جدوى الحراك السياسي في البرلمان المصري
2021-01-28 | منذ 4 شهر
محمد أبو الفضل
محمد أبو الفضل

جذب المشهد السياسي داخل مجلس النواب المصري الجديد انتباه الكثير من المراقبين، الذين لم يعتادوا طوال السنوات الخمس الماضية رؤية رئيس الحكومة يقدم جردة حساب لبرنامجه، ماذا تحقق، ولماذا أخفق؟

بدا الموقف مثيرا أكثر عندما وقف وزراء تحت قبة البرلمان وهم يخوضون في قضايا كانت بعيدة عنه، ويجدون ردود فعل سلبية من النواب على الأداء العام، ويتعرضون لانتقادات حادة يصعب أن يتخيلها من افتقدوا الاستجوابات وطلبات الإحاطة لأي مسؤول من قبل، وحرموا من رؤية أحدهم يتصبب عرقا أمام النواب.

بدأت تفاصيل ما يدور في البرلمان تخرج إلى الشارع عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لم يأخذها البعض بجدية واعتبروها من واجبات الديكور السياسي أو محاولة لتحسين الصورة الذهنية عن مجلس النواب، وربما إشارة إلى الإيحاء بأن هناك حراكا واعدا، ورسالة لمن يهمهم الأمر بأن الأوضاع في مصر تتغير.

لا يزال حجم تفاعل الشارع دون المستوى، لأن قطاعا يرى في ما يجري مسرحية هندستها الحكومة، يستفيد منها نظام الحكم برمته، فالطبيعي أن ينتقل الحراك من الشارع إلى البرلمان وليس العكس، ومن المفترض أن يتكون الثاني من أعضاء وعضوات نتاج تصورات أحزاب وقوى سياسية وحضور فاعل بين الناس.

من احتلوا مقاعدهم في البرلمان وخرجوا من بين الناس بشكل طبيعي نسبتهم ضئيلة، مقارنة بمن تم اختيارهم عبر آليات وتقديرات سياسية معقدة، فهؤلاء يمثلون نسبة كاسحة، عند مرحلة معينة تواجههم صعوبة في العمل السياسي داخل البرلمان.

تشكل وعي هؤلاء وفق منظومة مطيعة تفتقر الجرأة والقدرة على الحساب، وهو ما يجعل شريحة كبيرة من المواطنين تقابل اجتهادهم بفتور وعدم اكتراث، لأنهم في نظرهم يعزفون مقطوعة موسيقية تحتوي على آلات متنافرة.

لدى شريحة شعبية واسعة قناعات بأن توليفة البرلمان تتشكل من مجموعة منتقاة، تشمل ألوانا وأطيافا مختلفة، علماء ورجال أعمال نساء وشبابا وسياسيين ورياضيين وإعلاميين وأقباطا وذوي احتياجات خاصة، أي تمثيل مدروس ضم فئات المجتمع.

هي ميزة كبيرة، لكنها لا تكفي لتغيير صورة نمطية تتعامل مع تمثيل متنوع على أنه لزوم ما يلزم سياسيا، جعل الانطباعات تتزايد حول حرص الحكومة على الأخذ بشكل الدستور دون مضمونه العميق الذي يوفر ضمانات حقيقية لممارسة العمل السياسي.

الحكومة استفادت من التضييق في مجال الحريات طوال السنوات الماضية وقامت بترتيب الأوضاع الداخلية في مرحلة ما بعد رحيل جماعة الإخوان على مقاسها، وأعادت هيكلة الحياة السياسية لمنع تكرار حضورهم

شجعت هذه المسألة من رسموا خارطة مجلس النواب على توفير أجواء مناسبة للحراك داخله، باعتبارهم من الموالاة ولن يخرجوا عن السيطرة في النهاية، أو تظهر عليهم فجأة علامات شجاعة وأعراض معارضة، فيمثلون صداعا سياسيا لم تأخذه الحكومة في حسبانها.

يمكن أن يأتي الصداع من روافد ما يحدث في البرلمان وتأثيراته على المواطنين خارجه، بالهزل أو الجدية، فقد اقترح أحد النواب حض وزارة الخارجية المصرية مخاطبة نظيرتها الأميركية على الإفراج عن المعتقلين في أحداث الكونغرس، وهو ما عرضه للسخرية، فالنائب المحترم الذي راوده خياله سلوك هذا المنحى من المؤكد أن نهجه داخل البرلمان على المنوال نفسه سيكون عبئا على الحكومة.

تعد هذه الحالة كاشفة لما يمكن أن يصبح عليه حال نواب عند مناقشة بعض القضايا المصيرية، فعدم قدرة النائب على التمييز بين الممكن والمستحيل سوف يتسبب في كوارث سياسية للحكومة، ويفتح عليها أبوابا تحاول غلقها في وقت تتجه الإدارة الأميركية الجديدة إلى التعامل بصرامة مع ملف حقوق الإنسان في مصر.

تأتي التأثيرات الجادة من داخل البرلمان في صورة تتضمن تشجيعا غير مباشر للقوى السياسية الخاملة على الخروج من القوقعة التي تعيش فيها منذ سنوات، وتتجه إلى التحلي بقدر من الحيوية ومخاطبة الشارع وفقا لأوجاعه، خاصة أن مواقع التواصل المتعددة أسهمت في سرعة توصيل صوتها.

إذا كان أعضاء البرلمان يقدمون استجوابات حامية للوزراء داخله فمن الطبيعي أن تتدفق الدماء خارجه، وتبدأ عجلة الحراك تكتسب أرضا، ما يمثل اختبارا جديا لنوايا الحكومة وإمكانية أن تتبنى خطوات للإصلاح السياسي طالبت بها دوائر متباينة، وبات من الصعوبة التنصل منها أو عودتها إلى سيرتها السابقة في مجال التضييق.

يصلح البرلمان بكل ما ينطوي عليه من موزاييك وتحفظات ليكون مقياسا لمدى الاستمرار والتوقف في الحراك. ففي الحالتين هناك ضريبة على الحكومة تحملها، فقطار الاستمرار من الصعوبة أن تكون له محطة معلومة، فالسقف سيتواصل في الارتفاع بما يتجاوز رغبة الحكومة.

يؤدي التوقف إلى تداعيات سلبية، فلم يعد هذا الشأن يخص مصر وحدها، فالعيون الأميركية أو غيرها، تراقب التطورات عن كثب ولن تتردد في ممارسة ضغوط على بلد يطمح ليكون له مكان تحت شمس العالم، وتشابك المصالح بين الدول لن يعفي ملف الحريات وفروعها من المساءلة، فمن المرجح أن يكون هذا الملف مطروحا على طاولات كثيرة ويتحول إلى محدد في رسم بعض التوجهات الغربية.

لا يجب الاستهانة بما يجري داخل البرلمان، واختصاره في الجانب المسرحي، وهو اختصار مخل، حتى لو أراد من يقفون خلفه ذلك، فالسنوات الماضية فرضت القبول بما حمله المشهد العام من اختلالات، والآن يتحدث المسؤولون في مصر عن مرحلة استقرار وانطلاق، وهو أمر يصعب تحققه دون تبني إصلاحات سياسية جادة.

تتخطى عملية الإصلاح فكرة الديكور السياسي التي يريدها البعض، فهي تلعب دورا مهما في تشكيل وعي العالم عن مصر، ومهما تطورت علاقاتها مع قوى كبرى يظل شبح عدم الانفتاح السياسي والتراجع عن قيم الديمقراطية التي عرفتها مصر منذ عقود طويلة والتخلف في مجال حقوق الإنسان، من أبرز العوامل التي تطاردها.

تحد هذه العوامل من رغبة الدول المتقدمة في تطوير العلاقات معها، وتضع رؤساء وحكومات دول تنخرط معها في شبكة مصالح اقتصادية وعسكرية تحت ضغوط ومضايقات شعبية مضنية، يمكن أن تكون لها انعكاسات على شكل العلاقة مع القاهرة.

على الحكومة أن تجعل ما جرى في الأيام الأولى للبرلمان بروفة يمكن أن تجني من ورائها مكاسب عديدة، إذا نجحت في تطويرها بما يتجاوز مجلس النواب، كي يصل الحراك إلى القوى والأحزاب السياسية ويتناسب مع رؤية مصر الناهضة.

*كاتب مصري
*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • راغبة أو مضطرة.. حماس تتجاوب مع مصر
  • مرتكزات جديدة للسياسة الخارجية المصرية
  • "الضيف الدوّار" في الفضائيات العربية يقلّل من التأثير والمصداقية

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي