"الضيف الدوّار" في الفضائيات العربية يقلّل من التأثير والمصداقية
2021-01-13 | منذ 5 شهر
محمد أبو الفضل
محمد أبو الفضل

تلعب بعض الفضائيات العربية الإخبارية دورا مهما حاليا، في تشكيل الوجدان العربي العام تجاه الكثير من القضايا الإقليمية والدولية الساخنة، فقد ساير عدد منها الأحداث بصورة تتناسب مع التطورات المتسارعة الآن، ما جعلها نافذة لدى شريحة من متابعيها في دول عربية مختلفة، وتنتظر منها الحصول على المعلومة وتحليلها.

المشكلة لدى البعض من القنوات أنها لا تزال تلجأ إلى ما يسمى بـ”الضيف الدوار”، الذي ينتقل من محطة إلى أخرى، بجانب وضع توصيفات عامة من قبيل الباحث والخبير والمحلل، دون صبغة محددة للضيف أو تعريف واضح لتخصصه، ولا تدري هذه القنوات أن التعميم يلقي بظلاله على التأثير والمصداقية، والضيف الذي ينتقل من محطة إلى أخرى بالزي نفسه يقلل من صورتها الذهنية الإيجابية.

اتصلت بي إحدى القنوات الشهيرة صباح الخميس، للتعليق على أحداث الكونغرس الأميركي التي وقعت مساء الأربعاء، ليس لأنني خبير في الشؤون الأميركية، لكن لمجرد أن مقر سكني يقع بالقرب من مقر المحطة في القاهرة.

فاعتذرت للمتصل، وأرشدته إلى من هو أفضل مني للحديث، وبدا غير مقتنع بنصيحتي، فهناك الكثير من الضيوف يقبلون الكلام في الشؤون الأميركية والروسية واليابانية والصينية والأوروبية، فضلا عن الصراعات العديدة في الشرق الأوسط.

قبلها بأيام اتصلت بي قناة “الشرق” السعودية للتعليق على حدث ما في السودان، فقبلت على الفور، وعندما سألني المتصل على تعريف يصاحبني على الشاشة قلت له بتلقائية، محلل سياسي مصري، فاعترض على التوصيف وطلب تعريفا محددا، لأن المحطة شددت عليهم الخروج من دائرة العموميات، فقلت له أنا مدير تحرير جريدة “الأهرام”، ومدير مكتب جريدة “العرب” الدولية بالقاهرة، لك أن نختار أحدهما أو كليهما.

مع أن الموقفين شخصيان، لكنهما يثيران هواجس عامة ومتعددة، حيث يلاحظ الجمهور تكرار الضيوف وتنقلهم من محطة إلى أخرى في نفس اليوم وربما نفس الساعة، ويتحدثون في قضايا متباينة يصعب أن يلم شخص واحد بجميع تفاصيلها، باستثناء برامج حصاد اليوم التي تستدعي ضيفا واحدا للتعليق السريع على أكثر من قضية في وقت قياسي، وهذه البرامج تحتاج صحافيا مخضرما وملمّا بالأحداث وتطوراتها.

انتشرت ظاهرة التعريفات المختلفة للضيوف، من محلل إلى باحث إلى خبير إلى متخصص.. دون أن يعمل صاحب التعريف في جهة محددة، لذلك أصبح هذا التعريف أشبه بعنوان بغيض أو دليل على عدم العمل أصلا.

حاول البعض التغلب على هذه الإشكالية، بعد أن ذاع صيت السمعة السيئة للتعريفات الفضفاضة، وأنشأوا مراكز أبحاث من داخل منازلهم، واختاروا لأنفسهم تعريف مدير مركز.. للأبحاث، ورئيس مركز.. للدراسات الاستراتيجية، وعندما تبحث عن إنتاج علمي حقيقي لهذه المسميات لا تجد شيئا ملموسا، فقط لباقة في اللسان وحلاوة في الكلام، وقدرة على نسج شبكة جيدة من العلاقات العامة.

وقعت بعض الفضائيات في هذا المطب، وأغوتها مسميات رنانة، فاعتقدت أنها حلت تناقضا ظل يطاردها، وارتاحت لعدد من هؤلاء، مع أن ألقابهم الجديدة من مدير إلى رئيس مركز، أو حتى رئيس وحدة، لا تنعكس في مضمون مداخلاتهم بشكل مهني، وتأتي غالبا أقل من المطلوب في المحتوى الإعلامي الذي ينتظره المشاهد.

اعتقد البعض من المحطات العربية أنها وجدت ضالتها، ولم يتخل البعض الآخر عن سلوكه السابق، وعجّت قنوات بأسماء مجهولة ما أنزل الله بها من سلطان، تتنقل من أستديو عربي إلى آخر، ويكاد المشاهدون المتابعون يحفظون وجوههم عن ظهر قلب، وبمجرد رؤيتهم يتم تغيير المحطة، وهي خسارة تسير عكس الجهد المبذول في عمليات التطوير الدؤوبة.

وقعت إحدى المحطات المصرية في فخ هؤلاء، حيث استضافت من واشنطن شخصا ادعى أنه خبير في الشؤون الأميركية من دون التحري عنه، بل كان في الأصل عاملا في مطعم، ثم تم اكتشاف انتمائه إلى جماعة الإخوان، وهذه من أصعب المفارقات التي تواجهها محطة تكنّ الدولة التابعة لها عداء كبيرا للجماعة وتصنفها إرهابية.

لا يعني تكرار الشخصيات الدوارة أو الانخداع فيهم، عدم وجود ضيوف من الوزن الثقيل، فهناك محطات غنية بمثل هؤلاء، عندما يرى المشاهد أحدهم يتسمّر أمام التلفاز، انتظارا لما سيقوله من تعليق أو تحليل في مجال تخصصه، ولا يحيد عنه.

يفسر خبراء إعلام أحد جوانب الضيف الدوار، وتداخل التخصصات، بالضيف المأمون، وهو مسمى بات متعارفا عليه ضمنيا لدى بعض المحطات، فالمقصود به الشخص الذي يتحدث وفقا للخط الإعلامي للمحطة، وليس بالضرورة أن يكون متسقا تماما معها، لكن ثمة هامشا محدودا يمكن أن يستغله لإضفاء مصداقية على المحطة.

اصطحب هذا المسمى معه أشخاصا على يسار الخط الإعلامي للمحطة، غير أنهم لا يتمادون في المعارضة، حيث يوجد عدد محدود من الضيوف يتحدثون العربية من أنقرة وإسطنبول مثلا، بعضهم من أصول عربية، يدافعون عن نظام رجب طيب أردوغان لتعزيز مصداقية المحطة، ومشكلة فئة ليست هينة من هؤلاء أن الغوغائية قد تغلب عليهم، ويتحول الحوار إلى شجار.

لم تعد مشكلة الضيف الدوار في المحطات الفضائية العربية منفصلة عن الكاتب الدوار، أو ما يطلق عليهم “عابرو الصحف”، الذين يكتبون في صحف ومواقع إلكترونية مختلفة، وهو ما أفقد الكثير من الصحف هويتها، فقد جاء زمن عُرف فيه بعضها بأسماء كتابها، أو العكس، حيث ارتبط بعض الكتاب بأسماء صحفهم.

يبدو التداخل الراهن سمة لمرحلة إعلامية تتسم بقدر كبير من السيولة، أمامها المزيد من الوقت لتفرز كل وسيلة إعلام شخصيتها المميزة، فكما أن هناك مذيعين ومذيعات يعملون في محطات معينة، من المفيد وجود ضيوف يرتبطون بقنوات محددة، حرصا على الجودة والخصوصية والهوية، والشخصية الاعتبارية المميزة.

يحتاج الوصول إلى هذه المرحلة لأشخاص محترفين وفي تخصصات مختلفة، ويمتلكون مهارات إعلامية تتناسب مع كل من يتبوأ عناء الظهور على الشاشة، على أن يتم تدريبهم على مهارات التواصل الإعلامي بمهنية، فكما يجيد الكاتب حرفة الكتابة بإتقان عليه أن يجيد حرفة الظهور بإتقان أيضا.

تضفي هذه الخطوة بريقا أكبر على المحطات التي تأخذ بها، وتلغي فوضى الضيوف الدوارة، والتداخل في التعريفات والمسميات، وتوقف زحف حلقة قاتمة تؤثر سلبا على حالة الفضائيات الطموحة التي تريد الحفاظ على دورها الريادي، وتبغي التطوير الذي يتناسب مع ميول المشاهد العربي.

*كاتب مصري
*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع

 



مقالات أخرى للكاتب

  • راغبة أو مضطرة.. حماس تتجاوب مع مصر
  • مرتكزات جديدة للسياسة الخارجية المصرية
  • جدوى الحراك السياسي في البرلمان المصري

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي