تنويعات على أشعار المتنبّي

2021-12-12

خوسيه أنطونيو مارتينيز مونيوز

ترجمة وتقديم: جعفر العلوني

إننا أمام شاعرٍ يفتحُ بابَ القصيدة على الزّمن، لكي يفهمَه ويحاوره، حبّاً ومعرفةً. أمام شاعرٍ يترك أسلوبَه يتدفّق وفقاً للعصرِ والقضايا والموضوعات التي تشغله وتهمّه. ليس خوسيه أنطونيو مارتينيز مونيوز شاعراً ملتزماً؛ فهو لا يكفُّ عن ممارسة الخروقات التعبيريّة العمودية الغريبة، لا سيّما في ديوانه "رياح جحيمية"، حيث يمارس نوعاً من المشي اللفظيّ على حبلٍ ممدود على هاويّة الجحيم. فهل سيسقط الشاعر في هذا الجحيم الذي يمكن أن يكون الواقع نفسه؟

نعم. غير أنّ هذا السقوط لن يكون إلّا ارتقاءً وعلوّاً؛ إنّه نوعٌ من تحقيق عميق للذات في هذا الوجود، وليس هنالك من طريقة لتحقيق الذات، كما يعبِّر الشاعر نفسه، إلّا من خلال الكتابة والقراءة. هكذا سيغوص الشاعر في جحيم مَن سبقوه من الشعراء، تيمُّناً بدانتي، وسيبدأ، من الجحيم وتآويله، بمدّ الجسور الثقافية، واصلاً الشرق بالغرب. كأنه يقول لنا إننا نستطيع، رغم كل هذا الجحيم الذي نعيش فيه، أن نمدَّ جسراً ثقافياً، وأنّ الشعر هو مخلّصنا من هذا الجحيم، وهو الوحيد القادر على تجاوز الجحيم نفسه.

يغوص في تجارب سابقيه من الشعراء، واصلاً الشرق بالغرب

ولمّا كان مونيوز ينتمي إلى أجيال سابقة من الشعراء، فإننا نراه، في كلّ قصيدة يكتبها، يحاكي هؤلاء الشعراء وكأنه في هذا يريد شيئاً واحد فحسب: أن يتحدّث مع الموتى. هكذا يسأل الشاعر الموتى، يتحاور معهم، ويعيد كتابة أساطير القبيلة، وبعض الأصوات التي نطقت بكلمة الشعر، لكنّها الآن ترقد في الجحيم أو في وادي النسيان: المتنبّي، عمر الخيّام، خورخي مانريكي، إليوت، سيزار باييخو، باول سيلان، دانتي، وفاليري، والكثير الكثير غيرهم. يتحدّث معهم الشاعر، يحاورهم ويحاكيهم لكي يتعلّم منهم ولكي يسمع صوت الحقيقة الذي لا ينطق به إلّا الشعر.

هنا ترجمةٌ لمختاراتٍ من قصائده، هو الذي يترجَم للمرّة الأولى إلى اللغة العربية.

تنويعات على أشعار المتنبّي

ضيعّتُ عمري

وكلّ سنواتي

أفضّلُ حياةً كانت بين أممٍ

وشعوبٍ في الماضي.

يموت الجاهل في جهله

كمثل العالِم الذي يموت في عِلمه.

وقد ينجو في طريق آمن

كلّ سكّيرٍ كان، في عيون الناس،

نبياً، دون رداءِ.

إنْ كنّا أبناء الموتى،

فلماذا نرفض كأس الشرابِ؟

لا يغفل الموت عمّن ينتظره

بقلبِ جبانٍ

فاملأ الكأس واترك الروح حصاناً جارياً

يلبس خوذة العشب الأخضر

ويصهل بفمٍ - نارٍ.

يركض إلى الشرق حيث لا شروق

وإلى الغربِ، حيث لا غياب.

ترسم الكواكبُ غروبَها

على جمر النار الأخيرة،

وخائفةً، تنام من حولها،

القبيلةُ.

هكذا، قاتمةً،

تُزهر نارٌ جهنّمية.

في هذا الصمت

تموتُ الأصواتُ الأخيرة

تموتُ الكلماتُ التي تلبس الفراغَ

لكي تجعله قابلاً للحياة.

في هذا الصمت

تُمسَح الرماحُ التي تجرحُ قلبَ غزالٍ

هجر القطيع.

في هذا الصمت

تتأرجح أبجديّة القبيلة

وذاكرتُها البحريّةُ العريقة.

لا صوتَ إلّا لصمتِ الأغصان

التي تكتب أغنية الشجرة الإلهيّة.

■ ■ ■

(إلى ذكرى عمر الخيّام وخورخي مانريكي)

البشر والأشياء

ندىً لعُشبٍ واحدٍ

البشر والظِلّ

طينٌ لإناء واحد:

أثرٌ طفيف للقارب.

■ ■ ■

(إلى ذكرى باول سيلان)

منذ القدم

يطير الرمادُ مع الهواء.

أصفرُ هو لون الدفاتر،

الكلمات

والرايات الشائبة.

صدىً يردّد صداه

موتٌ يهرب

والأنواعُ كلُّها مرهقة.

على أغنية لواء الظلّ الأخير

شخصٌ يقلّب دفتر أيامه،

يضحك،

والكلاب تنبح

ويُقال إنّ كل شيء يُنسَى.

منذ القدم

ينام الرمادُ في سرير الريح.

■ ■ ■

(مع أندريه بريتون ونادجا)

يحدثُ أمامي ويتبعني

يتبعُ نفسي ثم يحدث مرّة جديدة

ويتبعني أكثر من نفسي.

أصير وأعودُ إلى تعويذتي الخاصّة

أنا كلُّ هؤلاء الناس، كلُّ هذه الوجوه

كلُّ هذه الأصوات

ولكنّني

لست موجوداً.

لابساً سربال الجهل العذْب

يعتقد المرء أنّه ساكنٌ ومستريح

بينما تسقط الحياة عليه

كمثل شلّالٍ من الأيام والأشياء.

غير أن الحقيقة تبدو واحدةً وأخرى:

تقودنا، في هذا الظلام،

بلا خرائط أو أضواء

من فراغٍ إلى نسيان.

والعالم يستمرّ

وتنام الأشياء

والعالم ينام

كما لو أنه شيءٌ ما

كما لو أنه عَدَمٌ ما.

■ ■ ■

وقت القمح

يا حُبُّ، اسأل القمح

إن كان مستعجِلاً،

إن كان يشتاق المطرَ لكي يبلّله،

والريحَ لترقص معه؟

إسفنج الهاوية والسمك القاتم

الراقد في الأسفل

يسألون عن العمر الباقي؟

انظر فُتورَ الزيت

في النار،

يا حُبُّ،

تأمّل بُطْء عينيَّ

فالوقت ليس يهمّنا.

إنها ساعة الرحيل

سأطلب أن يضعوا مزيداً من الحطب على ناري

أرغب في سماع صوت الموج،

أريد أن أكتب الوقت

بطيئاً

كمثل ساعات الدم الجاري في نبضي

كمثل الحلم الدنيء لآلهتي.

طوبى لكَ

يا مَن تلتزم الصمت!

طوبى لك يا مَن تسمع

صوت الرُّوح المكسورة.

بطاقة

José Antonio Martínez Muñoz شاعر وصحافي إسباني من مواليد مدينة مرسية الأندلسية عام 1959، يُقدّم البرنامج الإذاعي الثقافي المعروف "شخصيات الفعل" الذي لعب دوراً في التعريف بالكثير من الأصوات الشعرية المحلّية والأجنبية. صدرت له العديد من المجموعات الشعرية؛ من بينها: "مطر على الكريستال" (2000)، و"واحد" (2002)، و"رياح جحيمية"، (الغلاف، 2005) و"العملة" (2007).







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي