في الذكرى الـ30 لغزو العراق للكويت: الآثار في أسواق النفط مستمرة لليوم
2020-08-04 | منذ 2 شهر
أنس الحجي
أنس الحجي

لولا قيام صدام حسين بغزو الكويت لما حصلت حرب الخليج، ولولا حرب الخليج لما وُجِدَ بعض الحركات المتطرفة والإرهابية، وبالتالي لما حصلت حادثة 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية، ولما احتلت الولايات المتحدة أفغانستان والعراق. وفي الوقت الذي قد لا يتفق فيه البعض مع هذا الاستنتاج، إلا أنه لا يمكن رفضه قطعياً.

نفطياً، كان العداء للنفط الذي سبَّبته المقاطعة النفطية في عام 1973 في مرحلة موت سريري، إلا أن الغزو العراقي للكويت والأحداث التي تلته، أنعشت هذا العداء وتحوَّل شيئاً شيئاً إلى مارد قوي. فبنت الولايات المتحدة سياسة تحويل الواردات النفطية إلى الأميركتين، خصوصاً كندا، ونجحت في ذلك نجاحاً كبيراً. فقد كانت نسبة واردات الولايات المتحدة من منطقة الخليج نحو 30 في المئة من إجمالي وارداتها النفطية في عام 1989، قبل غزو الكويت بعام. ثم انخفضت إلى 21 في المئة سنة 1995، ثم انخفضت مرة أخرى بعد ثورة الصخري.

وهناك من يرى أن الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 واحتلاله، كان أحد أسباب ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية في عامي 2007 و2008، وهذا الارتفاع الشديد جعل الاستثمار في النفط الصخري مُجدياً، وبسببه استطاعت الولايات المتحدة أن تتحول إلى أكبر مُنتج للنفط في العالم، ومن كبار المُصدِّرين له.

وهناك من يرى أنه لولا انهيار العراق بسبب غزو الكويت وحرب الخليج ثم احتلال العراق، لما تفرعنت إيران في المنطقة، ولما حصلت الكوارث في سوريا واليمن ولبنان. ولولا هذه التطورات، لما نما إنتاج كندا والبرازيل من النفط بالشكل الذي رأيناه، خصوصاً أن الخبراء يؤكدون أن العقوبات الأميركية المفروضة على بعض الدول النفطية أعادت توجيه الاستثمارت إلى مناطق أعلى تكلفة وأقل إنتاجية وأكثر خطورة.

ليس من الضروري أن يقتنع القارئ بكل ما ذُكِرَ سابقاً، ولكن النتيجة واضحة: كان لغزو العراق للكويت آثار كبيرة في أسواق النفط العالمية على المدى الطويل، وما زالت دول الخليج تدفع ثمن ذلك، حتى بعد مرور ثلاثة عقود. فقد تعمَّق العداء للنفط بشكل عام، والعداء لنفط دول الخليج بشكل خاص، الأمر الذي نتجت عنه سياسات في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، تشجع مصادر الطاقة البديلة من جهة، وتدعو إلى تنويع واردات النفط أو تحويلها عن الشرق الأوسط من جهة أخرى.

دور الطاقة الإنتاجية الفائضة

ستكون آثار غزو العراق للكويت في أسواق النفط أكثر كارثية مما ذُكِرَ أعلاه لولا توافر طاقة إنتاجية فائضة في السعودية. فقد كان إنتاج الرياض نحو 5.4 مليون برميل يومياً في شهر يوليو (تموز)، مباشرة قبل الغزو. ومع خسارة النفط العراقي والكويتي بعد فرض حظر عالمي عليها، رفعت السعودية إنتاجها إلى 7.6 مليون برميل يومياً في سبتمبر، وهذا يعني أنها زادت الإنتاج بمقدار 2.2 مليون برميل يومياً خلال 40 يوماً تقريباً، ثم رفعته إلى 8.5 مليون برميل يومياً مع نهاية العام. والنتيجة أن السعودية وحدها زادت صادراتها بشكل عوَّض جزءاً كبيراً من صادرات الكويت والعراق إلى الأسواق العالمية. ولم تُؤدِّ زيادة الإنتاج إلى وقف ارتفاع أسعار النفط فقط، ولكنها أسهمت في تخفيضها أيضاً؛ فمع حشد الجنود العراقيين على الحدود والتهديدات الإعلامية، ارتفعت أسعار النفط من نحو 15 دولاراً في بداية شهر يوليو إلى ما قارب 19 دولاراً في نهاية الشهر، وقبل الغزو بيومين. ومع الغزو واحتلال الكويت، تجاوزت أسعار النفط 41 دولاراً في نهاية سبتمبر، أي إن الأسعار ارتفعت 173 في المئة، ولكن بحلول ذلك الوقت بدأت الأسواق تشعر بزيادة الصادرات السعودية الكبيرة، بالإضافة إلى زيادات من دول أخرى، فبدأت الأسعار بالانخفاض، ولكنها ارتفعت في اليوم الأول والثاني من بداية تحرير الكويت في يناير (كانون الثاني) 1991، ثم انخفضت بعدها بسرعة، على الرغم من الحرب التي شاركت فيها 28 دولة. وبنهاية شهر مايو، عادت أسعار النفط إلى ما كانت عليه قبل الغزو مباشرة، نحو 19 دولاراً للبرميل.

دور الركود الاقتصادي في الولايات المتحدة

كانت أسعار النفط ستصل إلى مستويات أعلى لو استمرَّت معدلات النمو الاقتصادي في الثمانينيات كما هي عليها، إلا أن اقتصاد الولايات المتحدة عانى من ركود اقتصادي في عام 1990، واستمر حتى مارس (آذار) 1991، وهذا الركود لا علاقة له بغزو الكويت وارتفاع أسعار النفط، إلا أن القلق العالمي الذي سبَّبه غزو الكويت أسهم في تعميق الأزمة. ويعود هذا الركود إلى تغيير النظام الضريبي في الولايات المتحدة وسياسات البنك المركزي المُتقشِّفة. ولا شك أن الإنفاق العسكري الكبير على حرب الخليج أنعش الاقتصاد الأميركي، ولكن ذلك لم يُساعد الرئيس جورج بوش الأب في الانتخابات؛ إذ خسر أمام بيل كلينتون.

الاستثمارات الخارجية

كثير من يُعادي ويرفض فكرة الاستثمارات الخارجية، ويرون أنه يجب استثمار كل الأموال داخل حدود الدولة. إلا أن تجربة الكويت كانت مثالاً للدول الصغيرة بالذات؛ إذ إن ما أنقذ الكويت هو استثماراتها الخارجية الضخمة، التي ظلَّت تُمَوِّل الحكومة وهي خارج الكويت.

الأسئلة كثيرة

على الرغم من مرور 30 عاماً على غزو العراق للكويت، لا يزال هناك كثير من الأسئلة التي تبحث عن إجابة... الأمر الذي أوجد مجالاً فسيحاً لنظريات المؤامرة، إلا أن المؤكد أن الادِّعاءات العراقية المتعلقة بالنفط غير صحيحة. فالقول إن الكويت كانت تحفر بشكل مائل لسحب النفط من الحقول المشتركة غير صحيح، ولا يمكن قبوله علمياً. وإذا كان الحقل مشتركاً فيكفي الكويت أن تسحب من طرفها وسينخفض الاحتياطي في كل الحقل. والقول إن الكويت رفعت الإنتاج وخفضت الأسعار غير مقبول أيضاً، لأن صادرات الكويت صغيرة نسبياً، وأثر أي زيادة فيها في أسعار النفط محدود. والمؤكد كذلك أن حرق الجنود الآبار الكويتية أثناء انسحابهم لا يقبله عقل ولا شرع.

خلاصة الأمر أن الغزو العراقي للكويت غيَّر مجرى تاريخ المنطقة، وغيَّر مجرى تاريخ أسواق النفط العالمية. ولا شك أن هناك دروساً ضخمة في مجالات شتَّى مما حصل، إلا أنه لا يزال هناك عديد من الأسئلة المفصلية التي تبحث عن إجابات، وربما لن نحصل على هذه الإجابات أبداً.



مقالات أخرى للكاتب

  • معضلة النفط والتنمية وضرورة دراسة آثار "الثنائية" في جدوى المشاريع
  • هل تتوازن أسواق النفط في ظل كورونا؟
  • كارثة نفطية أم سحابة صيف؟

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق




    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي