فيلم زقاق المدق المثير للجدل في نسختيه المصرية والمكسيكية

2021-07-11 | منذ 5 شهر

شادية (يسار) مثّلت دور حميدة في فيلم زقاق المدق المصري من رواية نجيب محفوظ وسلمى الحايك أدّت دور ألما في الفيلم المكسيكي

لمياء رأفت

يتميز أدب نجيب محفوظ في بداياته على الأقل بالنزوع إلى المحلية الشديدة، إذ تناول أكثر من مرة الحارة المصرية القديمة، كما في الثلاثية و"خان الخليلي" و"زقاق المدق"، ونقل عبر كلماته روح هذه الشوارع والأزقة ورسم تفاصيل سكانها، ثم أتت السينما لتقتبس هذه الروايات في أفلام مختلفة.

ونستعرض هنا تحويل رواية "زقاق المدق" إلى فليمين، مصري ومكسيكي لنرصد قدرة النصوص على التحول للاندماج مع الثقافات الأخرى.

الشخصيات بين الفيلمين

تدور الأحداث في فيلم "زقاق المدق" بصورة مبسطة في حارة صغيرة، تحوي أطيافا مختلفة من البشر، ولكن تبرز من بين قصصهم المتنوعة قصة فتاة شابة تحاول الترقي خارج هذه الحارة الضيقة والمعتمة والفقيرة، ومن خلال عملية الترقي هذه تفقد شرفها، وتدخل في عالم السوء، وتأتي النهاية على يد الحبيب الغائب.

في الفيلم المصري، البطلة هنا هي حميدة -التي تقوم بدورها شادية- يتيمة الأبوين، تعيش مع أم بالتبنّي، تولتها بالرعاية بعد وفاة أمها، حتى أصبح يطلق عليها أم حميدة، تراقب حميدة حارتها من النافذة، ناقمة على كل شيء وشخص، تكره كل تفاصيلها لأنها تذكرها بفقرها، وتبحث عن أي مهرب، فلا تجده إلا بعباس الحلو حلاق الحارة الواقع في غرامها، وعندما يتركها مدة قصيرة لجمع المال اللازم للزواج تستمر في بحثها عن بدائل أخرى، سواء كبير تجار الحارة، أو الحل الأسهل عبر فرج وهو شخص سيئ الأخلاق يزين لها طريق الغواية.

قدمت دور حميدة في الفيلم المصري شادية في دور ضمن أدوارها بالمرحلة التي كسرت فيها صورة الفتاة الرقيقة خفيفة الظل، واتجهت إلى أدوار أكثر جرأة لا تستهدف الحصول على محبة الجمهور وتعاطفه، مثل دورها في فيلم "اللص والكلاب" ودور الغانية نور في رواية أخرى لنجيب محفوظ.

أما في الفيلم المكسيكي "زقاق المدق" (Midaq Alley) فإن "ألما" البطلة -التي تؤدي دورها سلمى حايك- ليست إلا جزءا من الأحداث، فالبطلة الحقيقية هنا هي الحارة المكسيكية، ولكن شخصية ألما تتبع مصير حميدة نفسه، الفتاة الجميلة لا ترغب في البداية في المال أو الهرب من الحارة، هي تريد الحياة، والحب، ولكنها عندما يتركها حبيبها ويسافر مع صديقه تصبح أضعف وأسهل للغواية.

وهنا تختلف عن حميدة التي أعماها حبها للمال منذ البداية، ولم يكن عباس الحلو في حياتها سوى المهرب الوحيد المتاح أمامها، ولم تحمل له أي عاطفة أو اهتمام، أما ألما المكسيكية فعلى الرغم من حبها للأشياء الجميلة والرفاهية فقد وقعت في حب "آبيل" لأنه كان سبيلها للتعرف على العاطفة والحياة.

الزمن

تدور أحداث فيلم زقاق المدق قبل نهايات الحرب العالمية الثانية، عام 1944، والحرب هنا ليست تفصيلة إضافية بل في صلب الأحداث، ما يجعلها علامة فارقة عن النسخة المكسيكية من الفيلم.

فالحارة المصرية تعيش حياة الفقر، ما عدا حسين، ابن صاحب المقهى، الذي تربطه علاقات مع الجيش البريطاني خلال تمركزه في مصر إبان الحرب، وعندما أراد عباس الحلو حلاق الحارة أن يجمع بعض المال ليتزوج حميدة لم يكن أمامه فرصة سوى العمل لدى القوات الإنجليزية.

كذلك وجود الجنود الإنجليز في القاهرة وتفشي الدعارة والملاهي الليلية المخصصة لهم، كلها ضرورية للهبوط والتردي الذي انحدرت إليه البطلة حميدة التي عملت في البغاء بعدما أغواها فرج بالمال.

والتزم فيلم زقاق المدق بنسخته المصرية بالزمن في الرواية، في حين تدور أحداث زقاق المدق المكسيكي في عام 1995 في إحدى الحارات الفقيرة بمكسيكو، وفي الزمن الحالي، ومن ثم تم تجاهل البعد التاريخي الموجود في رواية زقاق المدق، بما فيه من حرب كانت الوسيلة التي غاب عبرها عباس عن حميدة، ما سهل لها طريق الضياع، أما في الفيلم المكسيكي فقد رحل الحبيب ليبحث عن مستقبل أفضل في الولايات المتحدة.

السرد

وعلى الرغم من ولع نجيب محفوظ بالسرد المتعدد الرواة، فإن رواية زقاق المدق التي نُشرت أول مرة عام 1947 كانت ذات سرد خطي، متعدد الشخصيات بالتأكيد، ولكنه يسير في اتجاه واضح من البداية إلى النهاية، على عكس أعماله اللاحقة مثل "ميرامار" و"أفراح القبة".

وبالأسلوب ذاته أتى سرد الفيلم المصري، حيث تميز ببناء درامي تقليدي من بداية ووسط ونهاية.

ولكن النسخة المكسيكية من الفيلم قدمت السرد بأسلوب مغاير تماما للرواية الأصلية والفيلم المصري، فقسم الفيلم إلى 3 فصول، كل فصل يركز على شخصية، وكل هذه الشخصيات تتحرك في زمن واحد تقريبا، إذ تبدأ كلها بالمشهد نفسه في البار -وهو البديل للمقهى في الرواية والفيلم المصري- ثم تتتابع الأحداث سواء مع صاحب البار رو، أو البطلة ألما أو سوزانيتا صاحبة المنزل.

إن الأفلام السينمائية مثلها مثل أي نص آخر قابلة للاقتباس فلا حاجز اللغة أو الاختلافات الثقافية يمكن أن يقف حائلًا يمنع ذلك، ولكل عمل في هذه الحالة خصوصية تنبع من تعامل صنّاعه مع النص الآخر وطريقة معالجته حتى يتلاءم مع السينما التي يقدمها.






كاريكاتير

إستطلاعات الرأي