أزمة الطاقة في الهند.. إشكالية فهم الأسواق!
2021-10-26 | منذ 1 شهر
أنس الحجي
أنس الحجي

تعاني الهند من تخبط السياسات فيها، الأمر الذي أسهم في أزمة الطاقة الحالية. فالحكومة الهندية تحاول أن تظهر بمظهر المحافظ بتبنّي أفكار اقتصادية تتطلب التخفيف من التدخل الحكومي في الاقتصاد، وتحريره عن طريق رفع الإعانات عن السلع الأساسية بما في ذلك الوقود، وبيع المنشآت الحكومية للقطاع الخاص، في الوقت الذي تريد "التحكم" في أسعار النفط والغاز بما يتعارض مع أبسط قواعد الاقتصاد.

والواقع أن بعض المسؤولين الهنود بالغوا في شكاويهم ضد دول "أوبك" بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص، لدرجة أنهم كانوا يطالبون بزيادة إنتاج النفط وتخفيض أسعاره ولم تكُن أسعاره قد وصلت إلى 50 دولاراً للبرميل بعد. ولدرجة أنهم طالبوا قطر بإعادة التفاوض على عقود طويلة المدى للغاز المسال التي طلبتها الهند أصلاً ووقّعتها. ولما رفضت قطر، أعلنت بعض الشركات الهندية "القوة القاهرة" كي لا تستلم من قطر الشحنات بحسب العقد، بحجة انخفاض الاستهلاك، ثم قامت وقتها بالشراء من السوق الفورية لأن أسعارها الفورية كانت أقل من المتعاقد عليها.

والآن، لما ارتفعت الأسعار في السوق الفورية إلى مستويات تاريخية، وأعلى بكثير من أسعار العقود، طالبت الشركات الهندية قطر بالشحنات التي رفضت استلامها مسبقاً! الأنكى من ذلك أنها طالبت بإرسالها في أسرع وقت! هذه الأمور، وأخرى سنراها لاحقاً في هذا المقال، توضح أن هناك مشكلة لدى المسؤولين الهنود في فهم الأسواق، ومشكلة في فهم ماهية "أوبك" وسلوكها.

ارتفعت أسعار المنتجات النفطية في الهند إلى أعلى مستوى لها تاريخياً، وأصبحت من الأعلى في العالم. على إثر ذلك، انتقد بعض المسؤولين الهنود "أوبك" ودول الخليج ولاموها على رفع الأسعار، وتجاهلوا سياساتهم التي فرضت ضرائب على المشتقات النفطية هي الأعلى في العالم. ثم طالبوا الشركات الهندية رسمياً بعدم الشراء من بعض دول الخليج "عقاباً" لها، وشجعوا على استيراد النفط من أماكن أخرى مثل الولايات المتحدة وغايانا... وما إن ضربت الأعاصير خليج المكسيك حتى رجعوا إلى الخليج، وكأن شيئاً لم يكن.

وفي الوقت الذي كان يهاجم بعض المسؤولين الهنود السياسات النفطية لدول الخليج، تجاهلوا أمرين أساسيين. الأول، أن الهند من أكبر مصدري المشتقات النفطية في العالم بحيث تحتل المركز الرابع، بينما لا توجد أي دولة من دول "أوبك" ضمن أكبر خمسة مصدرين للمشتقات النفطية في العالم! بعبارة أخرى، في الوقت الذي حاول المسؤولون استغلال معاناة الشعب الهندي أمام العالم بسبب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية، كانت الحكومة تجني ملايين الدولارات من الضرائب، بينما تحقق كبرى الشركات الهندية أرباحاً كبيرة من تصدير المنتجات النفطية. 

باختصار، لو أرادت الحكومة الهندية تخفيض أسعار المشتقات النفطية، فالأمر بيدها: تخفيض الضرائب أو تحجيم الصادرات أو وقفها! ولكنها لا تريد ذلك، إنما تريد أن تقوم دول الخليج بتخفيض الأسعار من جهة، وتزويدها بكل ما تريد من النفط من جهة أخرى!

وفي الوقت الذي أعلنت الحكومة الهندية رغبتها بجلب الاستثمارات، وقامت "أرامكو" السعودية بمشاركة شركة "ريلاينس" الهندية باستثمارات قد تصل إلى 15 مليار دولار، لجأت الحكومة الهندية إلى القضاء لوقف الصفقة! كل ما جرى حتى الآن يوحي أن الحكومة الهندية لا تزال تتنقل بين سياسات الماضي والحاضر، وكأن هناك انفصاماً في شخصية الحكومة! الاشتراكي القديم لم يستطِع أن يتعلم كي يصبح رأسمالياً!

أمن الطاقة

الأمر الثاني، ضمان أمن الطاقة على المدى الطويل في الهند يتطلب استثمارات ضخمة في الدول المنتجة للنفط والغاز. ولكن هذه الاستثمارات لن تحصل إذا كانت أسعار النفط منخفضة، والوضع الذي نحن فيه الآن أفضل مثال. ضمان إمدادات الطاقة على مدى أعوام يتطلب وجود أسعار مجزية تشجع على استمرارية الاستثمار في الصناعة كونها تعتمد على مصدر ناضب من جهة، وآليات ومعدات تحتاج إلى صيانة مستمرة ثم تغيير بعد فترة. إن إصرار الحكومة الهندية على الحصول على النفط والغاز بأسعار منخفضة يوضح عدم إدراكها أن أكبر خطر على أمن الطاقة في المديين المتوسط والطويل هو الأسعار المنخفضة. 

الاقتراحات الجديدة تتنافى مع مبادئ السوق

قدمت الهند في الأسابيع الأخيرة اقتراحين. الأول، توحيد جهود دول عدة مستهلكة لتشكل كتلة واحدة بهدف الضغط على المنتجين لتخفيض الأسعار. هذه الفكرة لم تغادر الغرف التي قيلت فيها، بحيث تحطمت على أبوابها لأنها تتجاهل  أموراً عدة سياسية واقتصادية واستراتيجية. كما أنها تتناقض مع اتهامات الحكومة الهندية لدول "أوبك". ولما فشلت هذه الفكرة، طالبت الحكومة الهندية الشركات الهندية بتشكيل تكتل واحد للتفاوض مع المنتجين لتحصيل أسعار أقل. الفكرة تتناقض أيضاً مع فكر الحكومة الذي يركز على حرية الأسواق، كما أنه قد يؤدي إلى أزمة طاقة تاريخية في الهند إذا قررت الدول المنتجة للنفط والغاز تخفيض الإمدادات للهند إلى ما تم التعاقد عليه فقط. في هذه الحالة، سينهار التكتل لأن هناك شركات ستحصل على النفط والغاز وشركات لا تحصل إلا على القليل، وأخرى لا تحصل على شيء. وكون بعض هذه الشركات عامة، وبعضها تتداول أسهمها عالمياً، فإن تكتلها قد يعرّضها لمشكلات قانونية في بعض الدول الغربية.

الاقتراح الثاني، وبعد أن أدرك المسؤولون أهمية العقود طويلة المدى في النفط والغاز المسال، هو تحديد سعر ثابت طيلة فترة العقد. تحديد السعر بهذه الطريقة لا يتنافى مع كل العقود الدولية حالياً فحسب، ولكنه نوع من التسعير الحكومي للنفط الذي يتنافى مع كل مبادئ السوق التي تنادي بها الحكومة الهندية الحالية. ويعكس طرح هذا المشروع جهل المسؤولين بالأسواق من جهة، وتناقضهم حتى مع أهم مبادئهم من جهة أخرى. 

هذا الاقتراح الذي يحدد الكمية ويثبت السعر لمدة طويلة يتنافى مع المنطق ومع المبادئ الاقتصادية. فلا يمكن لأي سياسة اقتصادية أن تنجح إلا إذا اعتمدت على ما يمكن تحقيقه بناء على ما يتم التحكم به. وهناك مئات الأمثلة لفشل سياسات في مختلف القطاعات بسبب تركيزها على متغيرات لا يمكن التحكم بها. حتى النماذج الاقتصادية تركز على الكمية ولا تركز على السعر، لأنه يمكن التحكم بالكمية ولا يمكن التحكم بالسعر.

بعد إلغاء التسعير الحكومي للمنتجات النفطية والغاز في الولايات المتحدة عام 1981، ألقت حكومة الرئيس رونالد ريغان كرة تسعير النفط في ملعب "أوبك"، التي لم تكن لديها أي خبرة في هذا المجال وقتها. فحاولت التحكم بالكميات والأسعار معاً، ففشلت، ولم تتعلم الدرس إلا لاحقاً. دول "أوبك" تستطيع التحكم بإنتاجها، ولكنها لا تستطيع التحكم بالسعر. والواقع أن أحد أسباب نجاح "أوبك+" في الأعوام الأخيرة هو تركيزها على الكميات وتجاهل السعر.

وإذا نظرنا تاريخياً، وجدنا أن تحكم مصلحة سكة الحديد في تكساس في صناعة النفط الأميركية كانت عن طريق تحديد الكميات وليس الأسعار، ولم تعانِ أسواق النفط إلا عندما توقفت مصلحة سكة الحديد عن التحكم بالسوق وتركت الأمر للحكومة الأميركية التي حددت الأسعار وتجاهلت الكميات، فسببت أزمة طاقة تاريخية في السبعينيات.

والأمر ذاته ينطبق على الشركات السبع (الأخوات السبع) التي نجحت في السيطرة على أكثر من 90 في المئة من أسواق النفط العالمية لأعوام طويلة، كما سيطرت على الصناعة أفقياً وعمودياً. ومع ذلك، فإنها اتفقت في ما بينها على تحديد الكميات وليس الأسعار. والسعر المحدد المسمى بـ"السعر المعلن" كان لتحديد الضرائب التي تعطى إلى الدول المضيفة، ولكنها بعيدة كل البعد من السعر في السوق.

وحتى لو تم الاتفاق بين الهند ودول الخليج على سعر ثابت للنفط لفترة طويلة، ماذا سيحصل في السوق إذا انخفضت الأسعار الفورية، وأصبحت أقل من السعر الثابت في العقد بشكل كبير؟ الجواب معروف لأننا عاصرناه سابقاً: ستقوم الشركات الهندية بإعلان "القوة القاهرة" للتهرب من العقد، ثم تقوم بالشراء من السوق الفورية. إذا كانت الدول المنتجة مقتنعة بحصول هذا، فلماذا تقدم على توقيع عقد بسعر محدد، وهي على علم بأن الفوائد لطرف واحد فقط؟

ولماذا يوافق المنتجون على سعر ثابت، وهم يعرفون أنه إذا ارتفعت الأسعار بشكل كبير فوق السعر الثابت، فإن الشركات الهندية ستشتري أقصى ما يمكنها شراؤه وفقاً للعقد، ثم تقوم بتكرير النفط في بلادها ثم تصدير المنتجات النفطية إلى العالم بالأسعار العالمية؟ بعبارة أخرى، لماذا يتخلى المنتجون عن هذه الأموال للهند؟

خلاصة الأمر، أن أهمية الهند نفطياً ستزداد مع الزمن، ولكن على المسؤولين الهنود أن يختاروا بين أمن الإمدادات والسعر، وعليهم أن يدركوا أن تثبيت السعر يتنافى مع المنطق وأبسط القواعد الاقتصادية. وعليهم أن يدركوا أن فرض ضرائب ضخمة على المنتجات النفطية ولوم الدول النفطية على ارتفاع السعر أمر لا يقبله عاقل.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس

الاندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • النفط ونظرية المؤامرة
  • مفارقة صادمة: العولمة والتغير المناخي
  • هل يتحول "كوب 26" إلى "مؤتمر التناقضات"؟




  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي