الوطن الأزرق.. هكذا طورت تركيا استراتيجيتها في شرق المتوسط

2021-08-01 | منذ 2 شهر

 

مع تلاشي أحلام تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، غيرت أنقرة استراتيجيتها تجاه الغرب. ولا يوجد مكان يتجلى فيه هذا الأمر أكثر من شرق البحر الأبيض المتوسط. وتهدف التحركات الأخيرة التي قام بها الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، مثل زيارة جمهورية شمال قبرص التركية والإعلان عن استئناف التنقيب عن الطاقة في المنطقة، إلى تأكيد أنه سيواصل متابعة استراتيجية "الوطن الأزرق".

وقد تكون هناك شكوك في إمكانية تطوير أي اكتشافات كبيرة في شرق البحر المتوسط في ظل المناخ الحالي، لكن تركيا بحاجة إلى ردع التهديدات التقليدية على طول ساحلها وقد يكون استكشاف الطاقة هو أفضل مبرر لذلك.

وفي الوقت نفسه، أوجد الوباء حقائق اقتصادية معقدة تزيد من احتمالية خروج التوترات في شرق المتوسط ​​عن سيطرة أنقرة.

 التطورات الأخيرة

وبعد أن بلغت ذروتها الصيف الماضي، يبدو أن التوترات قد تراجعت بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي، خاصة اليونان، بشأن التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل قبرص. ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن حوار بناء بين الطرفين.

وفي 20 يوليو/تموز، زار "أردوغان" شمال قبرص وقال إن جهود الأمم المتحدة لتوحيد الجزيرة، المقسمة بين جنوب يسيطر عليه القبارصة اليونانيون وشمال تركي، قد باءت بالفشل. وقال إنه يجب التخلي عن تلك الاستراتيجية لصالح حل الدولتين. كما أيد "أردوغان" افتتاح بلدة "فاروشا"، التي كانت ذات يوم أفضل منتجع في الجزيرة، لكن سكانها القبارصة اليونانيين فروا خلال عمليات عسكرية تركية عام 1974.

وجاءت زيارة "أردوغان" إلى شمال قبرص بعد 3 أيام فقط من حديث مندوب تركيا لدى الأمم المتحدة مع الأمين العام للأمم المتحدة حول "الانتهاكات الصارخة المستمرة" لليونان للقانون الدولي في بحر إيجة والبحر المتوسط. وقال المندوب التركي إن أثينا عسكرت الجزر القريبة من تركيا والتي من المفترض أن تظل منزوعة السلاح، بموجب معاهدة لوزان عام 1923.

وتريد تركيا تعديل أو إلغاء المعاهدة التي منحت اليونان السيادة على الجزر القريبة من الساحل التركي، بما في ذلك الحق في التنقيب عن الموارد الطبيعية واستخراجها من البحر، وبالتالي حرمان تركيا من منطقة اقتصادية خالصة كبيرة.

وبينما احتل افتتاح "فاروشا" والتصريحات حول حل الدولتين لقبرص عناوين الصحف، من المهم ملاحظة أنه قبل الزيارة قال "أردوغان" أيضا إن تركيا ستواصل استكشاف الطاقة في شرق المتوسط. ويبدو أن هذا الإعلان يعكس التصريحات السابقة التي تعد بتقليل الاستفزازات.

وكان اكتشاف موارد الطاقة هو الذي أحيا الخلافات طويلة الأمد بين تركيا واليونان. وفي عامي 2019 و2020، اندلعت التوترات بين أنقرة وأثينا حيث أرسلت تركيا سفن أبحاث زلزالية إلى المياه المتنازع عليها بين اليونان وجمهورية قبرص، وتدخلت في الحرب الأهلية الليبية، ووقعت اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع طرابلس.

وفي الواقع، وجدت المنطقة نفسها في أوائل القرن الـ21 في واقع مختلف تماما عما كان عليه قبل بضعة عقود. وكانت عودة ظهور التهديد الروسي، وتزايد عدوانية إيران، وضعف الاتحاد الأوروبي بسبب مشاكله الاجتماعية والاقتصادية، وتنامي التحالف المناهض لتركيا في الشرق الأوسط، عوامل أجبرت أنقرة على إعادة التفكير في موقفها في المنطقة.

علاوة على ذلك، فإن المشاكل الاقتصادية للبلاد والتي سبقت الوباء ولكن أصبحت أكثر تعقيدا منذ ظهوره، قد أضافت إلى قائمة مشاكل الحكومة التركية. وبدأت أنقرة بالفعل في تبني عقيدة عسكرية أكثر حزما واستقلالية مع تحولها بعيدا عن الغرب، والذي بدأ بمجرد أن أصبح واضحا أن تركيا لن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي، بالرغم من كونها عضوا في "الناتو".

وبالنظر إلى السياق الحالي، يجب أن يُنظر إلى الخلاف الدبلوماسي بين تركيا والأمم المتحدة، فضلا عن النزاع المتجدد بين تركيا واليونان، على أنه جزء من إعادة ترتيب محتملة بين القوى الإقليمية التي ستؤثر على تحالفات استراتيجية أوسع. 

ملخص النزاعات التركية اليونانية

تم التوقيع على معاهدة لوزان في 24 يوليو/تموز 1923. وأنهت المعاهدة الأعمال العدائية بين تركيا واليونان في نهاية الحرب العالمية الأولى وخاصة بعد حرب الاستقلال التركية، عندما طردت قوات "مصطفى كمال أتاتورك" اليونانيين من الأناضول، وبالتالي احتفظ اليونانيون بمعظم جزر بحر إيجة.

وفي ذلك الوقت، كانت قبرص مستعمرة بريطانية. وأدت شروط المعاهدة إلى المصالحة بين البلدين خلال فترة ما بين الحربين، حتى أنهما وقعا معاهدة صداقة في عام 1930 ومعاهدة البلقان في عام 1934.

ومع ذلك، ساهمت عدة أحداث في تدهور العلاقات الثنائية بعد الحرب العالمية الثانية. أولا، تنازلت إيطاليا المهزومة عن أرخبيل "دوديكانيز" في جنوب بحر إيجة لليونان، ما أزعج تركيا التي لم تدخل الحرب ضد دول المحور حتى فبراير/شباط 1945، ما جعلها متأخرة جدا لدرجة أنها لم تحصل على أي غنائم.

ثانيا، أثار إنهاء احتلال قبرص نزاعات خطيرة بين اليونانيين والأتراك الذين يعيشون على الجزيرة، خلال عملية بناء الدولة القبرصية. وفي عام 1974، انهار التوازن الهش عندما أطاح المجلس العسكري اليوناني بنظام رئيس الأساقفة "مكاريوس الثالث"، وهو من دعاة استقلال الجزيرة ومعارض للتدخل اليوناني في الشؤون القبرصية، ما أدى إلى تدخل عسكري تركي في شمال الجزيرة.

وبالرغم من محاولات المجتمع الدولي لإيجاد حلول دلوماسية، أدى التدخل التركي ذلك إلى تقسيم الجزيرة وإنشاء جمهورية شمال قبرص التركية المعلنة من جانب واحد في عام 1983، والتي تعترف بها تركيا فقط.

ثالثا، أدى تطوير اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في الخمسينيات من القرن الماضي إلى نزاع دائم بين أثينا وأنقرة، حيث رفضت الأخيرة الانضمام إلى الاتفاقية التي قالت إنها تمنح اليونان سيادة كاملة في بحر إيجه.

وقالت تركيا إنه إذا وسعت اليونان مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى 12 ميلا بحريا، فإن تركيا ستعتبر ذلك إعلان حرب. وفي مناسبتين، عامي 1987 و1996، كادت الخلافات بين الدولتين أن تتحول بالفعل إلى حرب. ولكن بعد أن تقدمت تركيا بطلب للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1999، تراجعت هذه التوترات حتى تجددت مرة أخرى لاحقا.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




كاريكاتير

إستطلاعات الرأي