ضحايا المجتمع في رواية "سجين الزرقة" للعُمانية شريفة التوبي

2021-06-24 | منذ 1 شهر

 غلاف الرواية

موسى إبراهيم أبو رياش*

على الرغم من أن «سجين الزرقة» هي الرواية الأولى للعُمانية شريفة التوبي، إلا أنها أبدعت رواية جميلة ومشوقة، تستحوذ على إعجاب القارئ؛ بما حفلت به من متعة ورغبة في معرفة النهاية، خاصة مصير لقاء الأم بابنها، بعد خمسة وعشرين عاما من الفراق القسري.

تتناول الرواية قضية مجهولي النسب/اللقطاء/أبناء الخطيئة، من خلال قصة ومأساة «شمسة» التي حملت سفاحا من زوج أمها، وهي على مقاعد الدراسة الثانوية، وأنجبت طفلا سُباعيا، لخبط مخططات زوج أمها لإخفاء الأمر، والتصرف في الوقت المناسب، فكشف المستور.

حُكم على الفاعل بالإعدام شنقا، بعد إنكار وافتراء، ثم مسكنة واسترحام. وحكم عليها بالسجن عشر سنوات؛ لتسترها على الجريمة ومحاولة الإجهاض. احتفظت بابنها «راشد» معها في السجن حتى عمر الخامسة، ثم اضطرت للتنازل عنه للدولة التي وضعته في دار أيتام، وخرج راشد، ومعه لحاف أمه الأزرق الذي بقي

تذكاره الوحيد منها، يحمل رائحتها، ينتظر أن تفي بوعدها؛ أن تأخذه عندما تخرج من السجن، عاش على الأمل وأمام ناظريه لحافها الأزرق، فصار قيده وسجنه، يترقب صاحبته، تكويه الأسئلة، ويجرحه الغياب، لكن العراقيل القانونية، والمحاذير الاجتماعية، حالت بين الأم وابنها، فرضيت بعد خروجها بدور الأم عن

بعد؛ تراه، وترسل له الهدايا، وتتابع أخباره، وتضع الأموال في حسابه، وتساعده دون أن يشعر، ولما استقل بحياته بعد أن تخرج من الكلية وتوظف، عملت دون أن يدري أن يسكن شقة بالقرب منها، بعد زواجها وإنجابها، فكانت عيناها ترعاه، وقلبها يحرسه، تعرف مواعيده، وأين يذهب؟ ومن يحب؟ لكنها أبداً لم تتكلم معه، فهو سيعرف صوتها بالتأكيد، ولما تفهَّم زوجها قصتها بعد أن أُخفيت عنه، وافق أن يجمع شمل الأم

بابنها، ومهد لذلك برسالة الأم إليه؛ تجنبا للصدمة، وكي يعرف حيثيات القصة من أولها، وتشاء الأقدار أن يتسلم رسالتها غفلا من اسمها على الغلاف قبيل سفره إلى أمريكا بساعات، بعد أن خبا أمل انتظره خمسة وعشرين عاما، وقرأ رسالتها وهو في الطائرة، إلى عالمه الجديد، حيث هناك لا يسألون عن ماضي الإنسان وتاريخه، بل الكثير منهم مثله مجهولو النسب، أو من أمهات دون زواج، فقيمة المرء ومكانته مرهونة بعمله وإنجازاته، لا بجنسه أو لونه أو قبيلته.

تعدد الاصوات

وظفت التوبي تقنية تعدد الأصوات، بالتناوب بين صوتي راشد وأمه شمسه، راشد من خلال الاسترجاع والتأمل والتداعي، والتفاعل المحدود مع عالمه الضيق، وشمسه من خلال رسالتها الطويلة إلى راشد، وما حفلت به من تفصيلات وقصص وأحداث وعواطف ومشاعر وآلام وآمال وأحلام، خلال ركوبه الطائرة من مسقط إلى أمريكا.

تميز السرد بالسلاسة، واللغة بالجمال والعفة؛ وكان صوت الأم مميزا بالقوة الدافقة، والعاطفة الجياشة، والأمومة المحمومة، والشوق الممض، ما جعله ممتعا مشوقا ومثيرا، بينما تميز صوت راشد بالضياع والتيه، والبحث عن الأم، والشعور بالحرمان والظلم والتمييز، والتعلق بقشة الأمل التي تخلى عنها عندما عزم على السفر، بعد أن يئس من العثور على أمه، أو عودتها إليه كما وعدت.

وعلى الرغم من جمال سرد الأم وروعته، إلا أنه مليء بالتفاصيل، والقصص الجانبية لنساء السجن والمركز الأمني، ومع أن هذه القصص قد تعزز رسالة الرواية، إلا أنها قد تفقد الرواية رشاقتها وتشتت القارئ، فقصة شمسه وحدها تكفي لبسط القضية أمام القارئ، كما أن الرسالة لا تحتمل التفاصيل الجانبية، فراشد ينتظر أمه

وقصتها ورؤيتها، ولا يهمه غيرها أيا كان، فكل ما عداها حجاب يبعده عن أمه ويبعدها عنه، ولو كانت القصص الجانبية في سياق آخر غير الرسالة، لربما كانت مقبولة أكثر.

وفي المقابل لا يمكن اعتبارها حشوا، فهي تأتي في السياق نفسه، تؤثث لحياة الأم في السجن ومعاناتها، وفي حكايات النساء تخفيف وأنس وبعض عزاء.

 

   

على الرغم من جمال سرد الأم وروعته، إلا أنه مليء بالتفاصيل، والقصص الجانبية لنساء السجن والمركز الأمني، ومع أن هذه القصص قد تعزز رسالة الرواية، إلا أنها قد تفقد الرواية رشاقتها وتشتت القارئ.

سرد راشد كان في صميم قصته، فعالمه محدود، وكل من معه في الدار متشابهون، وحتى قصة العم سليمان حارس دار الأيتام، فقد كانت ضرورية، فعم سليمان كان بمثابة الأب لراشد، لا يأخذ أي إجازة، وعندما سرد قصته، ومعاناته مع زوجة ابنه بعد وفاة زوجته، توضحت ظروفه، وأصبح العم سليمان أشبه بوحيد أو يتيم اجتماعيا، لا يختلف في حقيقة الأمر عن أي من نزلاء الدار الذين يحرسهم.

أما قصته مع مريم التي أحبها لأنها ذكرته بأمه، فقد كانت نهايتها قاصمة الظهر، بعد رفضه القاطع من والدها؛ إذ كانت أمله بالتعويض وملء الفراغ، بعد أن يئس من العثور على أمه، فالمجتمع لا يعترف به، وإن وفرت له الدولة التعليم والوظيفة، فهو مركون على الهامش، ومُدان بجريمة لم يقترفها، ستبقى عالقة به وصمة عار حتى يموت، فاختار الهجرة، خير له من أن يعيش وحيدا منبوذا لا قيمة له.

مصيدة التكرار

ويسجل للرواية أنها نجت من مصيدة التكرار، على الرغم من طولها، ونجحت الكاتبة في التحكم بخيوط الرواية وأحداثها وتفاصيلها، دون أن تتورط في الإعادة أو التناقضات أو الفجوات، وحافظت في الوقت نفسه على مستوى عالٍ من اللغة والتعبير والبوح عن المشاعر والعواطف والمعاناة، دون أن يطالها ترهل أو ضعف في أي من فصول الرواية، دلالة ثراء لغوي ومعجمي، وقدرات تعبيرية وفنية فائقة.

أما استخدام العامية العُمانية في الحوار، فقد جاء مقبولاً ليتناسب وواقعية الحدث وثقافة الشخوص.

المفارقة اللافتة في الرواية، أن شمسة على الرغم من مأساتها وسجنها وحرمانها من ابنها، إلا أنها كانت شخصية حيوية لم تيأس أو تستسلم لقدرها، فخلعت ماضيها، وتعلمت في السجن، وبعد تخرجها في الكلية، عملت، وتزوجت وأنجبت، وساعدت ابنها عن بعد، وأسكنته بالقرب منها، لكن ابنها راشد، كان شخصية محبطة مسجون بأمل ووعد لم يتحقق، وأسير جريمة لم يقترفها، تلاحقه الأسئلة والنظرات، محدود العلاقات،

مقيد الخطى بأغلال الماضي، مسكون بهواجسه، ولم يحاول التغيير وترك كل شيء وراء ظهره، إلا بعد أن يئس من المجتمع، وفقد الأمل بعودة أمه، بتشجيع وإلحاح من رفيق دربه سالم، الذي كان على العكس من راشد، شخصية مرنة، منطلقة، يحث الخطى إلى المستقبل، لا تربطه بماضيه أي قيود، ولا ينتظره أحد أو

ينتظر أحداً، فكان هدفه أن يدرس في أمريكا، وتحقق له ما أراد، وكأن الأمل قيد، وهو كذلك أحيانا، عندما يكون ضبابيا، تقطعت سبله، وفقد بوصلته، وليس كل وعد يُنجز، خاصة إذا تقادم الوعد، وطمسته الظروف القاهرة، ودرسته المتغيرات، وذرته رياح الأيام والسنوات الطوال.

تتقاطع رواية «سجين الزرقة» مع رواية «الخيميائي» لباولو كويليو، فراشد كان يبحث عن أمه طوال عمره في مسقط، وفي أثناء سفره إلى أمريكا، يعثر عليها، ويتبين له أنها تسكن بالقرب منه، تخطط لجمع الشمل ولقاء الأحبة، فهل كان عليه أن يسافر إلى أمريكا ليعثر عليها؟

وبعد؛ فرواية «سجين الزرقة، 345 صفحة، الآن ناشرون، عمّان، 2020» رواية مؤثرة مشوقة جريئة مميزة في موضوعها ولغتها وسردها وفنياتها، ترسل رسائل شتى في جميع الاتجاهات، وتطرح قضايا مسكوت عنها، تنتظر البحث والمعالجة، وتثير أسئلة ما زالت عالقة، وهي رواية تستدعي مقالات ودراسات في جوانب مختلفة منها، وما نهايتها المفتوحة، إلا دعوة للتأمل والتفكير وإعادة قراءة المشهد من جديد ومن زوايا مختلفة.

 

  • كاتب أردني

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي