ليلتي الأولى في باريس
2020-01-18 | منذ 4 أسبوع
غادة السمان
غادة السمان

ليلة الاحتفال بقدوم السنة الجديدة 2020 رافقت جارتي لمشاهدة الشلالات الضوئية للألعاب النارية عند منتصف الليل فوق قوس النصر الذي تنحدر منه (أجمل جادة في العالم) كما يحلو للفرنسيين تسمية شارع الشانزيليزيه الشهير في باريس. وكان الاستعراض الضوئي رائعاً ولا أدري لماذا أمام هذا الاستعراض الضوئي تذكرت ليلتي الأولى في باريس وكانت مظلمة بمعنى ما.

الكوابيس كلها تبدأ بحلم!

كنت طالبة في الجامعة الأمريكية في بيروت وشامية قادمة لدراسة الماجستير في الأدب الإنكليزي، مقيمة في القسم الداخلي للبنات (بستاني هول) في حرم الجامعة نفسها. وكالكثير من أبناء العشرين كنت أحلم بالسفر لمشاهدة عواصم شهيرة وأولها باريس. وكنت أحلم بالمشي ليلاً في شارع الشانزيليزيه الذي طالما سمعت عنه كما في «الحي اللاتيني» الذي قرأت عنه في روايات عربية واكتشاف باريس وهو حلم تحول إلى كابوس في ليلتي الأولى في باريس.

 الكابتن قائد الطائرة العاشق!

أقلعت بي الطائرة من بيروت، ويبدو أن إحدى المضيفات أخبرت ربان الطائرة أن على متنها كاتبة عربية، وحين علم باسمي طلب منها إحضاري إلى غرفة القيادة للتعارف.. وسألتها عن اسم الكابتن وحين ذكرته لي عرفت أنه المغرم بزميلتي الجامعية في الغرفة المجاورة في (بستاني هول) ويرغب في الزواج منها.

ونهضت إلى غرفة القيادة واستجوبني الكابتن عن زميلتي (التي يحبها) وكنت متحفظة في الإجابة لأنني طوال عمري لا أحب التدخل في قصص غرام الآخرين.

ثم سألني: في أي فندق ستحلين في باريس؟ قلت بصدق إنني لا أعرف، وبأنه قيل لي إنهم في محطة (الانفاليد) الباريسية التي يهبط إليها ركاب (باصات) الطائرات ثمة مراكز للحجز في الفنادق.

ويبدو أن الكابـــتن اعتاد على القادمـــين للمرة الأولى إلى باريس، متوهمين أنها ستفرش لهم البساط الأحمر تحت أقدامهم وتلبي رغباتهم، فقال لي: هنالك دار للطالبات الشابات سأعطيك عنوانها لقضاء ليلتك الأولى فيها إذا لم تجدي فندقاً يناسبك ليلة وصولك.

كدت أرمي بالورقة (وأنام في الشارع!)

في (محطة الانفاليد) اكتشفت أن الفندق الذي أحلم به غير موجود..! أي رخيص السعر وفي أفخم أحياء باريس! ولم يكن معي من المال ما يكفي حتى لقضاء ليلة واحدة في أمثاله. وقررت النوم في «دار الطالبات» ليلتي الأولى. وحمدت الله لأنني لم أرم بورقة العنوان حين أعطاني إياها الكابتن وكدت أفعل! قالت لي المسؤولة إن الأبواب تغلق عند منتصف الليل، أي بعد نصف ساعة تقريباً، فغادرت الدار إلى الشارع لاكتشاف مدخل أقرب (مترو) إلى مكاني. وهنا واجهني في الشارع مشهد مؤثر لن أنساه طوال ما تبقى من عمري.

المرأة المرمية على الرصيف

وأنا في طريق العودة إلى دار الطالبات قبل منتصف الليل وقت إغلاق بابها، شاهدت على الرصيف الثاني في الساحة الواسعة الباريسية امرأة مرمية على الرصيف، ورجلاً يتقدم منها. قلت لنفسي: سيساعدها على النهوض. تراها ثملة؟ أم عاشقة باريسية مهيضة الجناح؟ الرجل الذي تقدم نحوها لم يساعدها بل انتشل حقيبة يدها وركض هارباً وهو يرمقني بنظرة تهديدية. وكدمشقية عتيقة كدت أركض خلفه وأتعارك معه وانتزع منه الحقيبة وأعيدها لها، لكنني أيضاً شعرت بأنني لم آت إلى باريس لألعب دور الشرطي في ليلتي الأولى. وهكذا اقتربت منها قلت لها بالفرنسية: سأساعدك على النهوض. لا تخافي.

ونظرت إليّ بعينين لا تريان إلا حزنهما وقالت: اتركيني في حالي. أرجوك. اذهبي. اذهبي.. وصارت تنتحب وكان وقت إغلاق باب «دار الطالبات» يكاد يحين فتركتها وعدت، ولكنني شاهدت في ليلتي الأولى هذه، الوجه الآخر المظلم لباريس. ثم إن رائحة الكحول التي كانت تفوح من المرأة ما زالت تملأ أنفي! وتعاطفت مع حزنها الذي لا أملك له شيئاً. كان عليّ النوم في قاعة واحدة مع عشرين شابة أخرى من أمثالي، لكنني ظللت أرى مشهد المرأة الثملة المرمية على الرصيف والرجل ينحني عليها لا ليساعدها بل ليسرق حقيبتها!

هذا الوجه المظلم لباريس ظللت دائماً أتذكره، فالمدينة ليست عاصمة الألعاب النارية فحسب، بل هي أيضاً عاصمة الأحزان والأحلام الخائبة..

التعارف مع صباحات باريس بعد ليلها؟

صباح اليوم التالي كان مشرق الشمس وسررت بذلك وارتديت ثوباً ربيعياً ولم أكن أدري أن الشمس الباريسية ليست شمس دمشق أو بيروت الحارة. وشعرت بلسعات البرد وأنا أقف في (طابور) الانتظار للدخول إلى متحف اللوفر. وحين جاء دوري أخيراً كنت على وشك الموت برداً ولا أريد أن أرى (المونا ليزا) بل مدفأة!. وبالذات بعدما قالت لي جارتي في (الطابور) إن درجة الحرارة 3 درجات مئوية!

وهكذا تعارفت أيضاً مع الطقس (المعدني) لهذه المدينة الجميلة..

ويوم عدت إلى بيروت بعد أسبوعي الأول في باريس، كنت أكثر حنيناً إليها وإلى دمشق، مسقط قلبي ورأسي، فقد كنت على الأقل أعرف لغتهما الطقسية..

 الألعاب النارية والتلوث المباح!

أضحت بعض المدن الغربية وسواها تتبارى في عروض الألعاب النارية لحظة استقبال السنة الجديدة دون أن نسمع كلمة عن التلوث الذي تسببه..

هذا مع العلم أن (القيامة قامت) على رأس الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان مثلاً لأنهما ذهبا إلى إجازتهما في طائرة خاصة وسببا التلوث لكوكبنا!

ماذا عن التلوث الذي تسببه هذه الألعاب النارية في العديد من قارات كوكبنا من أستراليا إلى أوروبا فأمريكا؟ أم انه ثمة تلوث مباح كالألعاب النارية وآخر مرفوض كإقلاع طائرة؟

سنة جديدة نعيشها والعالم لم يتبدل كثيراً. فنحن بشر والتناقض من شيمنا!



مقالات أخرى للكاتب

  • "السقوط إلى القمة" يا ماجدة!
  • ألا نحب أوطاننا؟
  • ثرثرة فوق نهر السين!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي