في معرضيهما الحاليين في القاهرة… سمير فؤاد وسيدة خليل: شذرات سردية من الذاكرة

2022-01-24

القاهرة ـ محمد عبد الرحيم - بعدما يهدأ الصخب.. تجارب، وحيوات فعلية أو متخيَّلة، لا يجد الفنان سوى ذاكرته يستظل بها، ورغم أنها في الغالب تعبّر عن حس مأساوي، إلا أنها تميل أكثر إلى شعور رومانتيكي ـ الذاكرة رومانتيكية بطبعها ـ تمحو بعض التفاصيل، وتمجد بعضها الآخر، لتخلق خلقاً جديداً على هوى الفنان.. هذا ما كان، وهذا ما يراه الآن ويستشعره. هذا الحنين لا ينسى أن يقسو على صاحبه.
«أزمنة مفقودة» و«نفسي أركب بسكلته» عنوانا معرض كل من الفنانين المصريين سمير فؤاد في غاليري (بيكاسو) وسيدة خليل في غاليري (أوبنتو) في القاهرة. ومصادفة المزامنة وحدها هي التي جعلت من الذاكرة النغمة الأساس في المعرضين.

الأزمنة المفقودة

للفنان سمير فؤاد أسلوب لا يحيد عنه في معظم معارضه السابقة، شكل من أشكال التجريد والاحتفاء بالحركة، وربما كانت المعارض السابقة تأكيداً على الأسلوب، ووصولاً في الكثير منها إلى التكرار. إلا أنه في معرضه الحالي ينجح في التخلص من ممارسة الشكل إلى (هَمِ) الفكرة، التي تلاقت مع ما يحترفه من تقنية، لتختلق إحساساً مغايراً عما سبق من أعمال. يفتتح فؤاد حكايته بعبارة لديستويفسكي.. «كنتُ أظنها أياماً وتمضي، فإذا بها كانت حياتي». ومن خلالها يحكي الرجل ويسرد بعضا من ذكريات وتفاصيل حياتية يراها الآن واضحة ـ بالنسبة إلى خياله ـ ويُقسّم اللوحات إلى عبارات دالة على الحالة التي يريد الإيحاء بها، أو بمعنى أدق.. كما تهوى نفسه استحضارها. يبدأ الرجل من (زمن البراءة) مروراً بـ(زمن العبث) ثم (زمن الفانتازيا) وصولاً إلى (الزمن المتجمد). الحكاية تبدأ من الطفولة إلى الأشياء الساكنة، والراضية بأن تصبح أسيرة الزمن، فلا صخب ولا محاولات ولا أي شيء، سوى الرضا بما هو كائن. إلا أن سدها لا يخضع لمسار الزمن المعتاد، وهو ما جعل منها شذرات لحالات متباينة. فالبراءة التي تمثلها لوحة توحي بمكان مقدّس وإضاءة مُبهرة، وتماهٍ ما بين رجل الدين والآخر المطمئن بيقينه تتواصل، ولوحات أخرى تتمثل رحلة حياة، كالطفل الذي يستعيد طفولته بوقوفه بين (توم وجيري) ممثلاً (ميكي ماوس) أو يرتدي خوذة رواد الفضاء، لينتقل من زمن البراءة إلى زمن العبث، وصولاً إلى الصخب وجسد الآخر ـ أي يقين هنا سيُجدي! ـ في لوحات تحمل زمن الفانتازيا، وأخيراً يصبح التشيؤ هو بطل اللوحة.. أشياء قديمة مُهمَلة، زمن فائت، قائم، لا أحد يهتم به، زمن يعلوه تراب الوقت، أو وهم التجربة. في زمن سمير فؤاد المفقود، لا نجد صراعاً حركياً، كما في السابق، لكنه الهدوء والتأمل في التجربة، والإقرار بما آلت إليه.

 

كان نفسها

«صحيح ما بنقدرش نختار الطريق، ولا حتى نركب بسكلته، مع إننا طول الطريق نفسنا.. نركب البسكلته». هكذا تعنون الفنانة سيدة خليل، معرضها «كان نفسي أركب بسكلته» وهو ما يؤكد نفي الحدث أو الفعل في الوقت نفسه، لكنها تجعل من تصميم الدرّاجات معادلاً لحالات تريد التدليل عليها. حالات كثيرة حياتية ووجدانية، تنجح الفنانة كثيراً وتثير الدهشة أحياناً في كيفية معالجتها لموضوعها، من خلال حالة الدرّاجات المختلفة، وخامة المعدن التي تستخدمها. نجد عدة عناوين للأعمال أيضاً، من قبيل.. عندما كانت، مُشاغبة، لا تستطيع، مضطربة، لم تكن سوداء، كانت حائرة، عندما كانت، بداية ونهاية، عندما أعطتني زهرة و.. عندما كنتُ أفكر. فقط عملان يأتيان في صيغة المتكلم، بينما جميع الأعمال تأتي في صيغة الغائب، وللشخصية نفسها كـ(فاعل) أو للخوف كشاهد على ما حدث. فالعمل الوحيد الذي نجده معلقاً في السقف من خلال الخيوط، هو ما حمل اسم (عندما كنتُ أفكر) هنا.. نجد الحالة/الفعل معلقاً في الهواء، (هي) بمفردها، لا أرض ولا سماء، وعليها أن تدفع ثمن تفكيرها. جسد أو تكوين غير مستقر. وهو ما يتنافى تماماً مع عمل آخر بعنوان (متصوفة) حيث تداخل وتماهي الأشكال ـ إطارات الدراجة ـ كحالة من الطواف الدائم، الذي لا يهدأ. فما بين التفكير والتصوف ـ التسيلم بالمكتوب ـ رحلة شاقة. أصدقها في التفكير، وأشفق عليها في التصوف.
وتبدو الكلمة المكتوبة في كل من المعرضين أساساً لا يتجزأ من مسألة عرض اللوحات.. عبارات قصيرة، تضيف إلى عملية السرد البصري، دون أن تخرج عنه أو تصبح زائدة أو مُتكلفة. حالة الحكي هذه كانت لا بد من أن تتوسل باللغة، دون اقتصارها على كونها مجرد أسماء للوحات. فالحكاية أولاً وأخيراً أهم وأجدى من مجرد ألعاب، أو استعراض لتقنيات بلا هدف، كما في الكثير من الأعمال الفنية اليوم.

 

 









كاريكاتير

إستطلاعات الرأي