الغرب العثماني "المتوحش".. تحولات البلقان وشرق أوروبا في القرن 16

2020-02-06 | منذ 6 شهر

يدرس كتاب "الغرب المتوحش" العثماني تخوم البلقان في القرنين 15 و16" التأثيرات العثمانية شرق أوروبا صدر مؤخراً عن دار كامبردج للنشر كتاب "الغرب المتوحش العثماني: تخوم البلقان في القرنين 15 و16" للمؤرخ المختص بالعالم الإسلامي ما قبل الحديث نيكولاي أنتوف.

ويسلط أنتوف -الذي يدرس تشكل المجتمعات الإسلامية في بلاد البلقان العثمانية- الضوء على أصول السكان المسلمين في بلغاريا، بما في ذلك هجرة التركمان من الأناضول، ويدرس كذلك تحول بعض سكان بلغاريا الأصليين للإسلام، والتطور الحضري في منطقة البلقان العثمانية خلال فترة التأسيس للإمبراطورية التي حكمت أجزاء كبيرة من شرق أوروبا خلال العصور الحديثة.

ويدرس التغيرات الديموغرافية في مقاطعتي جيرلوفو وديليورمان (الواقعتين شمال شرق بلغاريا الحالية) خلال القرنين 15 و16، ودور دراويش الصوفية في التنمية الحضارية وكذلك الجنود والسكان المهاجرين.

واستناداً لسجلات الضرائب من نهاية القرن 15 خلال النصف الثاني من القرن 16، يلاحظ المؤلف التغيرات السكانية وتطور المناطق السكنية الذي يعزوه لحد كبير لهجرة الدراويش الصوفية والبدو الرحل وشبه الرحل إلى المنطقة قادمين من الأناضول ومناطق تراقيا (شمال غرب تركيا الحالية) وجبال رودوب (شرق بلغاريا واليونان حالياً) وكيف منحتهم السلطات تسهيلات ضريبية وامتيازات خاصة.

تمرد ضد العثمانيين

يقول المؤلف إن هؤلاء المهاجرين -الذين كانت لدى بعضهم مواقف معارضة للسلطة العثمانية في إسطنبول وهرب بعضهم من الصراع العثماني الصفوي شرق الأناضول- وجدوا في مناطق بلغاريا والبلقان "ملاذات آمنة" ذات تقاليد طويلة مما يعتبره بأنه "إسلام منفتح ذو ميول تعددية" نما في ظل الهوية الثقافية واللغوية المميزة لهذه المجتمعات.

وعبر دراسة حالة تركز على منطقتي ديليورمان الجبلية وجيرلوفو ذات التلال اللتين كانتا من المناطق قليلة السكان غير المأهولة بداية التمدد العثماني في المنطقة ثم تحولتا لمناطق مكتظة بالسكان ومدن يشكل المسلمون فيها أغلبية كبيرة، وأصبحتا جزءًا من إقليم عثماني إداري نشط، يتناول المؤلف تحولات السياسة والدين في المنطقة التي يقول إن لها تاريخا طويلا في إيواء "المنشقين" الدينيين والسياسيين.

ومن هناك قام الشيخ الصوفي والقاضي العسكري العثماني بدر الدين محمود المعروف باسم سيماونلي بدر الدين (1359-1420) بتمرده ضد الدولة العثمانية المعروف باسم "عصيان الشيخ بدر الدين" عام 1416.

إبراهيم باشا

يروي الكتاب كيف شجعت الإمبراطورية العثمانية الصاعدة نمو المناطق الحضرية وعززت سيطرتها على المنطقة عبر دعم النمو السكاني للمدن وإنشاء مؤسسات الأوقاف وبناء المساجد والمدارس والمطابخ والمعالم الحضرية المعتادة، بما في ذلك تطوير مدينة رازغراد البلغارية عام 1533 من قبل الصدر الأعظم العثماني إبراهيم باشا الذي بني المسجد المعروف باسمه حتى الآن في المدينة.

ولم يكن دعم التنمية الحضرية الأداة الوحيدة التي استخدمتها الدولة المركزية العثمانية لتعزيز سلطتها في المنطقة، بل عملت على توظيف السياسات الضريبية لتقليص أعداد البدو التركمانيين في المنطقة وتقليل أعداد الدراويش المتمردين، وهكذا كان معظم المزارعين المسلمين في الريف العثماني ببلغاريا في القرن 16 يتمتعون بوضع ضريبي خاص.

ويقول الكاتب إن السلطات العثمانية في منطقة البلقان استخدمت سياسات مختلفة في التعامل مع المجتمعات البلقانية في تراقيا وبلغاريا، والبوسنة وألبانيا. ويدرس الكتاب في هذا السياق ما يسميه "عملية البناء الإمبراطوري" التي تحولت الدولة العثمانية فيها من إمارة لإمبراطورية بيروقراطية مركزية حديثة.

وفي سياق هذا التحول أصبحت المجموعات التي لعبت أدواراً مبكرة في صعود الإمارة العثمانية مثل عائلات حكام الثغور العثمانية، والتركمان المقاتلين شبه الرحل، والدراويش، مهمشة تدريجياً بعد تطوير النظام الإمبراطوري الناشئ لأدواته المؤسسية، واعتماده على الجيش النظامي والفئات الأكثر تديناً التي عملت في المؤسسات القضائية والتعليمية الحديثة.


الإسلام في البلقان

بعد أول حملة عسكرية إلى المنطقة عام 1354، استمر الوجود العثماني في البلقان لأكثر من خمسمئة عام، وعلى الرغم من انتهاء الحكم السياسي العثماني بداية القرن العشرين، فإن الأثر الثقافي والديني للعثمانيين استمر حتى يومنا هذا.
وأحدثت الثقافة العثمانية تغييرات كبيرة في الطابع الاجتماعي والثقافي والسياسي للمنطقة، مما أرسى الأسس التي حولت جنوب شرق أوروبا إلى "البلقان" الذي نعرفه حالياً بهذا الاسم.

وأعيد تشكيل مجموعات عرقية وثقافية مختلفة في البلقان منذ بداية القرن 19. على الرغم من أن الإمبراطورية بدأت بحلول ذلك الوقت في التراجع التدريجي عن المنطقة، إلا أن التراث الثقافي للعثمانيين حافظ على أهميته حتى اليوم، لا سيما فيما يتعلق بتكوين الهويات الدينية، في حين لعبت الحروب المتقطعة بين العثمانيين والروس، وحروب البلقان بداية القرن العشرين، دورًا كبيرًا في إعادة تشكيل المنطقة.

وفي حين أن تاريخ العثمانيين في البلقان، ودور الحركات القومية البلقانية في الاضطرابات التي أدت إلى تفكك الإمبراطورية العثمانية، مواضيع مطروقة في دراسات التاريخ المعاصر، كانت الكتب والدراسات التي تتناول الإسلام البلقاني وخاصة دور الصوفية نادرة، رغم أن تراث الروحانية العثمانية أمر حيوي ومدهش في تلك المنطقة.

وحكم العثمانيون بلغاريا لقرابة خمسة قرون منذ نهاية القرن 14 الميلادي وحتى اتفاقية برلين سنة 1878 التي أسست إمارة بلغارية مستقلة بدعم روسيا، ويعد التنوع المذهبي للمسلمين في بلغاريا فريداً من نوعه فهناك الغالبية السنية إلى جانب الفرق الشيعية الاثني عشرية والعلوية، وأيضاً البكتاشية الذين يجمعون بين تقاليد صوفية إسلامية وأخرى منسوبة لأديان ومعتقدات أخرى.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي