من كتاب جون بولتون: طفل صغير يقود بلدا كبيرا
2020-07-14 | منذ 3 أسبوع
توفيق رباحي
توفيق رباحي

أنصح بقراءة كتاب مستشار الأمن القومي السابق في البيت الأبيض، جون بولتون، «الغرفة حيث وقع الحدث». الكتاب إدانة للرئيس ترامب، لكن أكثر لطريقة إدارة الشأن العام في بلد عظيم كأمريكا. الصورة، كما يرسمها الكتاب: رئيس نزق، متقلب ومغرور، لا يهمه شيء غير اسمه وشهرته. قال عنه وزير خارجيته مايك بومبيو: لا يمكن تركه بمفرده ساعة واحدة (وإلا يرتكب حماقة). وتساءل بشأنه مدير مكتبه السابق، جون كيلي: كيف سيتصرف لو تعرضت أمريكا لـ11/09 آخر؟
ومن حول هذا الرئيس سياسيون وإداريون تجمعهم العقيدة ويفرّقهم ما دونها. هم خليط من المُحبَطين واللؤماء والمغامرين.
إلى جانب السرد، يتضمن الكتاب الكثير من الأحكام، أبرزها الجزم بخطأ وسلبية كل مَن يتحفظ عن قرار حرب أو صِدام. ابحث عن السبب في تطرف المؤلف وعشقه للحروب (ربما لأنه يقررها فقط، لا يشارك فيها ولا يقودها وليس لديه أبناء يموتون فيها).
تعلمتُ أن أترك هامش شك حيال كل ما أقرأ وأسمع. وعليه أقول إنه إذا ثبت أن 50 في المئة (فقط) مما يدّعيه بولتون صحيح، فأجزم بأن العالم ليس في أيادٍ آمنة. ليس بسبب ترامب وحده، بل الذين من حوله أيضا. كلٌّ خطير على طريقته. ترامب لأنه، وفق الكتاب، مرتبك ومتقلب وأحيانه يبدو أقرب إلى السذاجة فيصدر الأمر ونقيضه في الاجتماع الواحد. ومستشاروه، لأنهم خليط من اليائيسن وهواة الحروب، يتناحرون في بينهم كأنهم شلّة من الخصوم جمعتهم الأقدار تحت سقف واحد.
في ثنايا السرد المكثف والتفاصيل الكثيرة، يتأكد للقارئ أن مصير أمريكا والعالم بين أيدي حفنة من الرجال يقررون، حربا وسلما، كيفما بدا لهم: ترامب، وزير خارجيته، وزير دفاعه، مدير مكتبه، مستشار الأمن القومي، وزير الخزانة، ثم مستشارون قانونيون صوتهم ثانوي.
بولتون يسمي هذه الشلة «محور البالغين». المقصود بالبلوغ هنا النضج والرصانة، مقارنة بـ«محور الصبيان» الذي نمَت مخاوف من أنه كان في طور التأسيس، وعماده جاريد كوشنير وإيفانكا.
يسود «الشلة» تناحر وشكوك تتراكم باستمرار. تكره الصحافيين. عقليتها ذكورية فلا ثقة لها في أداء النساء (همز ولمز تجاه السفيرة نيكي هايلي ووزيرة الأمن الداخلي كيرستين نيلسن) حتى وإن عبّر بعضهم عن ذلك تلميحا فقط. الثقة بين أفرادها محدودة. الثقة متوفرة بنسبة متوسطة بين الثلاثي بومبيو، بولتون وجوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان، لكنها (الثقة) سرعان ما ستختفي عندما يتعلق الأمر بأفغانستان والتفاوض مع طالبان.
«الشلة» تصف وزير الخزانة ستيفن منوشن بأنه ديمقراطي، وتتهمه بأنه هادئ ومهادن أكثر من اللازم. وتصف ماتيس، الذي نُعت في البداية بـ«الكلب المسعور» كناية على سطوته وحدّته، بأنه فاشل عديم الجدوى. وتعتبر المستشارين القانونيين مجرد بيروقراطيين نكدين هدفهم عرقلة تحقيق مصالح أمريكا في العالم.

ومن السرد المكثف أيضا، لا أحد ولا شيء يهم ترامب غير ترامب. إنه طفل صغير يحب اللعبة الأكبر والحلوى الأفضل ويطرَب لأبسط كلمة إطراء. حسنته الوحيدة أنه ليس رجل حروب، ولم يقل بولتون لماذا. لكنها ميزة تصيب بولتون بالاكتئاب والمرارة. حوَّل ترامب الاجتماع الاستخباراتي اليومي إلى لعنة يكرهها مستشاروه، لأنه يتكلم في كل شيء ولا يستمع. يكره الاجتماعات، ينعس بسرعة ويمل بسرعة أكبر. وعندما يهتم، ينتقل في ذروة نقاش ساخن عن أفغانستان للاحتجاج على رفض الكونغرس تمويل جدار الحدود مع المكسيك. وفي ذروة حديث أركانه عن روسيا يقاطع بسؤال فج: لماذا لا ننسحب فورا من أفغانستان؟ أو ماذا نفعل في سوريا وكم أنفقنا هناك؟ وفي صلب جدل حول كوريا الشمالية، يقاطع ليتباهى بنجاح إحدى زياراته أو تجمعاته الشعبية. هذا رأي ترامب في بعض الناس كما يغتابهم: وزير الدفاع جيمس ماتيس؟ مجنون، واحتار (ترامب) كيف تورط بتسليمه وزارة الدفاع. ريكس تيلرسون؟ مقرف، اغتابه ترامب أمام كل مَن قابلهم من المسؤولين الأجانب والأمريكيين. جورج بوش الإبن؟ أبله. زلماي خليل زاد؟ محتال «لكن المحتالين ضروريون في بعض الأحيان». جون كيري؟ أحمق يستحق الشنق لأنه ورّط أمريكا مع إيران. باراك أوباما؟ الجنُّ الذي يطارد ترامب في نومه ويقظته.
يهوى ترامب النميمة و«الخروج عن النص» بأقذع الألفاظ. يمدح في الوجه ويذم في الظهر. لا يتورع عن مهاجمة مسؤولين أمريكيين في حضرة قادة أجانب. انبهاره بزعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو مرة، ثم وصفه بالطفل مرة أخرى في غضون أيام معدودة دليل على ذلك. و«انبهاره» بمظهر زوجة غوايدو الشابة الأنيقة (فابيانة روزاليس ـ 28 سنة)، وانتباهه إلى أنه استقبلها في البيت الأبيض ولم تكن تضع في أصبعها خاتم زواج، دليل على اهتمامات أخرى غير السياسة. وقد جعل من قصة الخاتم الغائب موضوع نميمة لأيام أخرى مقبلة.
الآن لنا أن نتخيّل كيف ينظر ترامب إلى القادة العرب. لا شيء سوى أنهم مجرد خزنة أموال لا تنضب. كل خطوة أو ترتيب تجاه أحدهم، تكون مرفوقة بأسئلة: هل سيدفعون؟ كم دفعوا؟ لن ننفق عليهم بعد الآن.. إلخ. إنه يشبه تاجرا مسكونًا بالخوف من انهيار تجارته.
لا عجب، والحال هذه، أن ترامب لا يعرف من القادة العرب غير الأثرياء. ولا أستغرب أنه لا يعرف أسماء الفقراء منهم عدا عبد الفتاح السيسي، لكن تلك قصة أخرى. في اجتماع تُوِّج بتكليف بومبيو بزيارة المنطقة لبحث الانسحاب الأمريكي من سوريا، يشدد ترامب على وزير خارجيته: لا تبحث معهم (القادة العرب) أيّ موضوع آخر غير الدفع! وفي اجتماع آخر (ما أكثرها هذه الاجتماعات!) يُبشّره بومبيو: لقد أبدوا استعدادا سيدي الرئيس، أرى شيكات كثيرة في طريقها إلينا.
في الأخير أطمئن خصوم أمريكا: ترامب ليس ذلك الزعيم الحاسم والحازم الذي يفعل كل ما يقول، لكن عليهم أن يحذروا، فهو في المقابل، لا يقول كل ما يفعل. وليطمئنوا أيضا لأن المحيطين به ليسوا على قلب رجل واحد.
على ضوء مزاعم بولتون، ترامب هو أكثر رئيس أمريكي يجب أن يحرك خيال صنّاع السينما لتخصيص فيلم له. أجزم من الآن أنه سيحصد كل ما أمامه من جوائز وأوسكارات.

* نقلاً عن القدس العربي



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي