مفاوض إسرائيلي يكتب: 10 نقاط تكشف كيف تبدو خطة ترامب كمشروع إذلال للفلسطينيين

2020-02-01 | منذ 10 شهر

دانييل ليفي *

 


منذ منتصف التسعينيات وحتى مطلع الألفينات، قضيت أغلب حياتي المهنية في مسيرة سعي متخصصة عادت ذكرياتها تتدفق لعقلي بقوة مع إعلان الرئيس ترامب، يوم الأربعاء 29 يناير/كانون الثاني، «رؤيته للسلام».

كانت صياغة اتفاقيات السلام الفلسطينية الإسرائيلية شغلي الشاغل خلال خدمتي في الجيش الإسرائيلي، وحتى بعد خروجي من الجيش، وأحياناً وأنا مواطن عادي مهتم، وغالباً خلال محادثات سرية، وخلال عملي مستشاراً في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ثم في مكتب وزير الدفاع في الفترة التي شهدت انعقاد المفاوضات الرسمية.

وقد كنت أحد المتفاوضين خلال صياغة أجندة اتفاقيات أوسلو الثانية في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين؛ وقدمت وثائق من بعيد إلى قمة كامب ديفيد التي عقدها الرئيس كلينتون بين ياسر عرفات ويهود باراك، ثم انضممت للمحادثات اللاحقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في طابا في يناير/كانون الثاني 2001. وشاركت في العديد من المحادثات الإسرائيلية -الفلسطينية غير الرسمية، قبل أن أكون كبير مسؤولي صياغة خطة اتفاق جنيف في ديسمبر/كانون الأول في 2003. ولا تزال صورة حفل التوقيع هذا، التي يظهر فيها الإسرائيليون والفلسطينيون يسعون إلى طريق جديد للمضي قدماً، معلقة في مكتبي.

بعض هذه النصوص خرجت إلى الحياة، حتى أنَّ بعضها صاحب توقيعه مراسم واحتفالات مهيبة في حضور قادة العالم. لكن أياً منها لم يُفضِ إلى ما قد يحقق السلام. وفي سنوات الاحتلال القاتمة التي تخللتها صراعات جذرية، كثيراً ما كنت أتساءل عن الحكمة من وراء محاولاتنا. وتدفقت تلك الذكريات والشكوك إلى عقلي -وكأنها لكمة مسددة إلى بطني- عند قراءة خطة البيت الأبيض المطولة التي صدرت يوم الثلاثاء: «السلام للازدهار: رؤية لتحسين حياة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي«.

هل كانت جميع هذه المحادثات مجرد تمرين لإضعاف موقف الفلسطينيين، وانتزاع تنازلات مبكرة استناداً إلى فرضية تبين فشلها قائمة على صعود شريك لإسرائيل؟ ومن الناحية الخارجية، أثارت الخطة لدي شعوراً مألوفاً؛ مثل العودة إلى مكان الطفولة. لكنني عندما استوعبت الكلمات، تلاشى إحساسي بالحنين، وحلَّ محله شعوراً بأنَّ عالمي انقلب رأساً على عقب مثل شعور أليس في بلاد العجائب. فقد انتزعت لغة السلام من سياقها ولُصِقَت في آخر، ثم وُضِعَت في مطحنة؛ مما أفضى إلى ولادة عمل عدواني تتقاطر منه عبارات العنصرية الخشنة. هذه خطة كراهية، وليست خطة سلام.

إليكم 10 نقاط تُشكِل من خلالها الوثيقة هجوماً قاسياً على فكرة السلام الإسرائيلي الفلسطيني:
1- رجال طيبون ورجال أشرار وخطط سلام
شروط الاستسلام وخطة السلام هما أمران مختلفان تماماً. لكن حتى شروط الاستسلام لديها فرص استدامة أكبر من إذا صيغت على النحو الذي يحافظ على شيء من مظاهر الكرامة للطرف المهزوم.

يجب أن تُبنى أي خطة سلام على قابلية الطرفين للحفاظ على ماء وجههما، وقدرتهما على إعلان أي شكل من أشكال النصر. لكن الخطة التي أعلنها ترامب هي عبارة عن رسالة كراهية مؤلفة من 180 صفحة يوجهها الأمريكيين (وبالتبعية الإسرائيليين) للفلسطينيين. وما لم يقرأ المرء الوثيقة بالكامل، ويعرف تاريخ النزاع، فسيُصعُب عليه استيعاب عمق الاحتقار والازدراء الذي ينطوي عليه هذا النص تجاه الفلسطينيين. فقد تفوق على الاستعمار المتعصب للجنس الأبيض.

واعتمدت الوثيقة في صياغتها على أكثر النقاط المحورية سذاجة وتعالٍ التي ترتكز إليها الدعايا الإسرائيلية، وهي إقصائية من بدايتها لنهايتها. فمن وجهة نظر الخطة الأمريكية، الجانب الإسرائيلي وحده هو من يستحق التعاطف، بل واعتناق مزاعمه وتبريراته التاريخية عن الأرض وبناء دولته. ووفقاً للخطة أيضاً، الغرض من وجود الفلسطينيين هو تلقي الصفعات والاستقواء عليهم. ولن يُسمَح لهم بالحديث إلا لتقديم الاعتذار وإبداء الندم.

وبحسب النص، فإنَّ الأعمال العسكرية الإسرائيلية هي دوماً دفاعية. وتخلي إسرائيل عن أية أرض مُحتَلَّة هو تنازل سخي منها؛ لأنَّ هذه هي «الأرض التي أكدت إسرائيل مطالبها القانونية والتاريخية المشروعة عليها، والتي تشكل جزءاً من موطن أجداد الشعب اليهودي». وتصور الوثيقة إسرائيل على أنها مشرف نموذجي على قدس موحدة، وسكانها مزدحمون في قطاع ساحلي ضيق (يجب على شخص ما أن يخبر البيت الأبيض أنَّ إسرائيل لديها أقوى جيش في المنطقة، بما في ذلك القدرة على تصنيع أسلحة نووية).

وعلى النقيض من ذلك، تعتبر الوثيقة الفلسطينيين عصابة تحريضية وجاحدة وفاسدة من الأوغاد. من الصعب ألا يصلك انطباع بأنَّ كاتب هذا النص هو صاحب عقلية متعصبة للجنس الأبيض. إذ تأتي العنصرية في صدارة تبني الخطة لفكرة نقل الحقوق السياسية لسكان منطقة المثلث في وسط إسرائيل، حيث يتجمع المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل. وبموجب مقايضة الأراضي، يمكن نقل المثلث إلى الدولة الفلسطينية، وبالتالي تقويض صفة المواطنة للمجتمع الفلسطيني الإسرائيلي بأسره. وتُرسِخ الخطة منطق تفضيل الإثنوقراطية على الديمقراطية الذي تبنته إسرائيل في قانون «الدولة القومية اليهودية» الذي أقرَّته مؤخراً.

2- هل هذه دولة فلسطينية؟ لا، بل هي منطقة بانتوستانات
تكشف النماذج المرئية للخريطة المقترحة عن منح الفلسطينيين هدية ميتة مُتمَثِلة في: مجموعة من الجزر الفلسطينية أفضل ما يمكن تشبيهها به هي خريطة البانتوستانات التي وضعها نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ومن المفترض أن الخطة تعرض إنشاء دولة فلسطينية، لكن هذه الفكرة أُفرِغَت من معناها تماماً. إذ تُحمِل الوثيقة نفسها مشقة اتخاذ طابع فلسفي لتخبرنا أنَّ «السيادة هي مفهوم غير مُحدَّد المعالم تطور عبر الزمن». وبموجب الخطة، ستسيطر إسرائيل على جميع جوانب الأمن والمياه الإقليمية والمجال الجوي والمعابر الدولية لهذا الكيان الذي لا يحمل صفة دولة، ويمكنها حتى فرض حصار بحري دائم عليها.

ولا ينبغي أن يكون غياب التواصل في هذا الكيان مثار قلق؛ لأنَّ الخطة «تُعظِم من سهولة السفر داخل دولة فلسطين من خلال أحدث حلول البنية التحتية المتمثلة في تشييد جسور وطرق وأنفاق». وسيُسمَح حتى للفلسطينيين بعبور غور الأردن «الخاضع لشروط الأمن الإسرائيلية». لكن للأسف، لن يُسمَح للفلسطينيين سكان الجيوب المحصورة في الأراضي الإسرائيلية إلا بالدخول إلى بقية «فلسطين» وفقاً «للمسؤولية الأمنية الإسرائيلية». وفي مناطق معينة يمكن لإسرائيل أن تفرض قواعد تقسيم المناطق وتصدر تصاريح البناء للفلسطينيين. والفلسطينيون جميعهم على دراية كاملة بما ستصبح عليه مصفوفة التحكم هذه على أرض الواقع.

ولن تكون القدس عاصمة اللادولة الفلسطينية؛ لأنها ستظل «العاصمة الموحدة ذات السيادة لدولة إسرائيل». لكن يمكن للفلسطينيين أن يأخذوا الأحياء الواقعة على أطراف القدس على الجانب الآخر من جدار إسرائيل الأمني. ومع ذلك، لا تيأسوا، إذ سيُسمَح للفلسطينيين إطلاق أي اسم يحلو لهم على اللاعاصمة هذه.

وأخيراً، لن تخرج هذه اللادولة الفلسطينة العظيمة إلى الوجود، ما لم يفِ الفلسطينيون بسلسلة من الشروط المسبقة، التي «ستكون دولة إسرائيل هي المُقرِّر لما إذا كانت استوفيت أم لا».

3- ما هي المطالب المُنتَظَرة من إسرائيل؟ لا شيء
على الرغم من بعض المحاولات التكتيكية في إسرائيل، من تياري اليسار واليمين على حد سواء، لتصوير الوثيقة الأمريكية على أنها تتطلب تقديم إسرائيل تنازلات على غير رغبتها، تمثل هذه الخطة للتطرف الإسرائيلي ضربة قاضية. إذ لا يُطلَب من إسرائيل بموجب الوثيقة إلا فعل أشياء أو التخلي عن أشياء سبق وأن أعلنت أنها لا مصلحة لها فيها. وإذا كان على إسرائيل أن تغير رأيها أو إذا لم تعتبر ذلك كافياً، فلديها خطة احتياطية. إذ يحق لها وقف التنفيذ باستخدام حق النقض من جانب واحد تمنحه لها الخطة.

إضافة إلى ذلك، ستُعيَّن حدود القدس وفقاً للجدار الأمني الذي بُنيّ وفق قرار انفرادي اتخذته إسرائيل. وليس هناك حد لوقف انتشار المستوطنات. وقد حددَّت إسرائيل جميع الأراضي التي تريدها؛ لذا يمكنها الاستمرار في البناء هناك من دون أي إزعاج وتوسيع السيادة الإسرائيلية لتصل لجميع هذه المناطق، وبتأييد أمريكي.

ويتضمن البند الذي من المفترض أنه يحظر هدم المنازل والأبنية الفلسطينية ثغرة مفيدة تتمثل في الفقرة التالية: «لا ينطبق هذا الوقف على هدم أي بناء يشكل خطراً على السلامة، على النحو الذي تحدده دولة إسرائيل، ولا ينطبق أيضاً على عمليات الهدم العقابية بعد أعمال الإرهاب».

أضف إلى ذلك، يُسمَح لإسرائيل بتجاهل قرارات مجلس الأمن الدولي من جانب أحادي. إذ صُممت خريطة التصورات الأمريكية «بروح قرار مجلس الأمن رقم 242» -وهو المخطط الحاسم لحل الدولتين الذي أُقرِّ بالإجماع بعد حرب 1967 – «وبطريقة تلبي المتطلبات الأمنية لدولة إسرائيل و… تأخذ في الاعتبار مطالب دولة إسرائيل التاريخية القانونية المشروعة».

4- الإهانات.. الجزء الأول: اللاجئين والمساجين
أي شخص على دراية بالتجربة الفلسطينية سيعرف الأهمية التاريخية المحورية لتجربة اللجوء عند الفلسطينيين، والسحابة الهائلة التي تخيم على الحياة الفلسطينية المعاصرة من جراء قضاء الكثير من الفلسطينيين وقتاً في السجون الإسرائيلية. وهذه التجربة الأخيرة هي نتاج الاحتلال المهين الذي يُولِد لا محالة المقاومة، العنيفة والسلمية على حد سواء، والذي يجرم منذ سنوات أي عمل من أعمال الكفاح السياسي الفلسطيني.

وتثير الخطة اشمئزاز رهيب من معاملتها للاجئين الفلسطينيين؛ إذ لا تُوجِه لهم حتى أي شكل من أشكال الخطاب المتعاطف الذي تُغدِق به على إسرائيل. وموقف إسرائيل المتشدد من عودة اللاجئين له سجل تاريخي طويل، لكن في محادثات السلام كانت هناك على الأقل محاولات لتخفيف الضربة. لكن في هذه الوثيقة، لا يحدث ذلك.

إذ يؤكد النص أنه «لن يُمنَح أي لاجئ فلسطيني حق العودة، أو الاستيعاب داخل دولة إسرائيل». ليس ذلك فحسب، بل يمكن لإسرائيل أن تقرر عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين يمكنهم الإقامة في اللادولة الفلسطينية الجديدة. وتقول الوثيقة: «حقوق اللاجئين الفلسطينيين في الهجرة إلى دولة فلسطين محدودة وفقاً للترتيبات الأمنية المتفق عليها… وتنظمها عوامل مختلفة بما في ذلك زيادة المخاطر الأمنية على دولة إسرائيل».

أما الإهانة النهائية فكانت من نصيب ملف التعويضات. فالتعويض ينُم عن التعرض للمعاناة، ويعني الإنسانية. ولإزالة أي انطباع من هذا القبيل، قيل لنا إنَّ الأموال ستوظف التوظيف الأمثل «إذا استُخدِمَت لتنفيذ خطة ترامب الاقتصادية». وكل ما ينقص في هذه الخطة هو أن تشمل فندقاً جديداً لامعاً لترامب!

وفي ما يتعلق بالسجناء، فمن المتعارف عليه عند الانتقال من الحرب إلى السلام هو إطلاق سراح المسجونين في سياق صراعات التحرير، التي تخضع أحياناً لعمليات تبادل الحقيقة والمصالحة. لكن ليس هذا الحال في خطة الكراهية هذه. إذ تُقصي السجناء المتورطين في القتل أو محاولة القتل أو التآمر على القتل؛ مما يجعل الفقرة الخاصة بالسجناء بأكملها مجرد ممارسة المقصود بها الإذلال وليس المصالحة.

5- الأمن والسيطرة
هذه نقطة سهلة، بما أنَّ الإسرائيليين وحدهم يستحقون الأمن، وبالتالي فإنَّ إسرائيل وحدها بحاجة لامتلاك القدرات الأمنية والسيطرة. وجرى تبنّي أقصى تعبير عن الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية، ثُمَّ سُمِح لها بفعل ما تشاء طوال الوثيقة، مع التعريض بالفلسطينيين أينما كان ذلك ممكناً. على الأقل لا توجد محاولة للتجمُّل هنا، فجاء في الخطة: «أُعِدَّ الجزء الأمني لهذه الوثيقة استناداً إلى فهمنا الأفضل للمتطلبات الأمنية لدولة إسرائيل»، والتي يجري تحديدها بهدف «أخذ كل أنشطة إيران في الحسبان عند تحديد الاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل». باختصار، يمكن للجيش الإسرائيلي مواصلة العمل في أي مكان وهو مُتمتِّع بحصانة، ولن يجري فقط نزع سلاح اللادولة الفلسطينية، بل وستُمثِّل كذلك مُتعهِّداً من الباطن للجيش الإسرائيلي أبد الدهر.

وفي ظل سيطرة إسرائيل على الأرض والبحر والجو والمعابر الحدودية، لا ينبغي أن يكون الحصول على ما هو أكثر من ذلك ضرورياً. لكن في حال ربما أغفل «ألأخ الكبير» أي شيء، يذكر النص أنَّ «دولة إسرائيل، ووفق ما تحدده دولة إسرائيل وحدها، ستعتمد على مناطيد المراقبة، والطائرات دون طيار، والمعدات الجوية المماثلة لأغراضٍ أمنية». إنَّه احتلال عسكري، في كل مكان، وإلى الأبد.

وتمضي الوثيقة لتخبرنا أنَّ الفلسطينيين يجب أن يكونوا ممتنين لأنَّ «دولة فلسطين لن لن تكون مُثقَلة بتلك التكاليف (الدفاعية)، لأنَّها ستقع على عاتق دولة إسرائيل». ويبدو أنَّ السخاء الأمريكي لا حدود له، لأنَّ الخطة الأمنية أجملت أنَّ «النتائج بمليارات الدولارات من الأموال التي سيجري توفيرها على المانحين الدوليين عوضاً عن إنشاء قوة أمنية جديدة متعددة الجنسيات». شكراً لكِ أمريكا.

6- غزة: أحسنتم التخمين، الأمر كله خطأ الفلسطينيين
تُعَد غزة واحدة من أكثر الأماكن اكتظاظاً في العالم، وطُرِد معظم قاطنيها من منازلهم الأصلية خلال النكبة. وقبل بضع سنوات، أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أنَّه بحلول هذا العام، 2020، قد تصبح غزة غير صالحة للسكن من منظور المجالات الرئيسية للأمن الإنساني.

حينما انسحبت إسرائيل من غزة عام 2005، فرضت حالة إغلاق دائمة وأعلنت أنَّ الانسحاب سيجري بموجب إجراءات عقابية. ومنذ ذلك الحين، وخلال جولات الصدام المختلفة مع إسرائيل، قُتِل 5514 فلسطيني على الأقل، بينهم 2667 مدنياً، وذلك بحسب منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية غير الحكومية بتسيلم. وعلى مدار العامين الماضيين، تصدَّت إسرائيل لمسيرات العودة مُتسببِّبةً في سقوط قتلى بين المدنيين الفلسطينيين بلغ عددهم ما يتجاوز الـ250 شخصاً. لكن بكل تأكيد حتى إدارة ترامب يمكن أن تشعر ببعض التعاطف مع غزة، أليس كذلك؟ لا.

 

فكل شيء هو خطأ الفلسطينيين. إذ يُقال لنا إنَّ الغزيين والقيادة في غزة وحدهم يتحملون المسؤولية الحصرية عن ظروفهم. أمَّا إسرائيل، فهي على الفطرة وخلواً من كل خطأ. لا يوجد صراع في العالم يسير على هذا النحو، ولا يمكن لأي محاولة ترمي لحل صراع أن تصدر مثل هذا التأكيد. ويؤكد النص الأمريكي كذلك على «التحسينات الكبيرة لشعب غزة، والتي لن تحدث إلى أن يتحقق نزع السلاح الكامل في غزة». وهذا لن، ولا يجب حتى أن، يحدث؛ فما يُعرَض على الغزيين هو المزيد من البؤس.

7- الكائن الاقتصادي الفلسطيني
من الأهمية بمكان أنَّ أكثر من نصف الوثيقة الصادرة يوم الثلاثاء، 124 صفحة من أصل 181، مُكرَّسة لما يُسمَّى «إطاراً اقتصادياً»، مليئاً بالتقديمات الماكينزية بشأن «إطلاق الإمكانات الاقتصادية» و»تعزيز الحوكمة الفلسطينية». وهذا تقريباً مجرد إعادة طرح لوثيقة «السلام من أجل الازدهر» المنسيِّة التي طُرِحَت في المنامة.

هناك مشكلتان صغيرتان بخصوص هذا المستقبل المجيد الذي يُبشَّر به الفلسطينيون. أولاً، أنَّه لن يحدث؛ فتلك النقاط جزء من خطة لن تُطبَق. وقد كنا بمثل هذا الموقف من قبل، ولأكثر من مرة. فالاقتصاد الفلسطيني الذي يبقى تحت الاحتلال لا يمكن أن يزدهر، والخطة لا تعترف بهذه الحقيقة البسيطة. فالخطة تضمن احتلالاً دائماً. وبالتالي فإنَّ الخطة الاقتصادية، حقيقة الأمر، وُلِدَت ميتة.

المشكلة الثانية هي أنَّ هذه الرؤية تنغمس في خيال محض بمعاملتها الفلسطينيين ليس باعتبارهم أمة لديها تطلعات قومية جمعية، بل كـ»كائن اقتصادي»، كمجموعة من الأفراد الذين يقومون بخيارات اقتصادية رشيدة تماماً ولا تمتد آفاقهم إلى ما يتجاوز الفرص الاقتصادية للحصول على حياة مادية أفضل.

إنَّ محاولة شراء وتحديد مستقبل نيوليبرالي بهيّ للفلسطينيين أمرٌ مُبتَذَل، تماماً كجهود تحقيق النمو الاقتصادي تحت الاحتلال. وبصياغة مُلطَّفة، لا يوجد لأيٍ منهما سجل نجاحات.

8- التفتيش عن الامتهان: إنَّه بكل مكان
هذا النص البغيض لا يُفوِّت فرصة أبداً للحط من الفلسطينيين. ومن الصعب عدم الخروج باستنتاج مفاده أنَّ هذا مقصود. فعلى سبيل المثال، كانت الإشارة الوحيدة لاحترام حقوق الإنسان في الوثيقة حين ذُكِر الأمر باعتباره أحد الشروط المسبقة التي لابد أن يُلبِّيها الفلسطينيون قبل منحهم لادولتهم!

وتشير الخطة في مواطن عدة إلى سخائها مع الفلسطينيين من خلال السماح لهم بترتيبات خاصة وإمكانية وصول خاصة إلى المناطق التي تُعَد على أي حال جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة. على سبيل المثال، في حين سيخضع غور الأردن للسيادة الإسرائيلية، «فإنَّه ينبغي على إسرائيل، بالرغم من هذه السيادة، أن تعمل مع الحكومة الفلسطينية للتفاوض على اتفاقٍ تستمر فيه المشروعات الزراعية القائمة التي يملكها أو يسيطر عليها الفلسطينيون، دون انقطاع أو تمييز ووفقاً للتراخيص أو الإيجارات الملائمة الممنوحة من جانب دولة إسرائيل». يا للحزن.

ويجري اقتراح ترتيبات مماثلة في منطقة البحر الميت الفلسطينية، التي مجدداً ستصير إسرائيلية، لكن سيُسمَح للفلسطينيين بـ»تطوير منتجع شمالي البحر الميت دون الإخلال بسيادة إسرائيل على هذا الموقع». وبالمثل، خُصِّصَت منطقة سياحية خاصة شمال منطقة عطروت بالقدس، والتي مجدداً ليست جزءاً من إسرائيل، لكنَّ هذا ليس شأنكم.

ويُمنَع الفلسطينيون من الاستعانة بالمنظمات الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية. والفلسطينيون وحدهم لابد أن يُوقِفوا التحريض على جيرانهم،؛ فلم يُذكَر نَصٌ مماثل مُوجَّه للإسرائيليين. وقائمة الإهانات تطول.

9- إسرائيل هي الخصم والحكم
تتطلب المحاولات الجادة لحل الصراعات طويلة الأمد آلية تطبيق مرنة في وجه انعدام الثقة المتبادل. وهذا من شأنه عادةً وضع مجموعة من العوامل لتثبيط التراجع عن الحل، فضلاً عن إيجاد أطراف ثالثة ضامنة.

وتمشياً مع الصبغة السائدة في وثيقة ترامب، فإنَّه جرى تجنُّب أي فكرة كهذه. إذ تقرِّر إسرائيل كل شيء، وأحياناً بالتنسيق مع الأمريكيين. فحين يتعلَّق الأمر بالمضي قدماً نحو تشكيل اللادولة الفلسطينية المعروضة، فإنَّ الشروط المسبقة «تُلزِم تحديد أنَّ ذلك يتم بواسطة دولة إسرائيل والولايات المتحدة اللتين تعملان بحسن نية وبصورة مشتركة، وبعد التشاور مع السلطة الفلسطينية». وتتمتع إسرائيل بحق النقض (الفيتو). فإذا كان هناك أي شيء غير مستساغ لإسرائيل في الخطة، لن يُنفَذ أبداً.

10- الأردن والهدف النهائي من هذه الخطة
يتعين على المرء افتراض أنَّ مُعِدّوا الخطة لديهم أحد سيناريوهين في أذهانهم، وأنَّ هذين السيناريوهين يُقدِّمان على نحوٍ مُتوقَّع خيارات مربحة لإسرائيل. في أحد السيناريوهين، تُنفّذ الخطة وفقاً لتفسير إسرائيل، وتنجح في إضفاء الطابع الرسمي على «إسرائيل الكبرى» إلى جانب «البانتوستانات (المحميات)» الفلسطينية. وعلى ما يبدو أنَّ هذا ما يتوقعه ترامب، وهو أنَّ الضغط الجاري على الفلسطينيين ربما يدفعهم للقبول بمثل هذه الصفقة. وفي حين أنَّ هذا أمر لا يمكن تصوره، فإنَّ أي قيادة (فلسطينية) كهذه ستجابه مشكلة شرعية جدية وستعاني كي تبقى في السلطة.

أمَّا السيناريو الأكثر احتمالاً (ويتصور المرء أنَّه كان المقصود من جانب بعض مهندسي الخطة) فهو أنَّ الفلسطينيين يتحملون اللوم على رفض الخطة، وأن تمضي إسرائيل، جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة، على أي حال في فرض سيادتها وسيطرتها الدائمة، ربما بما يتجاوز حتى ما ورد في الوثيقة.

أحد الخيارات التي لطالما تناولها اليمين الإسرائيلي هو إشراك الأردن في تحقيق التمثيل السياسي الفلسطيني. وقد أُشير إلى هذا بما يتجاوز مجرد التلميح في الوثيقة، التي تضم إشارة إلى أنَّ الأردن «بحكم القرب الجغرافي، والارتباط الثقافي، والعلاقات العائلية» يلعب «دوراً مميزاً في مساعدة الفلسطينيين في مجموعة من القضايا» التي تشمل على نحوٍ مثير للاهتمام «بناء المؤسسات والخدمات البلدية». وهذا، إلى جانب ذكرٍ منفصل لدورٍ أردني في المجال الأمني، يجب أن يمثل صرخة تنبيه للمملكة الهاشمية بأنَّ هذه طريقة ربما تريد إسرائيل بها أن تفرض مسألة تغطية الأردن على خطة الفصل العنصري المعروضة.

الشيء الوحيد الذي يشفع لهذا المشهد المريع هو أنَّ طرح الخطة جرى في يومٍ كان فيه الرئيس الأمريكي يهرول من أجل الحفاظ على إستراتيجيته الرامية للتصدي لمحاكمته البرلمانية. وفي نفس الوقت، كان الادعاء العام الإسرائيلي يُقدِّم لائحة اتهام بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بمحكمة القدس في ثلاث قضايا فساد بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة. كل هذه الأمور مجتمعة قد تشير إلى أنَّ الخطة ربما تسقط مع مُقدِّميها.

في نفس هذا الشهر قبل 19 عاماً، جلستُ في طابا على طاولة المفاوضات، وكان لدي شعور بأنَّنا ربما نكون فعلاً قريبين من التوصل إلى اتفاق. وكان لي شرف العمل مع فريقٍ من الإسرائيليين الوطنيين، الذين سعى كثيرون منهم بصدق للتوصل إلى تفاهمات مع الفلسطينيين، سعياً نَبَع بصورة جزئية من شعورٍ بإنسانيتنا المشتركة، وإلى حدٍ كبير أيضاً من شعورٍ بأنَّ هذا من شأنه خدمة المصلحة الإسرائيلية. ولا يزال المضي قدماً إلى الأمام على نحوٍ يكفل الكرامة المتبادلة ممكناً، وسيبقى يمثل أفضل خدمة للإسرائيليين.

لكنَّ خطة الكراهية هذه الصادرة في البيت الأبيض يوم 28 يناير/كانون الثاني لا تخدم أيَّاً من تلك المصالح. وبعد نشرها، ربما يتعين على الفلسطينيين والإسرائيليين البحث عن نهجٍ مختلف تماماً إن كنا نرغب في مخاطبة إنسانيتنا المشتركة وكرامتنا المتبادلة والحاجة إلى المساواة.

 

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة  https://prospect.org/world/dont-call-it-a-peace-plan-israel-palestine-trump/ الأمريكية.


مفاوض إسرائيلي سابق *



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي