«الحاكم إذا استبد.. والشعب إذا انتفض» لفؤاد مطر: المشهد السوداني من مقام الاستكانة إلى مقام الحيرة

2020-07-01 | منذ 1 شهر

حفَّزت الانتفاضة السودانية في صيغتها المبتكرة، حيث بدأت شعبية واكتملت بوقفة عسكرية إلى جانب الطيف المدني المنتفض، الكاتب والصحافي فؤاد مطر لتأليف كتاب عنها، يكمل به ثلاثيته السودانية ،التي تحمل اسم «حلو مرّ السودان. تاريخ ما لن يهمله التاريخ عن العسكر والأحزاب».

كان أولها كتاب «المصالحة الوطنية في السودان انتكسوها أم انتكست»، ثم جاء الكتاب الثاني بعنوان «سنوات نميري.. بحلوها ومرها». وبالكتاب الجديد المعنون «الحاكم إذا استبد.. والشعب إذا انتفض» كعنوان رئيسي و»مشهدية السودان الخائر.. الثائر.. الحائر»، كعنوان فرعي يكمل به مطر ثلاثيته السودانية، التي إلى جانب كتابه المعنون «الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم انتحر» 1971، يكون على حد قوله في تعريفه لهذه المؤلفات «أسديتُ إلى السودان الوطن والشعب، ما هو حق لهما عليَّ كصحافي وكاتب ومؤلف». صدر الكتاب عن الدار العربية للعلوم ناشرون في 462 صفحة.

توزعت صفحات الكتاب على 22 مشهدا/فصلا. كما أن الوثائق والصور بين حديثها وقديمها، تتوزع على صفحات داخل هذه المشاهد. وهكذا تبدو السودان تحت المجهر، من زمن المجلس العسكري وقائده الجنرال إبراهيم عبود، أي زمن «السودان الخائر» على نحو توصيف الكاتب للمراحل التي مرت على السودان.

وبعد «السودان الخائر» نراه يطلق على المرحلة التالية توصيف «السودان الثائر»، وصولاً إلى المرحلة الراهنة وهي، «السودان الحائر». وتوضح حالة الحيرة عبارة «من الجهاد الميداني.. إلى الاجتهاد البرهاني»، أي اللقاء الصادم، الذي تم في أوغندا بين الرئيس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، نتيجة حض من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب، على إتمام هذا اللقاء، تمهيداً، أو شرطاً، لرفع العقوبات الدولية عن السودان، وهو أمر عطَّلت الفوضى، الناشئة عن «كورونا» ليس فقط تنفيذ الوعد أو التعهد، وإنما حتى تلبية البرهان الدعوة لزيارة واشنطن والتحادث مع الرئيس ترامب.


تفرّد الانتفاضة السودانية

أوضح مطر ظروف تأليف كتابه الجديد، مركزاً على التميز الذي للانتفاضة السودانية، دون سائر انتفاضات عربية بالقول «إنها أدخلت صيغة الانقلاب الثنائي، أو ثنائية الانقلابات على حتمية التغيير. وقد رأيْنا كيف أن التغيير من جانب الطيف المدني على درجة من الاستحالة، ومن أجْل ذلك لم يُكتب لكل من الجزائر وتونس ولبنان الفوز، وإن كان الصوت الاحتجاجي سُمع في أكثرية دول العالم، التي إما تعيش في ظل مناخ الحريات، وإما إنها تواقة إلى نسائم الديمقراطية تُخفف بعض الشيء من هجير السُلْطة وسلاطينها».
وفي مزيد من التوضيح يقول «لقد أثمرت الانتفاضة السودانية، بعد أن اقتربت أيادي بعض عساكر السودان من أيادي رموز الطيف المدني، وبدا هذا الاقتراب مثل تلاقي النيل الأبيض مع النيل الأزرق، متحابيْن إلى آخر الزمن. في البداية كان الحذر سيد الموقف، ثم اقتنع هذا الطيف بمَن ينتسب إليه من أساتذة جامعات وطلاب وتجار وأطباء ومهندسين وكُتَّاب وصحافيين وصناعيين، أنه باليد الواحدة لن يستطيع التصفيق، فنزل من عليائه الرافض إلى رحاب الموضوعية، مرحباً في البداية وبعد قبول بمبدأ المحاصصة – ارتضى صيغة الكفتين المتوازيتين من ميزان الطبعة الجديدة للنظام في السودان.

وهكذا سطعت نجوم جنرالات مثقلة صدورهم بالأوسمة، في فضاء الميادين المنتفضة، وتشكلت الصيغة الجديدة لمشروع التغيير. وهي صيغة لم تتحقق للانتفاضة في كل من مصر والجزائر ولبنان والعراق وتونس، لأن المؤسسة العسكرية، وكل منها لدواعي إما الخشية من انقسام الجيش جيوشاً، كما حدث في السبعينيات في لبنان، وإما لأن المؤسسة العسكرية إن هي نزلت طرفاً في الحَراك الشعبي، فهذا تفسيره أنها تعاكس مبادئ المؤسسة القائمة، على أن دورها حماية الوطن من العدو الخارجي، وليس الدخول طرفاً في حَراك سياسي وشعبي.
ويلفت الانتباه هنا الدور الحازم في هذا الشأن لقائد الجيش الجزائري (الراحل) قايد أحمد، الذي أبقى المؤسسة العسكرية في منأى عن الدخول طرفاً في الانتفاضة ضد نظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وبذلك حال دون الانتقاص من الشرعية الدستورية، ومن الانخراط في الحَراك طرفاً، الأمر الذي ينتهي إلى انقلاب عسكري».

وينتهي إلى القول «إن الحصافة لدى ثنائي الانتفاضة ضد نظام البشير، وعلى نحو ما ظهرت في مواقف جنرالات المجلس العسكري الانتقالي و«قوى الحرية والتغيير» ليست فقط أسقطت نظاماً كان في صدد الجنوح نحو البقاء الطويل، وانتقال السُلطة في الطيف الواحد من قُطب «إنقاذي» إلى آخر، وإنما وضعت قاعدة تغيير تحتاجها معظم دول العالم الثالث، وتقي هذه الدول من مغامرات الانقلابيين العسكريين، وهي الثنائية بمعنى المشاركة، وليس بمعنى الاقتسام.

وبهذه القاعدة لن يعود متيسراً على أي مغامرين انقلابيين عسكريين استلام السُلْطة، بمجرد تحريك دبابات تحاصر مبنى الإذاعة والتلفزيون ومقر البرلمان، ثم تبث بلاغاً أولياً ثم سلسلة بلاغات يغلُب على مفرداتها التنكيل المعنوي والشخصي، بمَن كانوا في سدة السُلْطة وإيداعهم السجن في الحد الانتقامي، أو الإقامة الجبرية في «فيللات» مرفَّهة كتلك الأقفاص المذهبة التي يضع فيها بعض أباطرة الحُكْم طيورهم وحيواناتهم النادرة، فيما هنالك جحافل من البشر، إما تعمل لكن بالكاد يسمن العائد من جوع، وإما بطالة وحالة عَوَز تودي في بعض الأحايين بأصحابها إلى تفضيل الانتحار على العيش المُذل.

ولنا المثال ما آلت إليه حالة الرئيس عمر البشير بعد ثلاثين سنة من الحُكْم، وكان يخطط للمزيد، بل إلى مدى الحياة، كما حال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفي زمن كورونا، الذي فعل البوتينيون دستورياً، ما فعله البشيريون لجهة تعديل الدستور تجاوباً مع مشيئة المتمسك بكُرسي السلطان الواحد الأحد، ومن دون أن يرف له جفن أو يرى في ما انتهى إليه عمر البشير عبرة جديرة بالاعتبار، فيكتفي وقد فاجأت كورونا عالمنا من القُطْب إلى القُطْب بما يوجب الكثير من إعادة النظر».

رؤية استشرافية

وفي سبيل تقييم ورؤية استشرافية للمستقبل السوداني، بعث الصادق المهدي رسالة إلى المؤلف، حيث يرى المهدي أن «الفترة الانتقالية الحالية أشبه ما تكون بحقل تجارب تنشط جبهتان إسلاموية منكفئة وعلمانوية مستلبة، لتخطف المصير الوطني، وتحوم رؤى غالباً وافدة لثورة مضادة أشبه بتلك التي أجهضت كثيراً من ثورات الربيع العربي. التركيبة العسكرية السودانية بعيدة من هذا الدور ومن دون خوض في التفاصيل فهي غير مستعدة لمثل هذا الدور.

المعمعة السياسية السودانية سوف تسفر عن تغلُّب نهج سياسي يكفل الحريات وحقوق الإنسان والمشاركة في الحُكْم والعدل الاجتماعي، ويلبي مطالب السلام العادل الشامل والتوازن في العلاقات الخارجية بلا محورية. هذا النهج ليس هلامياً بل هو مسلح بفكر واضح، وليس فوقياً بل مجذّر بسند شعبي عتيق ومسنود بقوى شبابية ونسائية جديدة. هذا النهج يطرح ديمقراطية توافقية وفكرا يوفِّق بين التأصيل والتحديث، وينازل ويغلب التحديات الإسلاموية والعلمانوية والانقلابية، ويمثَّل في قراءة التاريخ المضاد للثورة المضادة».

ثورة الضمير الحي

ومن جانبه يقدم الدبلوماسي جمال محمد إبراهيم رؤيته للأحداث، حاصراً الأمر في أربعة مظاهر.. «شكَّل الأول منه الشعب، الذي ثار على النظام الإسلاموي»، فيما انطلاق الانتفاضة مثَّل المظهر الثاني يلي ذلك «ما اتصل بالانتفاضة الشعبية من تفاعل مع المجتمع الدولي، ومن تأثير وتأثُّر مباشر وغير مباشر»، وصولاً إلى المظهر الرابع الذي يتصل بالتعبير الشعبي المصاحب لذلك الحَراك، الذي اتخذ شكلاً إبداعياً مُبتكَراً، تجلّى في إبداعٍ مُصاحِب، مثَّلته شعارات ثورية ذات إيقاع، وغنائيات وأشعار حماسية، رافقت مظاهرات الحَراك، وجداريات غطتْ شوارع وطرقات العاصمة الخرطوم والمدن الأُخرى. لقد كانت ثورة ثمنها دماء شهداء وجرحى ومفقودين، لكنها كانت ذات ضميرٍ حَي وقادر على التفاعل لإحداث التغيير، مثلما كانت ثورة لها قلمٌ ولسانٌ وفرشاةٌ.. وصوتٌ مُبدع».



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي