هل سيستطيع ماكرون إظهار زعامة أوروبية قوية؟
2022-04-30
جيفري كمب
جيفري كمب

على مدى الأشهر القليلة الماضية، شكّلت إمكانية فوز زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بالانتخابات الرئاسية الفرنسية هاجساً أرَّق القادة الغربيين. وقد أظهر أداؤها الجيد خلال الجولة الأولى من الانتخابات في 10 أبريل أن مشاعر الغضب والاستياء من الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون يمكن أن تؤدي إلى فشله في الفوز بإعادة الانتخاب خلال الجولة الثانية في 24 أبريل، على الرغم من أن سياسات لوبان اعتُبرت متطرفةً وعنصرية من طرف الكثيرين. وفضلاً عن ذلك، يقال إنها تلقت مالاً من روسيا في محاولتها الانتخابية قبل خمس سنوات.

بيد أن ماكرون فاز في جولة الإعادة فوزاً واضحاً، حيث حصل على 59% من الأصوات مقابل 41% للوبان. وعلى نحو سريع اعترفت لوبان بهزيمتها، ولكن كان من الواضح جداً أن أداءها القوي يعني بأنها وحزبها باتا الآن قوة يحسب لها ألف حساب في المشهد السياسي الفرنسي. ومن المتوقع أن يبليا بلاءً حسناً خلال الانتخابات البرلمانية المرتقبة في يونيو المقبل. وهي انتخابات سيتم التنافس خلالها على 577 مقعداً في البرلمان الفرنسي، وتأمل كل من لوبين ومرشح اليسار جون لوك ميلينشون الفوزَ بعدد كاف من المقاعد فيها من أجل تحدي البرامج الجديدة التي يطمح ماكرون لتمريرها خلال ولايته الرئاسية الثانية.

والواقع أن فرنسا، وعلى غرار العديد من الديمقراطيات الغربية، لديها سكان جد منقسمين، في وقت تهيمن فيه على الخطاب العام مواضيع مثل الهجرة وأسعار الغذاء ووضع التعليم وظواهر العنف. وكان بعض الزعماء اليمينيين، مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور، أوربان، قد فازوا مؤخراً بإعادة انتخابهم، رغم علاقاتهم الوثيقة بالرئاسة الروسية (الكرملين). أيديولوجية أوربان، التي تدعو إلى القيم المحافظة والمناوئة للمهاجرين، يُنظر إليها بشكل إيجابي من قبل الساسة اليمينيين، بمن فيهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. وسيتعين على ماكرون الآن التعاطي مع هذه التحديات الداخلية القوية، والسعي في الوقت نفسه لإعادة بناء سمعته كزعيم أوروبي كبير.

لقد أصبحت حرب أوكرانيا أكبر تهديد لأوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. وباتت أمور من قبيل كيفية دعم أوكرانيا، ومعارضة روسيا، ومنع استخدام أسلحة الدمار الشامل، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري الروسي في زمن وباء عالمي وتصاعد للتضخم... تطرح تحديات وجودية للقارة. إننا إزاء كفاح جديد لأوروبا. اعتقدت موسكو حين أطلقت عمليتها العسكرية أن حلف «الناتو» ضعيف، والولايات المتحدة في تراجع، وأوروبا منقسمة وتعتمد على روسيا في احتياجاتها الأساسية من الطاقة.. وربما افترضت أن الأوكرانيين سيستسلمون في غضون أيام، وأن سكانها سيرحّبون بالخلاص من نظام «نازي فاشي»! وبالطبع فإنها كانت افتراضات خاطئة، غير أنه سيكون من الجنون الاعتقاد بأن أوروبا ستظل موحدةً مثلما هي عليه اليوم. صحيح أن السويد وفنلندا قد تطلبان عضوية «الناتو»، وأن ميزانيات الدفاع الأميركية والأوروبية سترتفع، والاستعدادات الأمنية ستزداد وتتقوى.. غير أنه لتلافي حرب باردة جديدة أو شيء أسوأ منها، يتحتَّم التوصل لاتفاق مع روسيا حول حدود أمنية جديدة. ولا شك في أن إمكانية التوصل لهذا الاتفاق ستتوقف على نتيجة الحرب الحالية التي يبدو أنها لن تنتهي قريباً.

وكان ماكرون ينظر إلى نفسه دائماً على أنه الزعيم الطبيعي لتوجيه أوروبا نحو اتجاهات جديدة بخصوص الترتيبات الأمنية، لكن محاولاتِه التدخلَ لإنهاء الحرب الأوكرانية مثّلت إخفاقاً.

وبالمقابل، كان رئيسا وزراء بريطانيا وبولندا، بوريس جونسون وماتيوس مورافيكي، أبرز أوروبيين دعمَا أوكرانيا. أما المستشار الألماني الجديد أولاف شولتز فيواجه صعوبةً في إيجاد طريقة لكسر علاقات ألمانيا الاقتصادية الوثيقة مع روسيا والتغلب على التردد الألماني المبرر في أن ينظر إليها باعتبارها قوةً عسكريةً كبيرةً من جديد.

وخلاصة القول، هي أن مسألة ما إن كان ماكرون سيستطيع إظهار زعامة أوروبية قوية ستتضح في وقت لاحق من هذا العام. وفي غضون ذلك، سيحرص الرئيس الأميركي جو بايدن على أن يظل الدور الأميركي في الأمن الأوروبي أولوية على الرغم من مشاكله الداخلية الملحة.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – الاتحاد-



مقالات أخرى للكاتب

  • حرب أوكرانيا والانتشار النووي
  • بريطانيا: حس المسؤولية واستمرار المؤسسات
  • ملكة عاصرت 15 رئيس وزراء





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي