أزمة الروهنغيا و"بدون" آسام.. بنغلاديش بين فكي الرحى

خوزة معين الدين
2019-09-07 | منذ 1 شهر


إذا كانت الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الهند لتجريد حوالي مليوني شخص من مواطني ولاية "آسام" شمال شرقي البلاد من جنسيتهم ستؤثر على بلد ما، فإن تأثيرها الأكبر سيكون على بنغلاديش التي تستضيف حاليا أكثر من مليون شخص من مسلمي الروهنغيا.

فحتى قبل قيام نيوديلهي بنشر النسخة النهائية من قائمة "السجل الوطني للمواطنين" في 30 أغسطس/آب المنصرم، التي استبعدت 1.9 من السكان الناطقين باللغة البنغالية في ولاية آسام الهندية، كان هذا العدد من السكان يتم استهدافهم بصفتهم "بنغاليين غير شرعيين".

وادعت السلطات الهندية أن هؤلاء المستبعدين من قوائم "السجل الوطني" أتوا إلى "آسام" بعد 24 مارس/آذار1971؛ إثر الحملة العسكرية الباكستانية على البنغاليين.

وبذلك فإن بنغلاديش، التي تستضيف بالفعل أكبر عدد من لاجئي الروهنغيا، وهم أيضا لديهم مشكلات في الجنسية بعد أن هجّرتهم ميانمار المجاورة، تواجه تهديدات بترحيل عدد مماثل من الأشخاص من جارتها الأخرى، الهند إلى أراضيها.

وتضم بنغلاديش التي يبلغ عدد سكانها 165 مليون نسمة، أكبر مستوطنة للاجئين في العالم؛ حيث توفر المأوى لأكثر من مليون شخص من مسلمي الروهنغيا.

وفي حين أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أشارت في وقت سابق من العام الجاري إلى أن حوالي 12 مليون شخص في جميع أنحاء العالم هم "ضحايا انعدام الجنسية" أو "البدون" في عام 2018، فإن الهند أضافت 1.9 مليون شخص إلى هؤلاء الضحايا في يوم واحد.

بدورها تنفي دكا مزاعم هجرة أي من البنغاليين إلى "آسام" الواقعة على حدودها الشمالية الشرقية.

لكن قادة الحزب الحاكم بالهند أصروا على أنهم ذهبوا إلى هناك بعد الحملة العسكرية الباكستانية على البنغاليين في مارس/آذار 1971 والتي أدت إلى حرب الاستقلال والانتصار في 16 ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

ويقول خبراء إن معظم الأشخاص الذين تم استبعادهم كانوا يعيشون في "آسام" من قبل.

وخلال حرب التحرير في بنغلاديش عام 1971، لجأ 10 ملايين من الهندوس والمسلمين إلى الهند ذات الغالبية الهندوسية، ووصل معظمهم إلى ولايات البنغال الغربية وتريبورا وآسام وميغالايا، لكنهم عادوا جميعهم تقريبا إلى ديارهم بعد الحرب.

ويتردد أن حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي الحاكم في الهند يخطط لتغيير التوزيع الديموغرافي في "آسام" التي يشكل المسلمون نحو ثلث سكانها.

ويمثل المسلمون 90% من سكان بنغلاديش، وهي دولة ناطقة باللغة البنغالية.

وفي السياق، يقول البروفيسور امتياز أحمد، مدير مركز دراسات الإبادة الجماعية بجامعة دكا: "يرى الباحثون في الهند أن العديد من هؤلاء الأشخاص ذهبوا إلى ولاية آسام من ولاية البنغال الغربية، وهي ولاية هندية ناطقة باللغة البنغالية".

وفي حين أن الحكومة البنغالية تنظر إلى قائمة المواطنة في آسام على أنها قضية داخلية للهند، إلا أن القادة الهنود مثل وزيرة الرعاية الاجتماعية في آسام، براميلا راني براهما، قالوا إن "المهاجرين غير الشرعيين" سيتم ترحيلهم بمجرد البت في طلبهم.

ومع ذلك، استند امتياز أحمد إلى تصريح وزير الشؤون الخارجية الهندي سوبرامانيام جيشانكار خلال زيارته الأخيرة إلى دكا بأن هذه القائمة هي قضية الهند الداخلية وأن بنغلادش ليس لديها ما يدعو للقلق بشأنه.

ويعتقد كمال أحمد، وهو صحفي بنغالي يعيش في لندن، أن "عديمي الجنسية" أو "البدون" في آسام قد لا يتم ترحيلهم قريبًا، لكن السلطات قد لا تستغرق وقتا طويلا أيضا للبدء في عملية ترحيل.

ويضيف: "لا يمكن افتراض أن هؤلاء الأشخاص سيعودون إلى البنغال الغربية.. لا يوجد احتمال بنقلهم إلى حدود الهند مع باكستان أو الصين.. لذلك فإن بنغلاديش هي التي ستواجه حتى الآثار غير المباشرة لنزع الجنسية عن هذا العدد من الأشخاص".

ولاحظ مؤرخون أنه كان هناك تغيرا ديموغرافيا في ولاية آسام، وهي ولاية متعددة الأعراق، خلال إعادة تنظيم الولايات الإدارية الاستعمارية بداية من عام 1905. حينها قام اللورد كورزون، الحاكم العام للهند الخاضعة للاستعمار البريطاني، بجعل دكا عاصمة للولاية، ودمج سابقًا بين البنغال الشرقية (بنغلاديش حاليا) مع آسام.

وعندما غادر البريطانيون شبه القارة الهندية، وقسموها إلى الاتحاد الهندي وباكستان المؤلفة من جناحين (باكستان الشرقية وباكستان الغربية) في عام 1947 ، شهد العالم أكبر هجرة في تاريخ البشرية لقرابة 15 مليون شخص.

وحينها، كانت بنغلاديش، الدولة المستقلة حديثا بعد حرب دموية وأزمة لاجئين ضخمة، مرة أخرى هي الطرف الأكثر استقبالا للاجئين بما في ذلك حركة نزوح داخلي لـ20 مليون شخص.

ولأكثر من 3 مرات منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، أرغمت سلطات ميانمار الروهنغيا على مغادرة وطنهم الذي عاشوا فيه لمئات السنين، ووصفتهم بأنهم بنغاليين.

والبنغال، هم أشخاص يتحدثون البنغالية ويعيشون في بنغلاديش وولايتي البنغال الغربية وتريبورا، ومثل قضية قائمة المواطنة الهندية، حرمت ميانمار أيضًا الروهنغيا من الجنسية بموجب قانون وضعته عام 1982.

ورغم تلك الظروف، حظيت بنغلادش، التي كانت ذات يوم تعد قنبلة سكانية موقوتة بسبب العدد الكبير لسكانها، بالترحيب على نطاق واسع لنموها الاقتصادي الذي تراوح بين 6% و8% خلال العقود القلائل الماضية.

والآن، يتم وصف أزمة لاجئي الروهنغيا بأنها قنبلة موقوتة أخرى لبنغلاديش.

وبصرف النظر عن الضغوط على الموارد والبنية التحتية المحلية، تشهد دكا انخفاضا في التمويل المخصص للاجئي الروهنغيا.

وتظهر الأرقام الرسمية أن السلطات البنغالية لم تحصل إلا على 330 مليون دولار من أصل مبلغ 920 مليون دولار مطلوب لدعم اللاجئين خلال الأشهر المتبقية من عام 2019.

وفي الوقت الذي لا تزال تتعامل بنغلاديش فيه مع أزمة لاجئي الروهنغيا، توشك أزمة أخرى على الاقتراب منها بسبب خطوة الهند تجريد نحو مليوني شخص من جنسيتهم في "آسام"؛ مما يزيد من المخاوف داخل البلاد.

في كلتا الحالتين، تشعر بنغلاديش بالعجز عن كيفية التعامل مع سياسات قاسية من جيرانها بتجريد عشرات الآلاف من جنسياتهم لتدفع هي ثمن ذلك.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي