كورونا الجنس وكورونا إسرائيلية
2020-04-04 | منذ 2 شهر
غادة السمان
غادة السمان

الضجة المضادة لمنح المخرج البولندي رومان بولانسكي جائزة أفضل مخرج في مهرجان «سيزار» الفرنسي (المرادف لجائزة الأوسكار الأمريكية).. تلك الضجة هدأت مع الزمن، ولكن ها هي الجميلة الممثلة الفرنسية «رونات لانجيه» تأتي لتعلن أن بولانسكي اغتصبها عام 1972 وكان عمرها 15 سنة. وتقول حرفياً (تحت عنوان حركة: افضحي خنزيرك!): «كنت وحدي في ذلك المنزل معه. كنت في غرفتي حين فتح الباب فجأة وهاجمني وحاولت حقاً الدفاع عن نفسي. إنه ليس ضخم الجثة ولكن لديه قوة جسدية لا تصدق، وحاولت ضربه في مكان يؤلمه، ولكن ذلك زاده شهوة وغضباً. وجرني من يدي إلى الطابق الأول ورمى بي فوق السرير واغتصبني وكان الأمر مروعاً». (لم تقل لنا لماذا كانت وحدها في البيت معه)، وفي أي بيت؟

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد العديد من الشهادات المشابهة ومحاكمته في U.S.A. بتهمة اغتصاب بنت 13 سنة هو: هل نستطيع فصل السلوك اللا أخلاقي لبعض المبدعين عن إبداعهم الفني وعطائهم؟ ولكل رأيه.. هل نستطيع مثلاً فصل سلوك وودي ألن الذي تزوج من ابنته بالتبني ومطلقته ميا فارو عن إبداعه الفني بعين صافية؟

تقبل الرأي الآخر

بعد تكريم رومان بولانسكي (المغتصب) بعدة جوائز لفيلمه الأخير «إني أتهم» في مهرجان جوائز سيزار اختلفت الآراء حول جدارته لذلك (أخلاقياً) وحول ضرورة حرمانه من أي جائزة وحتى من الاعتراف به بسبب (هواية) الاغتصاب وكورونا الجنس لديه.

الآراء تباينت إلى أبعد مدى، لكن الذي لفتني وأعجبني في الحوار الفرنسي أن أحداً لم يتهم صاحب الرأي المضاد بالعمالة أو قبول الرشوة أو بالطمع في دور سينمائي في فيلم من إخراج بولانسكي، أو غير ذلك من التهم التي نوجهها غالباً كعرب لكل صاحب رأي يخالف رأينا. ولنستعرض بعض الآراء في بولانسكي من أقصى الرعاية إلى أقصى الرفض المشمئز. النجم الفرنسي إيلي سيمون دافع عن بولانسكي (المبدع) قائلاً إنه يجب فصل العطاء الإبداعي عن الرجل. كما دافع عن منح بولانسكي الجوائز آخرون، منهم الممثل الشهير جان دوجاردان.

 النساء أيضاً مع وضد!

الممثلة فاني أردانت دافعت أيضاً عن بولانسكي كما ايزابيل هوبر وسواهما، رافضات هذا (التمزيق) لبولانسكي، وتقول فاني: «أحب كثيراً رومان بولانسكي.. المبدع الكبير».

وضجة منح السيزار لبولانسكي تجاوزت المحيط إلى الولايات المتحدة، حيث وقفت العديد من النجمات ضده في تأييد للواتي رفضنه في فرنسا، من أمثال الشهيرة (الساخرة) التي قدمت برنامج جوائز السيزار فلورانس فورستي التي اختيرت لتكون عرابة منح جوائز السيزار، وحين جاء اسم بولانسكي كفائز لم تتابع القراءة بل انسحبت من الحفل احتجاجاً. الممثلة آديل هاينل صرخت: «من العار منح بولانسكي جائزة»، ومثلها اعترضت المخرجة سيلين سكيما والشابات ديبورا فرانسوا وسارة فورستييه وسوان ادلو والنجمة ألكسندرا لامي.

كارلا بروني: لتحيا حرية القول (والدبلوماسية!)

زوجة رئيس الجمهورية الفرنسية السابق ساركوزي عارضة الأزياء السابقة، كارلا بروني، تهربت بدبلوماسية من الانحياز لفريق قائلة إنها مع حرية القول!

والجميل أن أحداً من أصحاب الرأي المختلف لم يهاجم الآخر بتهم شخصية، لأنه يخالفه في الرأي، كما يحدث غالباً عندنا في عالمنا العربي حيث نخترع تهمة لمن يخالفنا في الرأي، منها التخلف الفكري الثقافي أو الخيانة الوطنية!..

وأعتقد أننا كعرب في حاجة إلى الإنصات للرأي الآخر واحترام حق صاحبه في قوله، بدءاً بجوائز السيزار هذا العام وانتهاء بحكاية تهمنا كثيراً هي القضية الفلسطينية، التي أعتقد أنها محور استعادة العرب لتماسكهم وكفهم عن حروبهم المحلية التي تفرح بها إسرائيل.

حقيقة لا تقبل رأياً آخر

كم تفرح إسرائيل بحروبنا في العراق واليمن وليبيا وسوريا وتتطلع إلى حرب لبنانية جديدة، ولا تقبل الرأي الآخر بأنه من حق الفلسطيني أن يعيش في وطنه بكرامة، وهذه حقيقة؛ فالأرض أرضه، والإسرائيلي معتد عابر بين الكلمات العابرة… وينشر كورونا الكراهية باغتصابه لجسد الأرض. وحق الفلسطيني ليس رأياً آخر، ولكنه حقيقة تاريخية وحدها لا تقبل النقاش، تماماً كما أن عودتك إلى بيتك حيث تجد قفله تبدل فتقيم فيه أسرة أخرى دخيلة ليس رأياً آخر ينبغي قبوله واحترامه بل جريمة في حق الإنسانية.

خبر صدقته ولم أحترمه!

يقول عنوان الخبر: «الاحتلال الإسرائيلي يعدم شاباً على حدود غزة وجرافة عسكرية تنكل بجثمانه: سحقته ثم انتشلته من رأسه بأسنانها».

كإنسانة، شعرتُ بالذل العروبي وأنا أقرأ هذا الخبر. وكأم، انكسر قلبي لأم هذا الشاب.

وكمواطنة عربية، رصدت النازية الاحتلالية الإسرائيلية مع استخفافها بالعرب.

خبر صدقته وليتني لم أفعل، ففي قلبي جراح لا تحصى من الممارسات الإسرائيلية ولم تتكسر النصال على النصال!

أصحاب الرأي الذي يميل إلى تبرير فظاعات إسرائيل والتفاوض معها لا أتهمهم بالضرورة بالخيانة، بل بالاختلاف في الرأي إلى أبعد مدى.

كورونا همجية إسرائيل

خبر آخر جرحني هو عن رجال شرطة إسرائيلية قتلت شاباً فلسطينياً بهدف «التسلية»! ألهذا المدى صارت حياة الفلسطيني رخيصة في نظر الكورونا الإسرائيلية؟

لا أريد أن أتخيل شعور تلك الأم الفلسطينية وهي ترى «طفلها» (فالرجل يظل طفلاً في نظر أمه)، تراه متدلياً من الجرافة الإسرائيلية التي علقوه بها من رأسه.. فهو شعور جارح.. تماماً كمن ينعى لها ابنها (طفلها) الذي تم قتله بهدف التسلية. هذا الاستخفاف لا بمشاعر الأمهات الفلسطينيات بل بمشاعرنا كعرب نستحقه!.. فنحن نسينا في غمرة حروبنا المحلية مآسي الفلسطينيين، ونسينا أن إهمالنا لاعتبارها قضيتنا المحورية هو من الآراء النادرة التي لا تقبل الاختلاف.

ماذا عن «الهولوكوست» الفلسطيني؟

نقرأ في الصحف عن صاحب مشروع نصب «الهولوكوست» في بلد عربي يطالب السلطات بحمايته وحماية نصبه، فهو يريد تجسيد الأذى الفادح الذي لحق باليهود أيام النازية.

كثيرون استنكروا ذلك، من طرفي أوافق على ذلك النصب شرط بناء نصب لصقه (للهولوكوست) الإسرائيلي الذي يحاول إبادة الفلسطينيين واحتلال أراضيهم وبيوتهم وقدسهم وجوامعهم في «هولوكوست» قلما يبالي العالم بها.. بل يباركها السيد ترامب لنتنياهو!

منذ أكثر من نصف قرن وإسرائيل لا تبالي بقرارات الأمم المتحدة، ولا تبالي بأحد غير رغبتها في إبادة الشعب الفلسطيني وشل المقاومة، فهل نعتبر ذلك رأياً آخر (؟!) ينبغي احترامه؟

 



مقالات أخرى للكاتب

  • هل الجوائز الأدبية والفنية مؤذية؟ .. وهذا التمثال، لماذا يبكي؟
  • قراءات "الحَجْر المنزلي": كتابان للذين يكرهون المطالعة!
  • رسالة "شعرية" من مريم مشتاوي… و داعية أساء إلى الدين الإسلامي قبل المرأة!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي