أم كلثوم في سيرتها المتخيّلة: موسيقيو مصر جنرالات في معركتي لبلوغ المجد

2021-09-16 | منذ 1 شهر

 غلاف الكتاب

حسن داوود*

ينبغي على قارئ كتاب «حانة الست» أن يتنبّه على الدوام إلى أن ما يقرأه لم تقله أم كلثوم؛ أن يذكّر نفسه، مرّة بعد مرّة، أن هذه السيرة مؤلَّفة، أو متخيّلة كما يورد الكاتب محمد بركة في ختامها، لكن، مع ذلك، هناك ما يربك في صياغة حياة، خصوصا إن كانت مروية على لسان مَن عاشتها، فيما مؤلّفها هو شخص آخر.

محمد بركة وضع نفسه في مكان أم كلثوم إذن، لكنه جعل كل ما رواه من مراحل حياتها، وتعليقه عليها، جاريا على لسانها. الالتباس المرافق لاختلاط الأدوار بين المؤلّف وبطلة روايته ظل قائما مع تعاقب فصول الرواية، ذلك يشير إلى مهارة الكاتب في تأليف ما تخيّله، لكنه يعود أيضا إلى أن الكثير من ذلك قائم أصلا في المخيّلة الجمعية لعارفي تلك الأجزاء من حياة «كوكب الشرق».

يجب أن نتذكر، ونعيد التذكّر، بأن ما ترويه أم كلثوم عن حياتها، هنا في الكتاب*، جرى تأليفه ليوُضع على لسانها. لا يتعلّق ذلك بالوقائع التي جرت، فما نقرأه منها يعرفه الكثيرون، وقد قسّم محمد بركة كتابه تبعا لهذه الوقائع (المشتملة على عهود مصر وحروبها، ورحيل قادتها مثل سعد زغلول وأنور السادات لاحقا، وتنازع فنانيها على الشهرة إلخ) جاعلا من كل منها فصلا من فصوله.

ليست الوقائع هي ما اخترعه بركة، بل تأويلاتها ومآلاتها وتشكيلها لشخصية أم كلثوم. كان هاجسه هو الوصول إلى سريرة تلك المرأة، واكتناه رأيها ومشاعرها في كل ما عرض لها ومن عرفتهم من بشر في حياتها.

ذلك السجال الذي رافق صدور الكتاب ربما يعود في أساسه إلى أن كل تلك المشاعر الجامحة لأم كلثوم، وعدائيتها غير المبررة غالبا، واحتقارها البشر جميعهم والسخرية منهم، وكذلك، بل فوق ذلك كلّه، استغراقها في وصف رغباتها كأنثى، وكلامها الملتبس عن علاقاتها بالنساء، وتحطيمها لشخصيات مقدّرة في تاريخ مصر.. كل ذلك لم توصف به أم كلثوم حسب، بل إنها، بالصيغة التي وضعها الكتاب، اعترفت به.

ولا جديد حمله الكتاب في ما خصّ طفولة أم كلثوم وعلاقتها بأهلها، وإن كان والدها الشيخ إبراهيم تعدى في وصايته عليها زمن طفولتها واستمرّ، ناصحا ومهدّدا معا، إلى ما بعد نزول المطربة إلى القاهرة، وإحيائها الحفلات في القصور.

كانت مواجهة الوالد من بين التحدّيات الأولى التي كان عليها أن تخوضها، ذارفة دمعة بعد كل انتصار عليه، كما تقول، أو كما جعلها محمد بركة تقول.

أما شراسة المواجهات الأخرى، فكانت متمادية لا تقف جولاتها عند نهايات. ذاك أن كل من عرفتهم وعملوا معها حولّتهم إلى أن يعملوا حولها. وكانت قد بدأت بذلك مبكرة: «منذ بدأتُ أتعرّف على كبار الموسيقيين لأصنع منهم جنرالات في حملتي العسكرية لاقتحام المجد». استثنت من ذلك التجنيد أبو العلا محمد، الذي أغرمت به، والعارف بتعلّقها به لكن غير المبالي، والذي بعد إصابته بالفالج انهار أملها «في أن تكتمل أنوثتي على يديه».

الآخرون، وأولهم أحمد رامي، كانوا جميعا ضحاياها بعد أن أُغرموا بها ولم تلق لهم بالا: «ولدتُ بداخلي أنثى لا ترحم عشاقها.

تعتصرهم حتى آخر قطرة. لا تمنحهم شيئا، لكنها تُبقي على بصيص الأمل واهنا». أحمد رامي كان ضحيتها الأولى، رغم أنها تميّزه عن سواه بأنها لا تريد أن تجرحه، «أتلاعب به لكن لا أجرحه».

وهي منذ اللحظة الأولى لم ترَ فيه «ذلك البريق الآسر الذي يشعّ من أصحاب القضايا الكبرى».

تجاه الآخرين، كل الآخرين، كانت أكثر قسوة. أقذع الكلام ساقته لسيد درويش متناولة به موهبته وإدمانه على المسكرات وفشله في تدبير حياته. محمد عبد الوهاب «موسيقار جيلكم» دون أن تذكر الـ(كم) مَن هم. محمد القصبجي «المتطفّل الأبدي» وفي مكان آخر «الرائد في الموسيقى والغباء، لم يشأ أن يصدّق أن الحياة مراحل وأن مرحلته انتهت من حياتي».

أما عبد الحليم حافظ فهو «الولد» وهي (دائما حسب تأويل المؤلّف، كي لا ننسى) في كل ما وصفته به نراه متوافقا مع تلك الصفة.

أما مواجهتها لمطربات زمنها فضارية لا ترحم، وأولهم سلطانة الطرب (منيرة المهدية) التي لم تسمّها، شأن الكثيرين الذين جرّحت بهم مستخفّة أو مستكثرة عليهم ذكر أسمائهم، حتى صديقتها الأقرب روحية، ابنة الباشا، لم تنج من لكمة في آخر كلام أم كلثوم وهي تعلن عن مودتها لها: صداقتي لروحية تجسّد ضعفي التاريخي أمام بنات الطبقة الراقية المولودات بملعقة ذهب في أفواههنّ، أو مؤخّراتهن».

لغة بطلة الرواية المتعالية والمستخفة بكل من هم حولها تهوي مرة واحدة، وذلك في الفصل المتعلق بأسمهان، تلك التي لم تسمّها أيضا، وقد لقّبتها بـ»القطة الشامية». نقرأ هنا لغة أخرى معلنة عن الإعجاب والخوف معا، أو التخوّف من ذلك الصوت الذي هو أجمل ما وُضع في حنجرة إنسان، كما تقول، أو كما تقوَّل.

صوت يسيل كالماء العذب، وهي تصف صاحبته بصور وكلمات مشابهة لتلك التي وصفها فيها، هي أسمهان، الجنرال غورو وأوردتها شريفة زهور في كتابها: «فيها أنوثة لكنها لم تكن جميلة، وجهها المستطيل وأنفها المرهف الطويل. لكن كل شيء في عينيها، السرّ والسحر والعجب».

٭ ٭ «حانة الست» رواية محمد بركة صدرت عن «المثقف للنشر والتوزيع» في 291 صفحة سنة 2021.

 

  • كاتب لبناني

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي