الصراع الروسي– الأوكراني يتوسع لكن ليس بالطريقة التي توقعتها الغالبية
2022-08-21
ماري ديجيفسكي
ماري ديجيفسكي

أثار الغزو الروسي لأوكرانيا المخاوف ليس فقط من أنها قد لا تنجو كدولة قومية، بل أيضاً من أن الصراع قد يتمدد، وكان هناك تخوف يمكن تفهمه في شرق ووسط أوروبا، خصوصاً من أن روسيا لن تتوقف عند حدود أوكرانيا، بل ستمضي قدماً غرباً لمجابهة توسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وبدت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المراحل المبكرة من الحرب حذرين حيال دعم أوكرانيا عسكرياً، خشية أن يؤدي ذلك إلى استفزاز روسيا، كما قيل. وقد اعترف هؤلاء بحق أوكرانيا المشروع كدولة ذات سيادة، في طلب الدعم الخارجي في إطار الدفاع [عن نفسها]، غير أنه كانت هناك انقسامات واضحة ضمن التحالف الغربي في شأن الشكل الذي ينبغي أن يتخذه هذا الدعم والطريقة التي يجب أن يقدم بها.

كانت دول البلطيق وبولندا، ولا تزال، أشد حزماً [من غيرها] ويعود ذلك بشكل جزئي إلى اعتقاد الطرفين بأن روسيا تضعهما نصب عينيها ليكونا هدفها التالي. وبينما تصرفت المملكة المتحدة ككبيرة المشجعين [لدعم أوكرانيا عسكرياً]، فإن فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة كانوا أكثر تردداً، ولم ترغب الولايات المتحدة، أو االناتو نفسه، أبداً في دفع روسيا لاعتبار الحرب نزاعاً مع حلف الناتو. ولم يمنع ذلك، بطبيعة الحال، روسيا من وصف الصراع في مراحله اللاحقة بأنه كان عبارة عن "حرب بالوكالة" يشنها حلف الناتو [ضدها].

وهذا هو ما حصل، من الناحية التقنية، في الأقل، فقد تدفق الدعم العسكري الغربي إلى أوكرانيا، من دون عرقلة كبيرة تذكر من جانب روسيا. وليس من الواضح تماماً ما إذا كان سبب ذلك يكمن في عدم قدرة القوات الروسية على مهاجمة خطوط الإمداد هذه من الأراضي التي تسيطر عليها، أو في خشيتها من ارتكاب خطيئة ما يمكنها أن تؤدي إلى تفعيل البند خمسة في استجابة حلف الناتو [ضد أي عدوان يستهدف أحد أعضائه].

وقد يفسر هذا، هو والإخفاقات الروسية العسكرية الواضحة التي كشفت عنها الحرب، لماذا أصبحت التحذيرات من حرب عالمية ثالثة، أو حتى من حرب نووية في أوروبا، محدودة مع تواصل الحرب. أقله في الوقت الحالي. وقد أثبتت أوكرانيا (بمساعدة الغرب) أنها أقوى، وأن روسيا أضعف، مما كان كثيرون يفترضونه.

ومع هذا، فإن حقيقة أن الحرب لم تشهد حتى الآن تصعيداً يحولها إلى حريق أوروبي هائل كما لم تتمدد إلى أي من الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو، لا يعني أن الحرب لم تنتشر على الإطلاق أو أنه لن تكون لها تداعيات أخرى. لقد انتشرت، لكن فقط ليس على النحو الذي كان متخيلاً في كثير من الأحيان.

والذي كان يجري، وقد طمسته إلى حد كبير الحرب في أوكرانيا والاهتمام الإعلامي والسياسي المبرر الذي أثارته، هو ظهور مجموعة من الصراعات الصغيرة من جديد في المنطقة كلها، وهذه نزاعات لها جذورها أيضاً في انهيار الاتحاد السوفياتي شأنها شأن الحرب الأوكرانية الروسية.

ولكن، خلافاً [لحرب] أوكرانيا، لا يعكس استئناف هذه الصراعات، في شطره الأكبر أي نية عدوانية من جانب روسيا، بل يدل على غيابها أو ضعفها.

ومن أكثر الأحداث إثارة للقلق اندلاع صراع جديد بين أرمينيا وأذربيجان حول ناغورنو قره باغ، وهو من أشد الصراعات مرارة، التي أعقبت نهاية الاتحاد السوفياتي. وهذا أيضاً صراع يبرز فيه العامل الروسي أكثر من غيره. فروسيا توسطت من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الجانبين، كما أرسلت قوات حفظ سلام بعد اندلاع حرب صغيرة في عام 2020 أسفرت عن مقتل ما يزيد على ستة آلاف شخص. وبعد ذلك، وضعت أذربيجان يدها على رقعة كبيرة من أراضي ناغورنو قره باغ الذي كانت تسيطر عليها أرمينيا، أو بالأحرى استعادت هذه المساحة كما ادعت باكو.

وفي الشهر الماضي، انفجر الوضع مجدداً، عندما ردت أذربيجان على ما وصفته بأنه كان توغلاً من منطقة ناغورنو قره باغ التي تسيطر عليها أرمينيا، من خلال تحقيق مزيد من التقدم [على الأرض]. وربما دفعها إلى ذلك حماسها الناجم عن مكانتها الجديدة كدولة يعتمد عليه لتقديم إمدادات الطاقة للاتحاد الأوروبي واستفادتها من الدعم المستمر الذي تتلقاه من تركيا، ويبدو أن من المرجح أن التوترات هنا لا بد لها أن تتصاعد، كلما زاد تقييد حرية حركة روسيا في أوكرانيا، وتعزز شعور أذربيجان المدعومة من جانب تركيا بضعفها [روسيا].

ونبقى في القوقاز، كان للضعف الروسي أيضاً تداعيات بالنسبة إلى الجيبين الموالين لروسيا في جورجيا. كانت أوسيتيا الجنوبية قد خططت لإجراء استفتاء في شأن الانضمام إلى روسيا، لكنها لم تلبث أن ألغته في مايو (أيار) في ظل حكومة جديدة. وجاء ذلك حتى في الوقت الذي نفى فيه الجيب الآخر، أبخازيا، أي طموح للانضمام إلى روسيا. وهذا يوحي بأن الجيبين، اللذين اعترفت روسيا (تقريباً لوحدها) بهما [كبلدين] مستقلين بعد خوض حرب في عام 2008 من أجل منع دمجهما بشكل قسري مع جورجيا، ربما ينظران الآن إلى روسيا على أنها طرف حام أضعف ومرغوب فيه بشكل أقل مما كانا يعتقدان سابقاً. أو أن روسيا بدأت تفقد الاهتمام، أي كان سيحصل في مرحلة لاحقة لن يمثل على الأغلب تقليصاً للتوترات القائمة.

ونتجه شرقاً، حيث اندلعت قبل ستة أسابيع أعمال عنف أوقعت عشرات القتلى وأصابت المئات بجراح، في منطقة من أوزبكستان اسمها كاراكالباكستان. وقيل إن العنف اندلع عندما استخدمت الحكومة الأوزبكية القوة من أجل إنهاء الاحتجاجات ضد التغييرات الدستورية المقترحة والمصممة من أجل تقليص الحكم الذاتي للمنطقة ووضع حد لحقها في الانفصال.

تم الآن التخلي عن تلك الاقتراحات، إلا أن البعض رأوا بشكل حتمي يد روسيا البعيدة وراء احتجاجات كاراكالباكستان، إذ فسرت المناوشات على أنها المرحلة الأخيرة في محاولات أوزبكستان للنأي بنفسها عن هيمنة الحقبة السوفياتية، ما يعكس التوترات الثلاثية الأطراف بين دول آسيا الوسطى التي صارت مستقلة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، والتنافس المحموم على النفوذ الإقليمي بين روسيا والصين.

وإن النقطة الأكثر أهمية هي أن اضطرابات من هذا النوع لا تميل لأن تكون حوادث منفردة، بل هي تعكس تغييرات في ميزان القوى الإقليمي، وقد يكون انغماس الاهتمام الروسي بأوكرانيا هو إحدى هذه اللحظات.

وربما ينطبق تفسير مشابه أيضاً على حوادث إطلاق النار الأخيرة في أنحاء كوسوفو كافة، حيث كان الأشخاص من أصول صربية يرفضون تركيب لوحات أرقام جديدة على سياراتهم، وهي آخر المراحل في جهود كوسوفو لتعزيز مكانتها كدولة مستقلة.

وبالنظر إلى الدعم الروسي غير المحدود لصربيا، فقد يكون السؤال هو ما إذا كان الضعف الروسي يعطي كوسوفو فرصة لتأكيد نفسها، بدعم من الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أو ما إذا كانت روسيا قد تتطلع للاصطياد بثمن بخس نسبياً في المياه العكرة، كما دأبت الدعاية في أيام الحقبة السوفياتية على القول، وذلك في محاولة للتعويض عن الصعوبات التي تواجهها في أوكرانيا.

ثمة نمط يتشكل من هذه المسائل المتباينة والغامضة في غالب الأحيان، وهو تجدد الاضطرابات في مناطق تركت موضع تنازع أو هائمة من دون هدف، في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي. ويهدد حتى الصراع الصغير عند خط تصدع أرضي أكبر، سواء في البلقان أو القوقاز أو آسيا الوسطى، بتداعيات أوسع نطاقاً. لا يزال انهيار الاتحاد السوفياتي يحدث ترددات بعد أكثر من 30 عاماً، وما يحدث مع روسيا في أوكرانيا لن يتوقف هنا.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • على برلين التوقف عن الاعتذار والدفاع عن تاريخها مع موسكو
  • حبذا لو دعي الرئيس الروسي إلى جنازة الملكة
  • غورباتشوف يستحق الثناء لكنه ربما زرع فتيل أزمة روسيا وأوكرانيا





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي