هل سيُنهي بايدن «الرياء الأمريكي» تجاه برنامج إسرائيل النووي؟

Biden Should End U.S. Hypocrisy on Israeli Nukes
2021-02-23 | منذ 2 شهر

«على مدى عقود، تعهَّد رؤساء الولايات المتحدة بالتزام الصمت حيال الترسانة النووية الإسرائيلية، غير آبهين بالضغوط الرامية إلى منع الانتشار النووي في المنطقة. وقد حان الوقت لكي توقف واشنطن هذه المعايير المزدوجة»؛ رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي جو بايدن، أرسلها عبر مجلة «فورين بوليسي» عالم الفيزياء، فيكتور جيلينسكي الذي عمل مفوضًا للجنة التنظيم النووي الأمريكية في عهد ثلاث إدارات أمريكية: فورد، وكارتر، وريجان، وهنري سوكولسكي، المدير التنفيذي لمركز تعليم سياسة عدم الانتشار النووي، وكان نائبًا لسياسة عدم الانتشار في مكتب وزير الدفاع الأمريكي ما بين عامي 1989 و1993.

هل يوقّع بايدن «الخطاب»؟

حتى يوم 17 فبراير (شباط)، لم يكن الرئيس الأمريكي جو بايدن قد أجرى المكالمة الهاتفية المعتادة بعد تنصيبه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. واستنتج المطلعون على شؤون البيت الأبيض أن هذا الفتور الواضح يعني أن بايدن لم يوقع بعد على «الخطاب» الذي اعتادت إسرائيل أن تطلب من الرؤساء الأمريكيين توقيعه لضمان أن تغض الولايات المتحدة الطرف عن الأسلحة النووية الإسرائيلية عند مناقشة ملف الانتشار النووي في المنطقة، وألا تضغط واشنطن على الحكومة الإسرائيلية لتقليص ترسانتها النووية الهائلة.

وكما كتب آدم إنتوس في مقاله المنشور على صفحات مجلة «نيويوركر» عام 2018، فقد أذعن كل رئيس أمريكي منذ عهد بيل كلينتون للإلحاح الإسرائيلي على توقيع خطاب سريّ عند توليه منصبه يتعهد فيه بألا تضغط الولايات المتحدة على الدولة اليهودية للتخلي عن أسلحتها النووية طالما استمرت التهديدات الوجودية التي تواجه إسرائيل في المنطقة. ومهما كانت السياسة التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه الأسلحة النووية الإسرائيلية، فقد حان الوقت لوقف هذا الطقس المهين، حسبما يطالب كاتبًا المقال.

أفرزت هذه السياسة الأمريكية معضلة تمثلت في عدم الضغط الأمريكي على إسرائيل للتخلي عن أسلحتها النووية، في حين أن هذا الضغط نفسه سيكون هو المسار الوحيد المتوافق مع السياسة الأمريكية الرامية لمنع الانتشار النووي. ورغم هذه المعضلة، تساعد واشنطن إسرائيل بنشاط، سواء دبلوماسيًا عن طريق إجهاض أي نقاش حول أسلحتها النووية في المحافل الدولية، أو ماديًا من خلال غض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية للقانون النووي، بما في ذلك بعض الانتهاكات التي تحدث داخل الولايات المتحدة.

«العمى الطوعيّ».. حجب الحقيقة بسيف القانون

يستشهد المقال بما حدث في عام 1979، حين أجرت إسرائيل تجربة نووية شبه مؤكدة في المحيط الهندي، رصدها قمر صناعي أمريكي، لكن الولايات المتحدة تظاهرت كما لو أن شيئًا لم يحدث. بل أسدل البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق جيمي كارتر، والرؤساء الذين جاءوا بعده، ستارًا من السرية على الوثائق ذات الصلة، وحرصوا على تشويه المعلومات المعروفة، على الرغم من وجود دليل قاطع على حدوث التجربة، كما أثبت كاتبا المقال وآخرون في مجلة «فورين بوليسي».

ربما تكون أسوأ نتيجة مترتبة على إذعان الولايات المتحدة للمطالب الإسرائيلية بتوقيع مثل هذه الخطابات هي: أن حكومة الولايات المتحدة أعمَت نفسها طواعية حين تظاهرت بعدم معرفة شيء عن الأسلحة النووية الإسرائيلية، وبالتالي أجهضت جهودها الرامية إلى صياغة سياسة متماسكة وبنَّاءة.

أما وقد ارتدت الحكومة الأمريكية ثوب الجهل الوهميّ، وأصبحت تتظاهر بأنها لا تعلم شيئًا عما يحيط به خُبرًا كل شخص على وجه الأرض لديه أدنى اهتمام بهذا الملف، فلا غروَ أن تصدر وزارة الطاقة الأمريكية لائحة بشأن القدرات النووية الأجنبية تحظر على موظفي الحكومة الإقرار بامتلاك إسرائيلة أسلحة نووية، وإلا واجهوا عقوبات شديدة.

بطبيعة الحال حجبت الحكومة هذه اللائحة عن أعين الجمهور، مختبئة وراء النسخة المطولة من الإعفاء الذي يمنحه قانون حرية المعلومات للوثائق التي «تكشف عن تقنيات وإجراءات التحقيقات أو الملاحقات القضائية التي تضطلع بها وكالات إنفاذ القانون»، وهو الحظر الذي يلفت كاتبا المقال إلى أنه يفترض ألا ينطبق على مثل هذه الوثائق المحجوبة.

في أول مؤتمر صحافي متلفز عقده الرئيس السابق باراك أوباما، سألته عميدة مراسلي البيت الأبيض، الصحافية الراحلة هيلين توماس، عما إذا كان على دراية بوجود أي دولة مسلحة نوويًا في الشرق الأوسط. وكان أوباما مُسَلَّحًا بإجابةٍ أسعفته في هذا الموقف، إذ قال: «كما تعلمون، لا أريد التكهن حين يتعلق الأمر بالأسلحة النووية»، لكن أنى لشخصٍ ذكي مثله ألا يكون متأكدًا من هذا الأمر.

يشير الكاتبان إلى أن مثل هذه البيانات الرئاسية ترقى إلى مستوى التوجيه الرسمي غير المكتوب لبقية أعضاء الحكومة. ففي اجتماع حضره كاتبا المقال في عهد إدارة أوباما، اضطر مسؤول رفيع في وزارة الخارجية – وهو رجل ذكي – إلى تغطية إحراجه من السير على خط الحزب بالقول وهو يكلله الخجل: «شخصيًا، بناء على معلوماتي الخاصة، لا يمكنني التيقن من ذلك».

جذور الأسطورة.. قصة التفاهم السريّ بين ريتشارد نيكسون وجولدا مائير

يحكي المقال قصة الأسطورة التي توضح جذور الخطاب الرئاسي، ومفادها أن هذه التمثيلية ترسخت نتيجة تفاهم سريّ أبرمه الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة جولدا مائير في عام 1969. تشير الرواية التي ينقلها المقال إلى أن جولدا تعهدت بعدم اختبار سلاح نووي، وتعهد نيكسون في المقابل بعدم الضغط على إسرائيل للتوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، أو التخلي عن أسلحتها النووية.

بيد أن مشكلة هذا الاستنتاج، الذي أكده المؤرخون والمسؤولون بثقة، تكمن في أن نيكسون وجولدا تحدثا بمفردهما دون وجود أي مساعدين، وحتى وزير الخارجية هنري كيسنجر الذي اعتاد حضور كافة الاجتماعات لم يكن حاضرًا آنذاك، كما لا توجد وثيقة مكتوبة تكشف الستار عما تحدثا عنه خلف الكواليس.

وعلى الرغم من الغموض الذي يخيم على مثل هذه الواقعة التاريخية، تحايلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على المسؤولين الأمريكيين كي يذعنوا للالتزام المفترض بالاستمرار في إبقاء أسلحتهم النووية خلف ستارٍ من الدخان وحماية إسرائيل من الانتقاد. صحيحٌ أن الصحافة تتطرق أحيانًا إلى ملف الأسلحة النووية الإسرائيلية، لكن الصحافيين يترددون في طرح أسئلة على أي مسؤول حكومي حول هذا الموضوع، إدراكًا منهم لخطورة المغامرة باقتحام هذه المنطقة على مستقبلهم المهني.

كيف تجرؤ أمريكا على المطالبة بحظر الانتشار النووي في الشرق الأوسط؟

يحذر الكاتبان من أن المخاطر المترتبة على هذه السياسة أصبحت أكبر بكثير؛ لأن الانتشار النووي في المنطقة بات مصدر قلق عالمي وخطر متزايد. وأنَّى لحكومةٍ لا تجرؤ على الاعتراف بأن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية، أن تمتلك ما يكفي من المصداقية لمناقشة مسألة الانتشار النووي في دول أخرى من الشرق الأوسط.

هذا الوضع يؤدي بدوره إلى مزيد من الحماقات، ويستدل الكاتبان على ذلك بما حدث بعدما صوّت مؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 2010 بالإجماع على عقد مؤتمر يناقش مشاكل حظر الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

فبعد يومٍ واحد فقط من تصويت مندوب الولايات المتحدة في المؤتمر لصالح فتح هذا الملف، رفض أوباما الفكرة، قائلًا: «نرى أن السلام الشامل والدائم في المنطقة، والامتثال الكامل من جميع دول المنطقة لالتزاماتها المتعلقة بالحد من التسلح ومنع الانتشار هي شروط أساسية لا بد أن تسبق فرض (الحظر).. نحن نعارض بشدة الجهود المبذولة للتعامل بانتقائية مع إسرائيل، وسنعارض أي إجراء يعرض الأمن القومي لإسرائيل للخطر».

وعلى الرغم من أن هذه السياسة المدفوعة بالسرية هي ما يتشبث به الإسرائيليون حتى يتمكنوا من الحفاظ على غموض وضعهم النووي، يجادل الباحث اليهودي أفنير كوهين، مؤلف كتاب «إسرائيل والقنبلة النووية»، بعدم القدرة على حسم ما إذا كانت هذه السياسة تصب في مصلحة إسرائيل، بينما يؤكد كاتبا المقال أنها لا تخدم مصالح الولايات المتحدة.

ولك أن تتخيل مدى تأثير هذا البيان الذي أصدره أوباما على مصداقية الولايات المتحدة في مسألة الحد من انتشار الأسلحة النووية. ولعامل المصداقية أهمية حاسمة للولايات المتحدة، خاصة وأن ولي العهد السعودي والرئيس التركي أثارا الشكوك مؤخرًا حول التزام بلديهما بمعاهدة حظر الانتشار النووي، وفتحا باب التكهنات حول إمكانية امتلاك سلاح نووي، فيما لم يزل مستقبل إيران النووي محل شكوك.

وسيظل مقترح عقد مؤتمر دولي حول إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية مطروحًا على الطاولة، ولن يختفي من الساحة؛ إذ قال وزير الخارجية المصري إن بلاده ستعيد طرح هذه القضية مرة أخرى أثناء مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار النووي المقرر عقده في شهر أغسطس (آب) 2021. وإذا ما وقَّع بايدن «الخطاب» سالف الذكر؛ فسيكون مجبرًا على تكرار ما فعله أوباما.

الثالوث الإسرائيلي النووي: صواريخ وطائرات وغواصات

في هذا الصدد يبدو أن المسؤولين الأمريكيين يتماشون أيضًا مع سياسة الغموض الإسرائيلية الشهيرة حين يتعلق الأمر بملف الأسلحة النووية. لكن ثمة فارق بين نهج المسؤولين الأمريكيين ورؤسائهم؛ فبينما يمهر رؤساء الولايات المتحدة الخطاب بتوقيعهم، يلتزم أعضاء الحكومة الصمت. لكن المفارقة أن الإسرائيليين لا تُعجِزهم الحيل إذا أرادوا التفاخر بأسلحتهم النووية، دون الاعتراف صراحة بأنهم يمتلكونها.

ويمتلك الإسرائليون ثالوثهم الخاص: الصواريخ الأرضية ذات الرؤوس النووية (بتصميم فرنسي)، والطائرات ذات القدرات النووية (بتصميم أمريكي) والغواصات الألمانية المتقدمة المسلحة بصواريخ كروز طويلة المدى محملة بصواريخ نووية إسرائيلية. وعندما استلموا من ألمانيا في عام 2016 أحدث إضافة إلى أسطولهم من الغواصات، تفاخر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالدمار الذي يمكن أن تُلحِقه هذه الغواصة بأعداء إسرائيل إذا ما حاولوا إلحاق الضرر بها. ولا غروَ فكيف يمكنه بث الخوف في نفوس خصومه، إذا لم يحيطهم خُبرًا بقدراته النووية.

على هذا النحو أقحمت الولايات المتحدة نفسها في مأزقٍ سخيف، على حد وصف المقال. وإذا رغبت إسرائيل الحفاظ على حالة الغموض التي تخيم على ترسانتها النووية، سواء كان ذلك لأغراض الأمن القومي أو لأسباب بيروقراطية محلية لتجنب التدقيق – فهي وما تريد. لكن الكرة الآن في ملعب بايدن ليقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بالتزام الصمت في عهده، أم أنها ستتحدث علانية عن هذه المسألة.

تمثيلة تقوّض المصالح الأمريكية.. هل ينسحب منها بايدن؟

في الماضي كان من الممكن أن يؤدي الكشف عن القدرات النووية الإسرائيلية إلى رد فعل خطير من السوفيي، ربما عن طريق مساعدة الدول العربية في تطوير برامج الأسلحة النووية، لكن هذا الزمن ولَّى منذ وقت طويل. أما الآن، فتحاول الولايات المتحدة منع إيران من تطوير الموارد اللازمة للحصول على أسلحة نووية، وأنَّى يتسنى لواشنطن مناقشة هذا الملف، بمصداقية أو فعالية، دون الاعتراف بأن إسرائيل هي الأخرى تمتلك أسلحة نووية.

أما الخطاب الذي تتوقع إسرائيل أن يوقعه جميع الرؤساء الأمريكيين، فيفترض أنه ينص على التزام الولايات المتحدة بتوفير الحماية لإسرائيل طالما أنها تواجه «تهديدات وجودية»؛ وهو ما يثير التساؤل حول ما إذا كانت إسرائيل لم تزل تواجه أي تهديدات من هذا القبيل، خاصة بعد توقيع «اتفاقيات إبراهيم» التاريخية عام 2020، والاتفاقيات الأخرى المشابهة مع دول عربية رئيسة.

وفي هذا الصدد يستنكر الكاتبان حديث وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، أثناء جلسة استماعٍ في مجلس الشيوخ، عن أمن إسرائيل «المقدس»، كما لو كانت في وضع داود حين أحاط به جالوت.

يختم الكاتبان مقالهما بالقول: حان الوقت لأن تُحَدِّث واشنطن طريقة تفكيرها. فإسرائيل دولة قوية مسلحة نوويًا، تفوق قوتها قوة كل جيرانها مجتمعين. ومصداقية الولايات المتحدة ومكانتها، في إطار سعيها لمنع المزيد من الانتشار النووي الإقليمي، أكثر أهمية من الانصياع لرغبات إسرائيل بموجب تمثيلية تقوض المصالح الأمريكية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي