: إيهاب عبد الرحيم علي

إصدار: سلسلة عالم المعرفة عدد يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2022، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي