سوريا تحتفي برحلة أسماء فيومي مع التجريد على مدى نصف قرن

2021-10-28 | منذ 1 شهر

وجوه تغوص من العميق إلى الأعمق

دمشق - يقام حاليا بالمركز الوطني للفنون البصرية بالعاصمة السورية دمشق معرض استعادي للفنانة التشكيلية السورية أسماء فيومي، ضمّ أعمالا ولوحات استغرقت في إنجازها مدة خمسة وخمسين عاما منذ تخرّجها من كلية الفنون الجميلة عام 1966 وحتى الآن.

وتنوّعت أعمال المعرض في أحجامها من الصغيرة إلى المتوسطة وصولا إلى الأعمال الجدارية، كما تنوّعت من حيث التقنيات اللونية سواء الأكريليك أو الزيت إضافة إلى تنوّعها أيضا في المواضيع المطروحة التي جمعتها ريشة فيومي وألوانها.

وقالت التشكيلية السورية إن الأعمال تمتدّ من المرحلة الأكاديمية التي ضمّت أربع لوحات، مرورا بالمرحلة التجريدية التي كسرت فيها الأشكال الواقعية مبتكرة أشكالا جديدة اعتمدت بشدة على البقع اللونية، ليكون لكل لون درجات تعكس هذه المرحلة، وصولا إلى المرحلة التعبيرية التجريدية، والتي جمعت فيها كل القضايا التي عملتها بالتجريد، وهي مرحلة ممتدّة في مشوارها الفني.

كما شمل المعرض لوحات عن الحرب، وأخرى لم تعرض سابقا، تناولت فيها الأمومة وعلاقة الأم بالطفل معبّرة فيها عن هواجسها بالإنسان والوطن، وثالثة عن مدينتي القدس وغزة ورابعة صوّرت فيها بورتريهات لأشخاص من وحي ذاكرتها أو خيالها.

سعد القاسم: يصعب وصف أسلوب الفنانة بالتجريدي رغم ما فيه من اختزال وتلخيص

وعن بدايتها الفنية، تقول “أنا من مواليد العاصمة الأردنية عمّان في العام 1943، في صغري كنت مهتمة بكتابة الشعر، ثم اتجهت إلى التعبير بالريشة والألوان، فشجعني الأهل واحترموا موهبتي ورغبتي في دخول كلية الفنون الجميلة بدمشق التي تخرّجت فيها عام 1966 قسم التصوير، وبعد تخرجي عملت مهندسة ديكور في التلفزيون السوري ومحاضرة في مركز الإعداد الإعلامي التابع لجامعة الدول العربية”.

ولا يخضع الفن لدى فيومي للعقل بل للإحساس الداخلي والعاطفة والخيال، حيث اتجهت في أعمالها إلى الفن التجريدي، لأنها وجدت فيه مجالا خصبا لترجمة تأملاتها الشخصية الميّالة إلى إظهار المشاعر والأفكار الجوانية، وهي التي تسعى في كل تجربة لابتكار أشكال لونية جديدة وتحويل الإنسان من طبيعي كلاسيكي إلى شخص تتخيّله يخدم فكرة درامية معينة.

وعن لوحاتها التي تحدّثت عن الأزمة السورية، قالت “يُعدّ الرسم بالنسبة إليّ الهواء الذي أتنفسه، لذلك لم أتوقّف عن العمل طوال فترة الأزمة السورية، فكنت أرسم إحساسي الحزين عن كل ما يحدث في وطني، فلم أكن أرى سوى اللونين الأبيض والأسود، حيث انعدمت الألوان الزاهية في داخلي ما انعكس على لوحاتي، ورغم أنني لست سياسية، ولكنني أتأثر بالهواجس الإنسانية، هواجس الوطن والأم، فأيّ مشهد لا إنساني يدخل في ضميري الداخلي والوجداني لأعبّر عنه وأجسّده في لوحة ما”.

وتابعت “تزدحم لوحاتي بوجوه نساء وأطفال تربطهم علاقة حميمة مع الأرض مستوحاة من الأساطير السورية القديمة التي تعتبر وجه المرأة بمنزلة أرض الوطن، فرسمت المرأة ضمن المدينة، ورسمتها داخل البيوت وهي تحتضن الطفل، لأن المرأة والطفل هما أسطورة الخلق، فالفن ليس فوضى بل هو خلق خالص، والفنان الذي يرسم ما بداخله لا يمكن أن تكون أعماله تكرارا لأعمال غيره، لأن لكل فنان داخله الخاص، ومن هنا تعدّ الألوان والمواد وطريقة استعمالها خرقا لأساليب مكرّرة وعنصرا مساعدا على التجديد”.

النوم على بساط الألوان

وعن علاقتها بالألوان والأدوات، تقول “ألواني تأتي فجأة وتذهب فجأة فيسكنني اللون لفترة ويستولي على عينيّ لدرجة لا أستطيع الفكاك منه، وعندما أتحرّر منه يسكنني لون آخر ولا أرغب في العودة إلى اللون السابق، إلاّ عندما يتسرّب قليلا في الزوايا ويصبح جزءا من رؤياي، أما المواد فهي أحد مفاتيح التغيير وعندما تستخدم الكولاج بمواد نبيلة كالورق والخيوط الكتانية، فإن هذه المواد تنقلني بلطف للتحرّر من التكرار وإيجاد حلول جديدة، فاللوحة مسألة تحتاج إلى حل كمسألة الرياضيات عناصرها التكوين والتوازن والمضمون والعطاء العاطفي ضمن مقاييس التشكيل الأكاديمية بغضّ النظر عن الأسلوب سواء أكان تجريديا أو واقعيا”.

ولا تخفي الفنانة السورية المخضرمة عدم إيمانها بالمدارس الفنية، كالانطباعية والتجريدية والتكعيبية وغيرها، بل تؤمن بالفن الذي يتدفّق من الداخل ليظهر فجأة وبشكل تلقائي ويعبّر عن الفكرة حسب منظور صاحبها، وهو ما تصفه بالتعبيري، فكل إنسان يعبّر بطريقته الخاصة، وهي في ذلك لها تعبيرها الخاص الذي لا يشبه الآخرين، والرسم هو لغتها، حيث تعبّر عن الكلام بالرسم والألوان، مشيرة إلى اهتمامها منذ الستينات باللوحات الجدارية، لأنها تعطيها مشاعر متدفقة.

وعن الفنانة قال النحات غازي عانا “أسماء فيومي حاضرة بقوة في المشهد التشكيلي السوري ولها بصمة واضحة فيه، وهي ذات خصوصية فنية تمتلك أدوات تعبيرها بطريقة مميزة وتعرف بوضوح المادة التي تشتغل عليها، كما أنها تمتلك الغنى المعرفي والثقافي، وهناك تنوّع واضح في المعرض من خلال التعبير وصياغة الأشكال، لكنها بقيت ضمن المنظومة المعرفية التقنية التي تمتلكها فيومي“.

أما الناقد الفني سعد القاسم فيقول عنها “ولدت فيومي في عمّان، وعاشت في دمشق، حيث انتسبت إلى كلية الفنون فيها في فترة شهدت جدلا واسعا، لا يزال مستمرا بشكل من الأشكال حول اتجاهات الفن المعاصر مع ما وصف يوما بعاصفة لاريجينا نسبة إلى الرسام الإيطالي غيدو لاريجينا الذي درَس في الكلية في تلك الفترة منحازا بشكل كلي إلى التجريد، خالقا اضطرابا كبيرا في مفاهيم التدريس، المضطربة أصلا حينذاك”.

ويضيف “ومع أن فيومي قد حكت عن تأثرها بالرسام الإيطالي، فإنه يصعب وصف أسلوبها بالتجريدي رغم كل ما فيه من اختزال وتلخيص، وقد تكون التعبيرية أقرب لوصف لوحاتها التي لم تفقد يوما أصولها الواقعية، مهما بدت هذه الأصول مرمّزة، أو مخبأة في ثنايا الخطوط الصريحة أو الألوان المتضادة التي تصنع خصوصية اللوحة، وتمنح صاحبتها صفة الملوّنة باقتدار، بصرف النظر عن عدد الألوان المستخدمة، فالألوان في لوحة فيومي تمتلك حيوية مدهشة حتى لو بدت شحيحة في مكان ما، ذلك أنها تمتلك حضورا قويا وقدرة تعبيرية فائقة هي بعض ما يدفع لوضع التجربة بأكملها تحت عنوان التعبيرية”.






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي