نورا جونز: موسيقى الجاز والخسائر العاطفية

2020-06-29 | منذ 4 يوم

مروة متولي

تنتمي المغنية الأمريكية نورا جونز إلى عائلة موسيقية عريقة، فهي ابنة رافي شنكار عازف السيتار المرموق، الذي يعد من أهم أقطاب الموسيقى الهندية الكلاسيكية وتحظى مؤلفاته بالاعتراف العالمي، وهي كذلك الأخت غير الشقيقة لأنوشكا شنكار عازفة السيتار الشهيرة التي تكمل مسيرة والدها الراحل، الذي كان له الفضل في إعادة تقديم هذه الآلة الموسيقية العتيقة إلى العالم، ونشر صوتها الفريد في أوروبا وأمريكا، وتعمل على دمجها بالغناء الحديث، ومختلف أنواع الموسيقى، وإظهار قدرتها على التكيف مع الزمن والتواجد في أي أوركسترا عالمي مثل بقية الآلات الموسيقية، وتغني نورا جونز مع موسيقى السيتار أحيانا ويمتزج صوتها جيدا بأنغام أوتارها، كما في ألبوم أنوشكا شنكار الأخير «ريفلكشنز» 2019 الذي احتوى على أغنيتين وسط العديد من القطع الموسيقية، هما «لن تغرب الشمس» و «مسارات» كتبت نورا جونز كلماتهما باللغة الإنكليزية وقامت أنوشكا شـــــنكار بالتلحين والعزف على آلة السيتار.
وعلى الرغم من ذلك يظل التأثير الشرقي على موسيقاها محدودا للغاية، ويكاد يكون منعدما في كثير من الأحيان، فكما تحمل المغنية نورا جونز لقب عائلة والدتها الأمريكية، فإن أعمالها الفنية تصطبغ أيضا بالطابع الغربي البحت، وتختص بتقديم ذلك النوع من الفن الأمريكي، الأكثر عمقا في محليته وهو موسيقى الجاز، حيث تقوم بالكتابة والتلحين والعزف على كل من البيانو والغيتار، وتعمل على تنفيذ ألبوماتها بالكامل في إطار هذا النوع الموسيقي، الذي تضيف إليه أحيانا لمسات خفيفة من موسيقى البوب والكونتري والبلوز وبعض اللمحات من التوزيع الأوركسترالي.
وقد حصلت نورا جونز منذ إصدار أول ألبوماتها عام 2002 وحتى صدور أحدثها عام 2020 على تسع جوائز غرامي، بالإضافة إلى التقدير النقدي الذي يصنفها ضمن أهم مغنيات الجاز في الوقت الحالي، بما تقدمه من فن حديث، فهي ليست مغنية جاز تقليدية كلاسيكية، ولا يمكن مقارنتها بصاحبات الحناجر القوية مثل إيلا فيتزجيرالد ونينا سيمون وغيرهما من النساء الرائدات في موسيقى الجاز، هذا الفن الذي هو ثقافة وأسلوب ينطبع أثره على المغني بدرجة كبيرة، ولا شك في إنه ذوق أمريكي خالص بمكوناته الفنية وجذوره التاريخية القديمة وأنواعه المتعددة وتشعباته الكثيرة، وهو عالم موسيقي مختلف بمجرد الدخول إليه يشعر المستمع بالفرق بينه وبين أي عالم موسيقي آخر، وتحديدا في ما يخص طبيعة التلقي وإيقاع الاستماع الذي تفرضه موسيقى الجاز على الأذن، وقد يضيع المرء قليلا إذا لم يكن من الهواة الأصليين لهذا الفن.


وفي أحدث ألبــــومات نـــورا جـــونــز الذي صــــدر مؤخرا بعنوان Pick Me Up Off the Floor لا خروج عن عالم الجاز الموسيقي، ويبدو الغناء تلقائيا إلى حد ما، يتأرجح بين النغمات المنخفضة والبطيئة، ويتسم بقوة التعبير الصوتي والمرونة والحساسية والشعور الإيقاعي، ولا تذهب المغنية كثيرا نحو النغمات العالية والطبقات المرتفعة، وتعطي الانطباع بأنها تغني في قاعة صغيرة لعدد محدود من المستمعين، وإنها تبوح بأسرارها وكل ما يعتمل في نفسها ويثور في أعماقها من أحاسيس، بصياغة شاعرية للكلمات لا تخلو من الشجن وبعض الصور السينمائية، ونشعر عندما نستمع إلى بعـــــض الأغنيات، أن التركــــيز الأكبر كان على الكلمة وتوصيل المعاني والأفكـــــار إلى المســـتمع، وأن الموســـيقى كان عليها أن تصاحــب الكلـــمة وتتبعــــها كخلفـــية هـــادئة خافـــتة وحسب، كمـــا نلاحظ الحضور الرئيسي للبيانو في الألبـــوم بشكل عام، مع القليل من التبادلات الوترية بين الفيولا والفيولينة، والمشاركة غير الصاخبة لبعض الآلات الهوائية النحاسية.
يطغى الحزن على هذا الألبوم، ونجد أن أغلب الأغنيات التي قامت نورا جونز بكتابة كلماتها وتأليف ألحانها، تتناول الخسائر العاطفية وتصدعات القلوب، وتتكرر التعبيرات عن الخسارة والفقد وضياع كل شيء وتلاشيه، واستحالة استعادته مرة أخرى والحصول عليه بأي طريقة من الطرق، في أغنيات مثل «كم أبكي» التي تصف حالة البكاء الداخلي المستمر طوال الوقت، حتى أثناء النوم والركض والرقص والغناء والضحك، بسبب الإحساس العميق بالخسارة وعدم القدرة على التحرر من هذا الشعور.

وفي أغنية «مؤلم أن تكون وحيدا» نستمع إلى تعبير آخر عن الخسارة التي لا يمكن تعويضها، وهذه الأغنية كلماتها قليلة جدا وتعتمد بشكل أساسي على ترديد عبارة «مؤلم أن تكون وحيدا» مرات كثيرة بالتبادل مع عكس هذا المعنى وقول «إنه ليس من المؤلم على الإطلاق أن تكون وحيدا»، ومثل هذا الأمر قد يكون مقبولا في موسيقى الجاز، وقد يكون مملا للمستمع العادي، إذا تلقاه خارج هذا الإطار، وكذلك توجد كثرة الترديد لمجموعة قليلة من الكلمات في أغنية «هذه الحياة» التي تعتمد على تكرار جملة «هذه الحياة كما نعرفها قد انتهت»، وتعد أغنية «لكي نعيش» من أجمل أغنيات هذا الألبوم موسيقيا لأنها ميلودية إلى حد ما وتبدو قريبة تحاول مخاطبة عامة الأذواق، لا هواة موسيقى الجاز فقط، ولا تخلو كلماتها أيضا من التعبير عن الخسارة العاطفية ووصف «شقوق القلب التي لا يمكن معالجتها بالإسمنت».

* كاتبة مصرية



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي