3 أجيال من النساء يتوارثن الحب بمذاقاته

2020-10-28 | منذ 4 أسبوع

غلاف الكتاب

قليلاً ما كان موضوع الأمومة، وما يحيط به من تعقيدات، وأسرار وخفايا، موضع كتابة عند الأديبات. وهنّ مع فورات التحرر النسوي فضلن أن يكتبن عن نضالهن من أجل المساواة بالرجل، وتحصيل حقوقهن في العمل، ومكانتهن داخل البيت الزوجي، أو تمردهن على فكرة الزواج أصلاً. وبقيت الأمومة في الظل، بل كثيرات هن الكاتبات اللواتي تحاشين الحديث عن هذا الجانب الحميم الذي سيعيدهن، في نظر القارئ، تقليديات كما أمهاتهن اللواتي يفترض أنهن ينتمين إلى جيل، كابدن للتمايز عنه.

هذه المرة، نحن أمام كتاب قرر أن يكشف المستور، أن يحكي عن الثمن الذي تدفعه امرأة عاشت رافضة أن تشبه والدتها، بصورتها التقليدية المحافظة، المسكونة بالتضحية والذوبان في الآخر، لكنها في الوقت نفسه، تخفق في أن تبني نموذجاً جديداً، تتصالح فيه أناها مع دورها كأم، بعد أن تنجب أولادها.

«صباح الخامس والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)» هو التاريخ الذي اختارته يسرى مقدم عنواناً لكتابها. في هذا اليوم تكتشف الأم (الراوية) أن الصورة العائلية التي نشرتها ابنتها الصغرى على هاتفها، قد حذفت هي منها عمداً. بهذه الصدمة التي تحمل رمزية كبرى، تنتهي صفحات الكتاب. إنها لحظة الحقيقة التي توقن فيها أم بأنها طردت من جنة أولادها، فبعد أكثر من 139 صفحة من المراجعات وتقليب الذاكرة، ومناجاة الذات، وتفكيك العلاقة بين 3 أجيال، الراوية ووالدتها سكنة من ناحية، ومن ثم الراوية وأولادها من ناحية ثانية، الذين تخبطت في التعامل معهم، ينتهي الكتاب بحذف الأم.

تقول يسرى مقدم، منذ الصفحة الأولى، بأن كتابها لا ينتمي إلى جنس أدبي محدد، بل هو كتاب أختار عمارته الهندسية، كنص «حر، سائب، فضفاض، فوضوي السياق». هو نص تترك خلاله الكاتبة العنان لقلمها، متفلتة من الأشكال الأدبية، في نوع من البوح. هي لا تتحدث صراحة عن سيرة ذاتية أو خواطر، لكن القارئ سرعان ما يستشعر أن الكاتبة لجأت إلى ما يشبه تحرير الذات، من خلال الكتابة التي لا تخضع لأي ضابط سوى حاجة صاحبة النص لقول ما بات أصعب من أن يكتم أو يحتمل. وهي تبوح غير مواربة، تستخدم ضمير المتكلم، ومشيرة إلى أسماء أماكن حقيقية تتحرك فيها، هناك والدتها سكنة، والشقيقة التوأم وابنها البكر من زوج أول انفصلت عنه معترفة بأنها السبب في ذلك، ومن ثم ريحانتها الصغيرة، أي ابنتها الصغرى.

الكلام يبدأ من الوالدة سكنة وذكراها الحاضرة أبداً، بعد وفاتها: «ما كنت لأكتب عنا، أنت وأنا، لو لم أتزوج مرتين، وأرزق في المرتين أولاداً أحببتهم كما أحببتنا، ولو أنني جنحت في الأمومة عن مذهبك، واخترت لنفسي لحناً غير لحنك». والحقيقة أن كل النص يعود، مهما ابتعد إلى سكنة التي فقدت زوجها قتلاً وحضنت أطفالها صغاراً، بما يشبه «الانتحار حباً». هذا النمط من الأمهات اللواتي يعدن إنتاج «ثقافة القفص الأمومي» وفيه تسجن المرأة نفسها، بحيث تختزل حياتها «إلى كينونة فرعية لا تتعدى وظيفتها الإنجاب والإمتاع»، هو الذي يستفز الراوية، ويثير إعجابها في وقت واحد.

والراوية التي تستذكر سكنة، لا تفعل ذلك من باب نقد هذه الأمومة التي تمردت عليها بقسوة، ومارست علاقتها بأولادها كرد فعل عكسي عليها، وإنما بهدف إجراء مراجعة نقدية للذات. «يا سكنة، أستعين بأمومتك لأقوى على العبور إلى أمومتي. وأتوسل سيرتك لا لأجترئ على كتابة سيرتي، بل لأتوغل في عمق صراعاتها والتباساتها. كل شيء يبدأ بك يا أمي، لذا أراني أحاكمك وأقسو، وبالقسوة نفسها، أحاكم نفسي... فبيني وبينك صراعات بالجملة».

تلك العلاقة التي تتراوح بين الإعجاب والحب الشديدين، والإدانة الدائمة للخضوع والخنوع ونسيان الذات، تورث الراوية أمومة لا تستقر على حال. ابنها البكر، اختلقت عند مولده كل الحجج لتترك العناية به لوالدتها، ولم تتمكن يوماً من إصلاح ذات البين بينهما. الهوة عميقة، فهي «أم غائبة ترى ابنها ككائن طيفي، وديع يعيش خارج فلكها. ولا يلزمها وجوده بشيء».

ينتهي الحال بالابن في مغتربه بالجفاء. إذ بعاد 10 سنوات، يعلن لها عن حاجته الماسة لنسيانها. يقول لها صراحة: «أشار عليّ طبيبي المعالج بالامتناع عن محادثتك والانقطاع التام عن رؤيتك. يجدر بي كما قال أن أواجه مشكلتي منفرداً، وأن أتجاوزها معتمداً على نفسي».

يزيد من حدة الإحساس بالفشل الأمومي، الإحالة على التقاعد. تصبح الراوية في مواجهة الذاكرة، وأمام الدفاتر القديمة، والصفحات المسطورة بحبر مضطرب. ها هي ابنتها الصغرى أو ريحانتها كما تطلق عليها، هي أيضاً، لا تريد استقبالها في منزلها إلا وفق موعد مسبق، وكل لقاء سرعان ما ينتهي إلى خلافات.

أكثر ما خيبت الأم (الراوية) ظن ريحانتها الصغيرة، عندما تركتها وهي تستقبل أمومتها وحيدة، غابت عنها، ظناً منها أنها لا تريد لها أن تكرر ما فعلته هي مع بكرها. «خفت عليك يا صغيرتي من تكرار تجربتي وكتمت عنك خوفي، لأجابه برعب آخر راح يطاردني. يجتاحني الشعور بالندم والشوق».

أنانية أم سوء تصرف، النتيجة واحدة. مرة أخرى تتحطم الأمومة على مذبح الانسحاب المستمر، وفي لحظات حرجة.

الفشل الأمومي المتواصل لا تجد في مواجهته الراوية من سبيل سوى العودة لتلوذ بوالدتها. لحضنها حتى بعد رحيلها عن هذه الفانية. تخاطبها، تكتب لها، تشكو لها عثراتها، تحكي حبها لها، ولو جاء متأخراً، إعجابها بهذا التفاني الذي كان يبدو مدمراً فإذا به طوق نجاة، لمن يستطيعه.

«هل بلغك يا أمي ما تفعل المازوشية بالأمهات؟ كيف لك يا سكنة أن تظلي بوجه هادئ صبور، يشرق بالرضا والطمأنينة، برغم أنف التعب والوحشة والانتظار؟».

كتاب ينتمي إلى صنف الاعترافات، فيه كثير من الجرأة النسوية والقدرة على قص الأشياء كما هي بواقعيتها وقسوتها، ومن دون تجميل للجروح والندوب. الأمومة ليست دائماً عسلاً وشهداً، إنها في بعض الأحيان كسر في الروح وانشطار في القلب.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي