هل يتحول "كوب 26" إلى "مؤتمر التناقضات"؟
2021-10-19 | منذ 1 شهر
أنس الحجي
أنس الحجي

حتى قبل أن يعقد مؤتمر المناخ 26 (كوب 26) في غلاسكو في اسكتلندا، بدأت التناقضات تظهر فيه، بعضها أصبح مثاراً للسخرية والتندر. بداية، انتشر خبر انتشار النار في الهشيم، مصدره موقع مرتبط بروسيا ومؤيد للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، مفاده أنه سيتم نقل المشاركين في المؤتمر في سيارات "تسلا" الكهربائية. ونظراً لعدم وجود محطات لشحن هذا العدد الكبير من السيارات في غلاسكو، فقد تم شراء مولدات "ديزل" لشحنها.

الحديث عن المملكة المتحدة... ولا يمكن لبريطانيا العظمى أن تقبل أن تكون السيارات أميركية! ولا يمكن في مؤتمر للمناخ يحارب الوقود الأحفوري أن يستخدمه، إلا أن تصريحاً رسمياً أوضح الأمور، سيتم استخدام سيارات "رينج/لاند روفر" كهربائية، مقدمة من الشركة مجاناً، كونها أحد المشاركين والرعاة في المؤتمر، وسيتم شحنها بمولدات تستخدم "الديزل الحيوي" أو "الزيت النباتي"، بحكم أن الوقود الحيوي صديق للبيئة. 

هناك ثلاث مشكلات في ما يخص هذا الموضوع، الأولى أن نقل المشاركين بالسيارات إلى مقر المؤتمر أمر ثانوي أمام كمية انبعاثات الطائرات الخاصة لزعماء العالم ومرافقيهم الناتجة من سفرهم من بلادهم إلى غلاسكو. التركيز على السيارات وقصة "الديزل" ما هو إلا لذر الغبار في العيون لتمويه موضوع انبعاثات الطائرات. الثانية، أن الوقود الحيوي أو الزيت النباتي يأتي من نباتات استخدمَت كميات كبيرة من السماد الذي يأتي من الوقود الأحفوري، وتم حصاده ونقله بمعدات ضخمة تستهلك الوقود الأحفوري. الثالثة، أن هذا الوقود الحيوي تم إنتاجه خارج بريطانيا وشحن إليها باستخدام الوقود الأحفوري. هناك نتيجتان، ليس كل ما يظهر أخضر أخضر! إذا كان الهدف هو أن يكون القادة، بخاصة الأوروبيين والأميركيين، مثالاً للناس، فالأفضل إلغاء المؤتمر حضورياً والاقتصار على الفيديو عن بعد! أفضل طريقة لانخفاض الانبعاثات تماشياً مع أهداف مؤتمر المناخ 26 هو إلغاؤه حضورياً!

وذكرني تعبير "الزيت النباتي" بالهجوم على ميناء الفجيرة، وإصابة أربع سفن، حيث ذكر وقتها أن إحداها كانت ناقلة نفط، مليئة به. وتم استخدام كلمة Oil، أو الزيت. وفهم السوق على أنها ناقلة نفط. وبعد أشهر، تم إصلاح الناقلة وعادت الحمولة إليها، عندها تبين أنها ناقلة زيت... نباتي للطبخ مشحون من البرازيل إلى إيران! لهذا علينا أن لا نستغرب الخلط بين "الديزل" و"الديزل الحيوي"، و"الزيت" بمعنى النفط، والزيت النباتي! 

قادة المؤتمر و"النفاق البيئي"!

مؤتمر المناخ 26 يركز على الإجراءات كافة، التي تمنع ارتفاع درجات الحرارة فوق 1.5 درجة مئوية من مستويات ما قبل الثورة الصناعية في أوروبا. لهذا، فإن هناك قناعة تامة بضرورة التخلص من الفحم في توليد الكهرباء، والتخلص من السيارات التي تسير بالبنزين و"الديزل"، واستخدام السيارات الكهربائية عوضاً عنها. موضوع الفحم أحد أهم نقاط الخلاف بين الصين والهند وأستراليا من جهة، والدول الأوروبية وحكومة جو بايدن من جهة أخرى. المشكلة أن أزمة الطاقة الأخيرة أجبرت بعض الدول الأوروبية على العودة إلى الفحم، بما في ذلك الدولة المضيفة، المملكة المتحدة!

تعرض رئيس المؤتمر، ألوك شارما، وهو وزير في الحكومة البريطانية ومسؤول عن محادثات المناخ، إلى انتقادات واسعة من المحافظين من جهة، ووسائل الإعلام وحزب الخضر من جهة أخرى، عندما اعترف في مقابلة تلفزيونية أنه يقود سيارة تعمل بـ"الديزل"، وأنه لم يشتر سيارة كهربائية. كما تم انتقاده، بخاصة من حماة البيئة وحزب الخضر، بأنه أسهم في زيادة معدلات التلوث والتغير المناخي لأنه سافر بالطائرة إلى أكثر من 30 بلداً خلال سبعة أشهر، من أجل "قضية المناخ"، ولإنجاح "مؤتمر المناخ"، لمحاربة "التغير المناخي"! بعض هذه الرحلات كانت طويلة مثل رحلته إلى البرازيل وأخرى إلى إندونيسيا. وتركزت الانتقادات حول فكرة أن القوانين ليست لي وإنما لغيري، ليس فقط في موضوع المناخ، وإنما امتدت إلى أمور أخرى مثل قوانين كورونا والسفر في ظلها وقوانين الحظر، التي تجاوزها شارما كلها. هذه التجاوزات تعكس سلوك الغرب تجاه الأمور الدولية، بخاصة ما يتعلق بالدول النامية!

لنعد الآن إلى موضوع السيارات الكهربائية التي تصر إدارة المؤتمر على استخدامها لنقل المشاركين في المؤتمر، انتقدت المتحدثة الرسمية باسم المؤتمر أليغرا ستراتون السيارات الكهربائية في لقاء مع راديو "التايمز"، وقالت إن الوقت اللازم للشحن يؤثر سلباً في رحلاتها الطويلة وإنها تقود سيارة تستخدم "الديزل". أليغرا كانت سابقاً المتحدثة باسم مكتب رئيس الوزراء البريطاني.

ولعل تناقضات وزير في حكومة بوريس جونسون والمتحدثة السابقة باسم مكتبه والمتحدثة الرسمية لمؤتمر المناخ لم تأت من فراغ، لأن تناقضات جونسون أكبر من تناقضاتهم. ففي الوقت الذي وضع جونسون التغير المناخي معياراً لسياسة بريطانيا الخارجية، بخاصة في موضوع المساعدات، وأصر على عدم تمويل مشاريع الفحم والوقود الأحفوري في الدول الفقيرة، أقرت حكومته تطوير منجم فحم وبناء مزيد من محطات الغاز، وتوسيع شبكة الطرق بشكل واسع، التي يتم تعبيدها بمواد نفطية أو كثيفة الطاقة. كما تبنى خطة جديدة لإنعاش مشاريع النفط والغاز في بحر الشمال. ويرى أنصار البيئة، بما في ذلك حزب الخضر ومنظمة السلام الأخضر، أن توسيع شبكة الطرق مناف للأهداف التي أعلن عنها جونسون، واتهموه بالنفاق البيئي. وذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، وقالوا إن دعم النظم الدفاعية البريطانية يتنافى مع الأهداف البيئية التي أعلن عنها.

موضوع النفاق البيئي لا يقتصر على جونسون وحكومته، إنما ينطبق على كل المشاهير من حماة البيئة، ابتداءً من نائب الرئيس الأميركي أل غور، مروراً بنجوم "هوليوود"، وانتهاء بكبار الكتاب والروائيين. انبعاثات طائراتهم الخاصة تعادل انبعاثات سفر عشرات الآلاف من الناس بالطائرات!

المثير في الأمر أن الدول المنتجة للنفط والمستهلكة للفحم أكثر صدقاً مع نفسها من الأوروبيين والأميركيين، وستكون إنجازاتها البيئية والتحول الطاقي فيها أكبر من إنجازات المدعين والمنافقين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس

اندبندنت



مقالات أخرى للكاتب

  • النفط ونظرية المؤامرة
  • مفارقة صادمة: العولمة والتغير المناخي
  • أزمة الطاقة في الهند.. إشكالية فهم الأسواق!




  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي