أزمة أوكرانيا.. وطرق الخروج الممكنة
2022-03-19
جيفري كمب
جيفري كمب

بدأت الحرب في أوكرانيا في الساعات الأولى من يوم 24 فبراير 2022. وبعد مرور ثلاثة أسابيع على ذلك اليوم، ما زال القتال متواصلاً. روسيا لم تحقق الانتصار السريع الذي كانت تتوقعه، والإصابات على الجانبين تتزايد، وكذلك المخاوف من التصعيد. فهل هناك أي خيارات واقعية لإنهاء أخطر أزمة دولية منذ نهاية الحرب الباردة؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان يفترض أن الغزو سيكون عبارةً عن هجوم مفاجئ يفضي إلى انهيار سريع للقوات المسلحة لأوكرانيا واستسلام حكومتها بزعامة فلوديمير زيلينسكي أو موتها أو نفيها. لكن بدلا من ذلك، أصبح زيلينسكي شخصية مشهورة دولياً، وقتلت القواتُ الأوكرانية العديد من الجنود الروس، ودمّرت العديد من الدبابات والمدرعات والطائرات الروسية، وخاصة طائرات الهيلوكوبتر وشاحنات الإمداد اللوجستي.

وطالت محاولات روسيا محاصرةَ العاصمة الأوكرانية كييف وعزلها، وهي مدينة كبيرة لم يغادرها معظم سكانها البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة. فالمدينة، وعلى الرغم من تعرضها لقصف وضربات جوية قوية، ما زالت تخضع للسيطرة الأوكرانية. ومن غير المرجَّح أنه لدى روسيا القوة البشرية المدرَّبة لاحتلال المدينة، ناهيك عن السيطرة عليها وحكمها. صحيح أن روسيا تملك القوة النارية الكافية لتدمير المدينة في حال قرّرت أن تلك هي الطريقة الوحيدة لإخضاع البلاد وإرغامها على الاستسلام.. لكن الإقدام على مثل هذه العملية، التي سيكون العالم برمته شاهداً عليها، من شأنه أن يضاعف عزلة موسكو ويزيد الضغوط من أجل اتهامها بارتكاب جرائم حرب.

والمشكلة هي أنه إذا أصبحت روسيا معزولةً، فإن ذلك يعني أنها ستكون قادرةً على اتخاذ قرارات أخطر بكثير، بما في ذلك التهديد باستخدام أسلحة نووية تكتيكية وإمكانية استخدامها الفعلي. لكن، ما الذي يمكن أن يُقنع موسكو بإنهاء الحرب؟ الواقع أن التحدي يكمن في تلبية بعض مطالبها، لكن دون القبول بأي تغيير في استقلال أوكرانيا نفسها. وفي هذا الصدد، يرى البعض أن روسيا يمكن أن تعلن الانتصار في حال وافقت أوكرانيا على ثلاثة شروط هي: التعهد بأنها لن تنضم أبداً إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو»، والاعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم التي سبق أن قامت بضمها في عام 2014، والاعتراف بكيانين مستقلين في منطقة دونباس في شرق أوكرانيا هما دونيتسك ولوهانسك. والواقع أن أياً من هذه الشروط لا يوافق مخططات موسكو الأكبر والأكثر طموحاً، ومن ذلك أن تكون أوكرانيا جزءاً من روسيا مرةً أخرى، لكنها قد تمكّنها من إعلان الانتصار وتهدئة الرأي العام في الداخل.

وسيعتمد استعداد الروس والأوكرانيين لقبول مثل هذه الخيارات على وضع الحرب خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. غير أنه إذا اعتقد أي من الطرفين بأنه بصدد الفوز في ميدان الحرب، فإن احتمال تقديمه تنازلات كبيرة سيكون ضئيلا. ذلك أنه إذا كثّفت روسيا قصفها لكييف وتمكنت من عزل المدينة عن إمداداتها، فسيكون من المستبعد أن يقبل الكريملين بأي نتيجة سياسية عدا استسلام المدينة. أما إذا استطاعت أوكرانيا الحفاظ على العاصمة واستمرت في إلحاق الألم بالقوات الروسية، فإن موسكو إما ستضطر لقبول وقف إطلاق النار أو ستعمد إلى تصعيد الحرب من خلال هجمات على غرب أوكرانيا، بما في ذلك مدينة لفيف التي أصبحت مركزاً للخروج نحو بولندا المجاورة ولدخول الإمدادات من الغرب. كما تستطيع فرض عقوبات اقتصادية على الغرب عبر قطع إمدادات حيوية مثل النفط والغاز الطبيعي والمعادن، وخاصة النيكل.

ولعل الامتحان الأكبر سيكون معنويات مقاتلي كل طرف على الميدان وفعاليتهم القتالية. إذ تشير بعض التقارير إلى أن الجنود الروس يعانون من قلة الانضباط وضعف القيادة أحياناً، في حين تذكر التقارير أن الأوكرانيين منظَّمون بشكل جيد وربما يتسمون بقوة التصميم. وفي نهاية المطاف، تملك روسيا القوة النارية لإلحاق أضرار بالغة بأوكرانيا. غير أن مثل هذه النتيجة ستمثّل نصراً مكلِّفاً جداً قد يكون الكريملين قادراً على تسويقه داخل روسيا، لكنه سيجعله معزولا من لدن دول كثيرة في العالم.

نقلا عن الاتحاد

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – الاتحاد-



مقالات أخرى للكاتب

  • حرب أوكرانيا والانتشار النووي
  • بريطانيا: حس المسؤولية واستمرار المؤسسات
  • ملكة عاصرت 15 رئيس وزراء





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي