معاريف إلى لبيد: لا تبحث عن شعبيتك في رهط.. فتشجير النقب مهمة صهيونية

2022-01-20

 وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد سيلتقي رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الفرنسي في الأيام القادمة (ا ف ب)

الشعار الصهيوني الذي حمله دافيد بن غوريون “إحياء القفر”، وجه أفعال إسرائيل منذ أيامه وحتى الآن. فبلا تشجير وغرس لن تقوم صهيونية تحمل معنى العودة إلى الطبيعة والحياة الزراعية التي تشكل شرطاً لعودة الشعب اليهودي إلى بلاده. واضح أن أعداء الصهيونية والدولة واعون لذلك، وعليه فإن معارضتهم إحياء القفر مفهومة. ما ليس مفهوماً هو موقف اليسار الراديكالي داخل الشعب الذي يجلس في صهيون، والذي يلحق كل ما يمنع من تحقق الصهيونية بكل النزوات العربية.

لقد كانت هذه الكراهية الذاتية اليهودية معروفة في المنفى، ولكنها الآن هنا واستولت على الحكم، في الحكومة والدولة ومؤسساتها. وهذا يئير لبيد، رئيس الوزراء البديل، يعطيها تعبيراً بأنه مستعد للتخلي عن الغرس مقابل الهدوء. ويمكنني الآن أن أضمن له بأن يكون أكثر شعبية لدى أعدائنا إذا ما أعلن أيضاً عن نهاية الصهيونية، وحل الوكالة اليهودية والصندوق القومي، وإلغاء يوم الاستقلال، وتبنى نظرية مبام القديمة – اليوم ميرتس – بشأن ثنائية قومية الدولة. الميل السائد في الحكومة اليوم هو الاستسلام أمام كل نزوة للقسم العربي في الائتلاف في ظل ضخ مئات الملايين للوسط المناهض للصهيونية. فالتنازل عن تشجير النقب خطوة مناهضة للقومية. لقد نزل بن غوريون إلى النقب كي يشجع الاستيطان اليهودي فيه، ولم يكن السبب ملل المكوث في تل أبيب. أما اليوم فالميل لإعطاء الكهرباء للاستيطان العربي غير القانوني، بل ومواصلة منع الكهرباء عن الاستيطان اليهودي الفتي في يهودا والسامرة. هذه ليست صهينة، بل عربنة.

وثمة مثال على المشهد الذي كان مقارناً على ما تغير منذ 1948، وهو الانطباع الذي أخذه طفل – وهذا الطفل هو أنا – مع صعودنا في طريق بورما إلى القدس بعد الحصار، في الأيام الأولى من تشرين الثاني من تلك السنة. أبي رحمه الله، نسيم بابو، كان ناشطاً صهيونياً قديماً في بلغاريا وخطيباً لامعاً في الجاليات هناك. مع وصولنا إلى ميناء حيفا في سفينة “بان يورك” وكان على متنها أكثر من 3 آلاف مهاجر، خرج الناس بإنشاد هائل لـ “هتكفا”. بعد بضعة أيام في بيت المهاجرين في فرديس حنا، توجه رجال الوكالة إلى أبي بطلب تنظيم مجموعة مهاجرين للصعود الأول إلى القدس بعد الحصار، وهذا ما فعله. في الطريق، نظرت بعجب بل وبرفض نفسي للمشهد الأجرد الصخري الذي لف القدس. طلت عليّ من كل صوب تلال فارغة من الأشجار، مزروعة بالصخور العالية. وعندما وصلنا إلى باب الوادي، كانت بضع أشجار قليلة وحرس من الجيش الإسرائيلي، لكن من هنا فصاعداً كان كل شيء مزروعاً بالصخور البيضاء التي ذكرتني بالقبور والشواهد التي عليها. ترك هذا فيّ أثراً سلبياً. كان هذا هو المشهد الذي أحاط بعاصمة داود الملك، التي عادت لأن تكون مدينة العاصمة بعد إعلان الاستقلال. منذئذ، حل تغيير هائل: عشرات آلاف الأشجار غرست فغيرت المشهد إلى أخضر. لا شك عندي أن لو كانت حكوماتنا قديماً بتشكيلتها الحالي، لما كان تشجير.

ثمة تجربة ذاتية أخرى من تلك الرحلة إلى القدس؛ عندما توفي والدي في 1982 جاء لمواساتنا بعض من أولئك الذين صعدوا معنا، أحدهم ميكو باروخ، وروى: “عندما وصلنا إلى باب الوادي، كان أحد الجنود يبكي هناك. سألناه عن السبب، فأجاب إنه انفعال؛ لأنهم كانوا دائمي النزول من القدس إلى الساحل، ولكنها المرة الأولى التي يرى فيها يهوداً يصعدون إلى القدس”. منذئذ، غرست التلال حول المدينة، وكانت علامة صهينة للدولة. وعليه، من الصعب أن نفهم غرور لبيد في بحثه عن الأصوات والشعبية لدى اليسار المتطرف والعرب، حين يرى في التشجير استفزازاً يمنعه من الحصول على الأصوات من رهط ومحيطها.

 

بقلم: المحامي أهرون بابو

معاريف 20/1/2022







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي