معرض "روئ" يغوص في عالم الفنان المغربي محمد المنصوري الإدريسي

الامة برس-متابعات:
2020-12-24 | منذ 2 شهر

اللون يسرد إشاراته الرمزية وقوتها

طنجة: يفسح معرض “رؤى” المقام حاليا برواق “دار الفن” بمدينة طنجة المغربية للجمهور، المجال للغوص في العالم الغامض للفنان المغربي محمد المنصوري الإدريسي. ذاك الغموض المبهج للون الذي يفرض على المتلقي ضرورة التخلي عن رؤيته الكلاسيكية إلى العالم وما فرضه عليه الوباء من توجّس وحيطة، من أجل الانطلاق نحو حلم مستمر يتجدّد دائما، مبحرا في إيقاعات اللون المتناغمة.

وأوضح الإدريسي أن “معرض رؤى يعتبر تتويجا لسنة ونصف السنة من الاشتغال الفني، تزامن جزء منه مع جائحة كوفيد – 19”، مؤكّدا أن الجائحة جعلته ينزوي في ورشته ويخصّص كامل وقته للرسم والتلوين.

وتابع المنصوري أنه “أمام صعوبة الظروف التي عشناها جميعا في بداية الجائحة، حاولت الاستفادة من الوقت بشكل إيجابي، بالانغماس في عملي، ومحاولة التكيّف مع الوضعية الاستثنائية واستغلالها لصالحي”.

محمد المنصوري الإدريسي: الجائحة جعلتني أنزوي في ورشتي وأخصّص كامل وقتي للرسم 

 

واعتبر أن هذا المعرض هو بمثابة أجوبة عن عدد من الأسئلة، “أجوبة حاملة للأمل بالنسبة إلى الإنسانية”، مشيرا إلى أن أعماله تمثل، بالنسبة إليه، “نوعا من الفرح والسعادة واستمرار الحياة”.

وفي ورقة تقديمية للمعرض، كُتب “منذ الوهلة الأولى يمكن الحديث عن انطباعية جديدة، بامتداد الألوان والأشكال. اللوحة عند محمد المنصوري الإدريسي فضاء للصمت، فضاء يغري بفراغاته المملوءة وامتلاءاته الفارغة، بل سند متحوّل على البدايات والنهايات”.

وأشارت الورقة إلى أن الإدريسي “يتحدّث من خلال لوحاته، لغة تكاد تكون خاصة به، لا يأتينا منها أول الأمر إلّا بعض من زخمها، إلى أن نألف مفرداته، وأبجديته، ونبدأ بفهم تراتبيته المشحونة بحركتها، فتأخذنا معها”.

وتضيف الوثيقة “قوام الفن بالنسبة إلى الفنان المغربي، هو قوام التفاهم والتعايش بين البشر وبوازع الانتماء لهذه الأرض، التي تجمعنا وتفصل بيننا في الآن ذاته”.

ويقول الإدريسي “منذ الصبا استهوتني أجواء الصباغة والرسم، كانت المدينة القديمة في الرباط وسطا ملائما لنمو هذه الغواية، إذ فضلا عن جاذبية المكان (قصبة الأوداية) بالتحديد، فإن سوق المدينة كانت بمثابة سوق يومية للون الذي تبدعه يد الصانع التقليدي، كما منحتني المدينة القديمة هبة التعرّف عن قرب، على الألوان التي تبدعها ريشة رسامين مقيمين وثلة من رسامي الجيل الأول والثاني من تشكيليي المغرب، والذين كان قريبي الحاج مكوار يوفّر لهم قماش الرسم ويصنع إطارات لوحاتهم، في محل كان من بين المحلات القليلة جدا التي تؤمّن هذه الخدمة في الرباط. وقد توزّع وقتي آنذاك بين المدرسة وصنعة الإطارات”.

في بداية الثمانينات ولج الإدريسي الجامعة، ليدرس التاريخ، ثم هاجر إلى فرنسا ليستكمل دراسته الجامعية، وبالموازاة مع ذلك، انجذبت غريزته مجددا إلى أهواء الصباغة والرسم، فانتقل إلى بلجيكا ليلتحق بالأكاديمية الأوروبية للفنون ببروكسيل، ثم ليلج بعدها تدريبا مهنيا في فنون الغرافيك بباريس، كي يتخصّص في رسم الملصقات التشكيلية لأكبر الفنانين التشكيليين العالميين.

ولدى عودته إلى المغرب، التحق بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية، ومن هناك اختار طواعية العيش لفنه ومن فنه، بعد أن فاز بجائزة محلية في التشكيل لموسمين متتاليين.

وتغوص أعمال الإدريسي بين الظلال والرموز والعلامات ومساحات الضوء لتعطي للمتلقي لوحات بتجليات وحمولة من الجمال النابعة من أجواء صوفية وثراء أيقوني شاسع. وهو بارع في الكشف عمّا يسكن روحه من عشق للألوان وتعامل شديد الرهافة مع الموسيقى وتوزيع الألوان داخل فضاء اللوحة بنغمية تجريدية تغتني بدلالات روحية ومؤهلات فنية عالية، ما يجعل من منجزه الفني وحدة متكاملة ثرية مثقلة بنغمية ضوئية تتبدّى للمتلقي من خلال حركية يمتزج فيها اللون مع إشارات الرمز وقوته. وهو إلى ذلك يتّخذ من قوة التعبير اللوني أساس متنه الجمالي، مُتكئا على ألوان فاتحة تمنح الفرح والانشراح.

نغمية تجريدية غنية بالدلالات الروحية

وتعلم الفنان المغربي أسرار الصباغة على يد كبار الفنانين المغاربة والأجانب، وتمرّس بما يكفي على الصباغة الزيتية، إلى أن كان لقاؤه بفرنسوا دوفاليير، نقطة تحوّل في مساره الفني، حيث توّج نقاشه مع هذا الأنثربولوجي الفرنسي المطلع على التراث السوسيولوجي والأنثربولوجي المغربي والعربي والإسلامي (وهو الذي ولد بمكناس وأحب المغرب، وفضل الإقامة به لعدة سنوات على أي مكان آخر) حول أسئلة من قبيل “إذا كان هذا البلد يعتبر في أعين من صنعوا تاريخه الجميل من كبار الرسامين العالميين جنة طبيعية للضوء واللون، فكيف لصوت من أصواته أن يضيف إلى هذه الهبة الطبيعية حفرا في الذاكرة البصرية المغربية العربية الإسلامية، ما يكون سندا لوحدة لغة الفن التشكيلي، وصيدا يظفر به التشكيل لفائدة هذه الوحدة؟”.

ومن هناك اختار الفنان المغربي الصباغة كشكل من أشكال محاورة التصوف عبر أهم أقطابه كابن عربي، وجلال الدين الرومي وفرنسوا داسيز، وهو تراث مرتبط بذاكرة بصرية قوامها فن المنمنمات والكاليغرافيا العربية الإسلامية والحفريات، ومرتبط أيضا بسياق حوار يجمع المختلف في لغة واحدة.

واللون، عند الإدريسي، ليس محض أداة لإنشاء عالم فني ما وتأثيث زواياه أو التمييز بين لحمته وسداه، إنه، بخلاف ذلك، مملكة قائمة بذاتها، يقدّمها الفنان المغربي كيمياء من الألوان وأخلاطها وتفاريقها وسيميائها وشعرياتها، لا يتقنها أحد سواه.

ويعدّ الإدريسي أحد رموز الانطباعية الجديدة، والتشكيل المغربي والعربي، وهو رئيس للنقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، ومؤسّس ورئيس جمعية “الفكر التشكيلي” بالرباط، وناشر.

ومثل محمد المنصوري الإدريسي المغرب في العديد من التظاهرات الدولية من قبيل البينالي الدولي الخامس والسادس والسابع لبكين في سنوات 2015 و2016 و2017، كما زيّنت أعماله المتحف الوطني الصيني.

للألوان الفاتحة وقع السحر على المتلقي

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي