كورونا
2020-02-21 | منذ 1 شهر
أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

ليس "كورونا" مرضاً وبائياً فحسب، بل يأتي في منزلة الإرهاب، أي أن المرض مسألة سياسية أيضاً، أما معالجته والتعامل معه، فمسألة اجتماعية ثقافية، كما اتضح بشكل جلي، في التعامل الصيني مع هذه المسألة الصحية. وفي الإطار التاريخي الحديث للأمراض الخطرة، فإن التعامل مع "كورونا" يُذكر بالإيدز، خصوصاً في جانب المعالجة الإعلامية، إذ أظهر الإعلام الغربي، وخصوصاً الأميركي، "كورونا" كمرض قومي صيني، بينما عالج الإيدز باعتباره مسألة صحية دولية.

الإعلام الأميركي أشاع أن انبثاق "كورونا" وانتشاره، مسألة فلكلورية صينية، ترتبط بالمطبخ الصيني، حيث تُقدم الخفافيش صنفاً من الأكلات المميزة، وإدارة دونالد ترمب كانت الداعمة لهذه الإشاعات ضد الصين، ومروجة لفشل الحكومة الصينية، في مواجهة المرض. وهذا، في إطار الحرب التجارية التي يشنها ترمب ضد النجاح الصيني.

"كورونا" أمسى الخبر الرئيس، بعد دحر تنظيم "داعش"، في كل الوسائل الإعلامية، والمفردة الأولى في مواقع التواصل الاجتماعي. وقد حاولت منظمة الصحة العالمية مواجهة الحرب، ما وظف المرض لأغراض سياسية اقتصادية. وجاءت المواجهة الرئيسة من الدولة والشعب الصينيين. لقد انبهر العالم، على الرغم من الحرب الإعلامية، بحالة الانضباط الشعبي الصيني، والقدرة على تحويل الصين "معزلاً صحياً" يضم مئات الملايين، وفي هذه اللحظة الاستثنائية، وبسرعة مذهلة، يبنى مستشفى ضخم، بينما تم تزويد السكان، في بيوتهم، باحتياجاتهم، من دون ارتباك أو فوضى.

"كورونا" وباء انتشر في الصين، ما تمثل كوكباً في كوكب الأرض، حيث أكثر من مليار من البشر أصبحوا في معزل صحي، ما يؤشر إلى القدرة الصينية الهائلة، ليس في تزويد البشر في العالم، باحتياجاتهم الصناعية وغيرها فحسب، بل الاستطاعة أيضاً، على أن يعيش شعب الكوكب من دون هلع وصراخ وعويل، كما حدث، مثلاً، حين هدد الإيدز أوروبا. في هذا الشأن، ثمة درس إنساني عظيم، يقدمه الصينيون للبشرية، ما يعني أن علينا الدراسة والبحث، في الثقافة الاجتماعية الصينية، وأن الفلكلور، ليس في ما يأكله الصينيون، إنما في ما يفعلونه لمواجهة الأوبئة، كما فعلوا في التنمية والتفوق الاقتصادي. وفي هذا، "كورونا" علامة صينية جديدة، في المجال الإنساني.

لكن ما يحدث، حتى الآن، هو أن الشعبوية العالمية بقيادة ترمب، تعتبر "كورونا" سلاحاً، منحته الأقدار، لمحاربة الصين ونجاحها التجاري، وبهذه الحجة "عدم انتشار كورونا دولياً"، لا بد من محاصرة الصين، في حملة شعبوية مضمرة غالباً، لكن تظهر كفقاعات على وجه الإعلام الترامبي! وإجراءات إدارته الاحترازية.

وفي الإطار نفسه، جاء العقل الخرافي بتخرصات حول العقاب الإلهي للصين، التي تضطهد المسلمين "الإويغور"، وكذلك غيّب الإعلام الأقوى عنا، ما يحدث في الصين لمواجهة الوباء، وانحصرت الأخبار والمعلومات، عند عدد المصابين والموتى، والتشكيك في ما يصدر، عن الحكومة الصينية في الخصوص، من دون تعليل ولا تحليل، وزاد الطين بلة، أن ليس ثمة حملة توعية مركزة، عن المرض الفتاك.  

غير أن الرد على ترمب، جاء من العطالة، التي أصابت شركات أميركية عالمية، كشركة آبل، ما أعلنت عن عجز في إنتاج، بعض صنوفها الإلكترونية، مثل موبايل أي فون، إذ يتم تصنيع أجزاء منه في الصين، التي توقف فنيوها وعمالها عن الإنتاج، من أثر حصار "كورونا". أما هبوط سعر النفط، فهو العلامة الأخرى، لأثر هذا الفيروس الصيني، الذي بات يبلبل العقول فينشر الذعر، خصوصاً في البلدان الفاقدة المناعة، والقادرة على الوقاية.

المرض الوبائي يعطل قوى عظمى ناهضة، بكل إيجابياتها وسلبيتها، وفي اللحظة يجتاح الجراد القارة الأفقر أفريقيا، وتجتاح الحروب الأهلية والثورات الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه الشعبوية تهدد القارة العجوز، بينما أميركا رأسها شعبوي ضيق الأفق، هكذا تجتاح الكرة الأرضية الأمراض، عند مصابها بخطر ارتفاع حرارتها، فهل يكون "كورونا"، على غير الأوبئة السابقة، الفيروس الذي يعلق الجرس، في رقبة الأمم المتحدة.

 

*كاتب ليبي



التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي