ميا هانسن لاف تقتفي أثر المخرج السويدي الأبرز في "جزيرة برغمان"

2021-07-26 | منذ 2 شهر

نسرين سيد أحمد: عندما يذكر اسم «فارو» تلك الجزيرة الصغيرة الواقعة في بحر البلطيق والتابعة للسويد، تلتمع على الفور أعين عشاق السينما، فهذه الجزيرة هي التي اتخذها المخرج السويدي إنغمار برغمان موطنا له، وأقام فيها سنين طوالا، وصوّر على أرضها وسواحلها أبرز أفلامه. «جزيرة برغمان» إذن هي حلم يراود الكثير من السينمائيين، فهي الجزيرة التي ألهمت برغمان، وأنجز فيها أبرز أعماله.

«جزيرة برغمان» للمخرجة الفرنسية ميا هانسن لاف، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي (من 6 إلى 17 يوليو/تموز الجاري) فيلم يحتفي بالسينما ويحتفي بالإبداع السينمائي، فيلم لا تقارن هانسن لاف فيه نفسها ببرغمان، ولا تقدم مجرد تحية سينمائية للمخرج العظيم، بل تنجز عملا مرهفا شديد الحساسية وذاتيا لحد كبير.

يبدأ الفيلم بوصول توني وكريس (تيم روث وفيكي كريبس) وهما زوجان وكلاهما مخرجان، إلى فارو، التي تحتفي بتوني وأعماله في احتفالية خاصة، والتي جاءها الزوجان بحثا عن الإلهام لعمل جديد لكل منهما. لكن الأمر ليس بهذه السهورلة، فمجرد محالة الشروع في الكتابة في جزيرة شهدت إنجاز أفلام تعد علامات فارقة في تاريخ السينما أمر له مهابته. اعتدنا من هانسن لاف حضور الجانب الذاتي الأوتوبايوغرافي في أعمالها، وهو ما نراه أيضا في جزيرة برغمان، فهانسن لاف كانت شريكة على مدى أعوام للمخرج الفرنسي أوليفييه أساياس، الذي كان في بداية ارتباطهما يفوقها شهرة وتكريما، وهكذا الحال في «جزيرة برغمان» حيث يتضح لنا أن توني هو الذي دُعي للحديث عن أفلامه، وصحبته كريس بوصفها شريكته. كما أن لتوني وكريس ابنة تركاها مع مربيتها، وهو ما ينطبق على هانسن لاف وأساياس، لكن كريس تدرك أنها على النقيض من برغمان الذي أنجب أبناءه، وكان يعهد بهم لزوجته، بينما تفرغ هو لفنه وإبداعه. وهنا تدرك كريس، وهي انعكاس لميا ذاتها، أن كونها أماً مسؤولة عن رعاية طفلتها يقف حائلا بينها وبين إنجاز أعمال سينمائية جيدة.

تنفرد كريس بذاتها في فارو، وتفضل أن تستكشف الجزيرة منفردة، ورويدا رويدا تلهم الجزيرة كريس بمشروع فيلمها الجديد، مشروع فيلم سمته «الثوب الأبيض» عن مخرجة شابة عاشقة لبرغمان، تزور فارو لحضور زفاف، وتلتقي في العرس بحبيبها الأول الذي انفصلت عنه منذ أعوام. تروي كريس مشروع فيلمها لتوني، وبينما تقص عليه فيلمها، نرى نحن هذا الفيلم أمامنا على الشاشة. تتحول القصة إلى قصة داخل قصة، وإلى فيلم داخل فيلم. نرى شخصيات فيلم كريس وقد تجسدت، ونتفاعل مع قصة حب بطلتها وتدعى إيمي (ميا فاسيكوفسكا) وحبيبها جوزيف (أندرس دانيلسن لي). تأتي كريس إلى جزيرة برغمان محملة برهبة للمخرج العظيم، تأتي شاعرة برهبة محاولة الكتابة في ظل برغمان، لكنها في نهاية المطاف تبني عملها السينمائي وتكتبه وتخرجه، عملا لا يقتبس من روح برغمان، لكن يحمل روح وشخصية صاحبته. لا تكتفي هانسن لاف بفيلم واحد، بل تفاجئنا بفيلم داخل فيلم. «جزيرة برغمان» فيلم نُسج برهافة وشغف وأبرزت فيه هانسن لاف تمكنها من أدواتها، وجاءت في أوج صنعتها.

دخلت هانسن لاف جزيرة برغمان، فصنعت فيلما مشبعا بذاتيتها وروحها ورؤيتها للفن والسينما والإبداع.

«جزيرة برغمان» فيلم عذب ورقيق كقصة الحب التي نراها في الفيلم داخل الفيلم بين إيمي وجوزيف. هي قصة حب مليئة بأغاني الثمانينيات وأغاني فريق «آبا». لكنها أيضا قصة حب ملتبسة، ولها أسرارها الخاصة التي أدت إلى انفصال الحبيبين ثم عودتهما لبعضهما. لا تفصح هانسن لاف عن أسرار العلاقة تلك، ولا تقدم إجابات لتساؤلاتنا عنها. والشيء ذاته ينطبق على الفيلم ذاته. هي تصحبنا في رحلة بديعة في جزيرة ألهمت إبداع برغمان. وتصحبنا في رحلة ذاتية للغاية داخل المراحل المختلفة التي تعيشها لإنجاز عمل جديد، لكنها لا تجيب على كل التساؤلات وتفتح باب التأويل والتفسير.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




كاريكاتير

إستطلاعات الرأي