الشراكة مع غوغل بداية إنقاذ الصحافة
2020-07-04 | منذ 1 شهر
كرم نعمة
كرم نعمة

لا نستطيع الإقلاع عن غوغل، تماما كما فشل مارك توين في الإقلاع عن التدخين، هل تتذكرون جملته الشهيرة “الإقلاع عن التدخين أمر سهل، لقد فعلت ذلك مئات المرات”!! ذلك ينطبق على الشغوفين بقراءة الصحف والأوفياء لها، لكنهم لا يستغنون عن غوغل أيضا، حتى في طريقة اللجوء إلى صحفهم المفضلة.

هذا واقع تكنولوجي قائم، ومن العبث تغييره اليوم بإرادة سياسية أو قانونية، فذلك يتطلب تغيير النزعة التي تنم عن إخضاع “الخمسة الكبار” بدل الاتفاق على التعاون معهم لمصلحة قطاعات واسعة تضررت في الحياة الرقمية.

فغوغل وأمازون وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل، شركات تشكل حياة البشر، وتمارس تأثيرها بشكل مطلق على جميع القطاعات التجارية والحكومية.

ما يهمني في هذا المقال شركة غوغل، بعد إعلانها الأخير الذي يبعث نوعا من الأمل لقطاع الصحافة، باستحداث برنامج خاص ستدفع فيه الأموال لبعض وسائل الإعلام وصناع المحتوى مقابل ما أسمته بـ”الأخبار ذات الجودة العالية”، ليتم نشرها على خدمة جديدة من المتوقع إطلاقها في وقت لاحق من هذا العام.

وستدفع غوغل الأموال إن أمكن لمساعدة بعض المستخدمين في الوصول مجانا إلى ما يسمى بـ”المقالات المدفوعة”، لتوسيع قاعدة جمهور الناشرين. هذا يعني أن غوغل ستشتري المقالات من الصحف وتعيد تقديمها مجانا إلى المستخدمين. فالتايمز البريطانية ونيويورك تايمز الأميركية مثلا لا تتيحان كل محتوياتهما للمتصفحين إلا باشتراك شهري مسبق.

دعوني أدافع عن فكرتي بالتعاون مع محرك البحث العملاق بدلا من إخضاعه بقرار سياسي، مع إعلان غوغل المثير للانتباه بالنسبة إلى الصحافة الورقية تحديدا.

لقد اختبرت من قبل الصحافية الأميركية كشمير هيل، التحرر من مخالب هؤلاء العمالقة، في تجربة استمرت خمسة أسابيع واتفق جميع قراءها بعد ذلك على أهمية وواقعية تلك التجربة المثيرة؛ فإذا اعتبرنا عن قصد أن الخمسة الكبار، غوغل وأمازون وفيسبوك ومايكروسوفت وأبل، ليسوا سوى شركات “لحوم دسمة” مضرة بالصحة، اختارت هيل أن تكون “نباتية رقمية” في تجربتها.

وشرعت الصحافية المعنية بشؤون التكنولوجيا في الإجابة على سؤال ما إذا كان بمقدورها أن تعيش حياة طبيعية دون استخدام خدمات تلك الشركات في حياتها اليومية. وعلى مدى خمسة أسابيع، منعت نفسها من الوصول إلى كل واحدة من تلك الشركات على حدة على مدار سبعة أيام، وفي الأسبوع السادس قطعت استخدامها كليا عن كل تلك الشركات. لكن إلى ماذا توصلت؟

في أسبوع الصوم عن أمازون اكتشفت هيل -ونحن جميعا تقريبا نشترك معها- أن ذلك ليس خيارا، لأن أمازون بمثابة حديقة خلفية لملايين المواقع، دعك من التسوق على الإنترنت. فشركة أمازون تستضيف 23 مليون موقع، لو نقاطع خدمتها نجد أنفسنا نقاطع كل هذه المواقع.

نحن في صحيفة “العرب” اللندنية على سبيل المثال لو قررنا مقاطعة أمازون، ستجد عملنا بلا صور لأننا نستخدم خدمة أمازون لتخزين الصور، مثلما تتحرك خدمة البريد الإلكتروني لدينا عبر غوغل.

كان من السهل على هيل التوقف عن فيسبوك، لكن ما مصير علاقتها بأقرب الناس إليها، دعك من الأصدقاء الآخرين، إنها ستكون معطلة اجتماعيا. لذلك لم يكن خيارا محبذا بعد أسبوع من المقاطعة.

كذلك استمرت الأمور على مدار الأسابيع الأخرى، وما يهمني أكثر في تجربة كشمير هيل المثيرة هو “السيد غوغل” الخدمة الجليلة التي تقدم لنا كأفراد من دون أن نفكر بالأموال الهائلة التي تحصل عليها الشركة.

بعد أسبوع القطيعة التامة مع غوغل كتبت هيل، وهي صحافية على درجة من التجربة المعرفية، انطباعها بأن “غوغل تمس كل شيء تقريبا على الإنترنت. أواجهها في كل موقع تقريبا وكل تطبيق أستخدمه، كان حظر غوغل من حياتي صعبا مثل حظر أمازون تقريبا، الذي يعتمد عليه الملايين من الناس اليوم، إلا أن هيمنة غوغل تكاد تكون مطلقة على الناس والشركات”.

ولنا بعدها أن نتخيل الأسبوع السادس في حياة السيدة هيل، كم كانت تدور على نفسها في فراغ ذهني وحياتي من دون قبول سطوة الخمسة الكبار على حياتها.

ما أظهرته هذه الصحافية في تلك التجربة الرائعة، هي أن حياتنا بما فيها أعمالنا تعمل الآن على بنية تحتية تقنية تملكها وتشغلها وتسيطر عليها حفنة من الشركات العملاقة، والتي لا مفر منها إلا إذا كنت ترغب في السبات. وإلا عليك التصالح مع الحكمة الشهيرة لفيلسوف وسائل الاتصال الجماهيري، الكندي مارشال ماكلوهان “نحن نشكل أدواتنا وبعد ذلك تشكلنا”.

والصحافة في أزمتها الوجودية معنية بالاتفاق والتصالح مع الخمسة الكبار على الأقل، وليس التأثير على الحكومات في محاولة لإخضاع عمالقة التكنولوجيا، لذلك تبدو الفكرة التي تتحدث عن خضوع غوغل للضغوط من أجل دعم الصحافة غير مثمرة، وأن مبادرتها لدفع مقابل مالي للناشرين عن المحتوى المتميز الذي تعيد نشره انحناءة للضغوط، لا تمثل بداية مفيدة لإنقاذ وسائل الإعلام التقليدية من السوق المريضة.

لقد جرب الناشرون على مدار عقد كامل أسلوب التهديد لغوغل وبدعم من الحكومات، مطالبين بتعويض مالي عن القصص الإخبارية التي تعيد نشرها، إلا أن أزمة الصحافة تفاقمت بينما استمر محرك البحث العملاق في الاستحواذ على السوق والعقول وبالتالي الأموال.

ويبدو المنتج الجديد الذي أعلنت عنه غوغل في التركيز على المحتوى عالي الجودة، فرصة مزدوجة للصحافة لإعادة ابتكار “صنعتها” أولا بإنتاج قصص متميزة تدفع محرك البحث إلى شرائها، وهي أيضا أفضل الخيارات للخروج من الأزمة الاقتصادية المستمرة التي تعاني منها الصحف بشكل عام. فكل الأموال التي ستدفعها غوغل للصحف لن تؤثر على خزينتها المرموقة.


*كاتب عراقي مقيم في لندن

 



مقالات أخرى للكاتب

  • رسالة العدالة والنقاش المفتوح لا تبدد ظلام الحياة الرقمية
  • درس من مدرب ليفربول
  • فيسبوك المستبد الأكبر في العالم

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي