عرب ما بعد كورونا
2020-04-22 | منذ 1 شهر
إميل أمين
إميل أمين

طرحت أزمة كورونا على المستويين العام والخاص علامات استفهام عديدة ، ومنها ما سيطرا أو ما يجب ان يطرا على العالم العربي من تغييرات جذرية بعد انتهاء الازمة وزوال الغمة .
يمكن القطع بداية ان الازمة كشفت عن حتمية اعادة تقييم للسلم القيمي، وترتيب اولويات الاحتياجات الرئيسة للمجتمعات العربية الحديثة ، وفي مقدمتها الحاجة الى الانفتاح على مجتمع المعرفة والاتصال ، والتحلل قدر الامكان من فكرة المجتمع الاستهلاكي ،والانغماس في عالم الانتاج بانواعه المتعددة وصنوفه المتباينة .
مجتمع المعرفة الذي نحن بصدده يحتاج الى تقويم العلاقة مع سلوكيات الماضي ، ومن غير الدخول في معارك دونكيشوتية ما بين التراث والمعاصرة ، الحداثة والسلف ، فكل ما يصلح لحياة الانسان ، ويفيده في حاضره مرحب به ، من غير تكلس او تحجر ، وبدون سيكولائية اجترارية، او جمود ارثوذكسي فكري او اجتماعي دفعة واحدة .
اماطت كورونا اللثام عن نقاط عديدة بينية لم تكن واضحة بما يكفي فيما يخص الامن القومي للدول والمجتمعات البشرية ، فقد كان التركيز على التسليح وكفاءة الجيوش فقط ، غير ان الازمة برهنت على سبيل المثال ان انتاج الغذاء في حد ذاته ، وتامين الدواء بدوره ، قضايا على راس هذا الامن المنشود ، ولا تقل اهميتهما عن امتلاك احدث انواع الطائرات المقاتلة، او القطع البحرية السابحة في البحار .
يستدعي عالم ما بعد كورونا عربيا ، اعادة النظر في سياسة عربية – عربية ، تضمن وفرة في المحاصيل الزراعية ، وطفرة في الصناعات الدوائية ، كضمان وامان للانسان العربي ، وخوفا من يوم تقصر فيه السبل عن الوصول الى ايا منهما .
فتحت كورونا اعين العالم العربي على واحدة من اهم خصائص مجتمع القرن الحادي والعشرين ، البحث العلمي ، فمن يملك ناصية العلوم والتكنولوجيا ، هو من يضمن سلامة الانسان في كل زمان ومكان ، ومن يخلفه الاكتشاف والابتكار ، ربما سيجد نفسه على قارعة الطريق الاممي وحيدا من غير عون او سند.
البحث العلمي في عالمنا الغربي هو الفريضة الغائبة ، ومن هنا يتحتم على الجميع ابداء الاهتمام الواجب بالعلم والعلماء ، فهم وعن جدارة ، اصحاب المكانة الاولى الواجبة الاحترام ، في معاملهم ومستشفياتهم ، بعد ان تسنمت لعقود طبقات طفيلية كمبرادورية هرم المجتمعات العربية .
اظهرت ازمة كورونا ان معركة التنوير العربي لا تزال قائمة، واننا من اسف شدبد لا نزال متشرنقين في خانة الانسداد التاريخي والسيكولائية الاجترارية ، فقد واجه الكثير من العرب كورونا اما بحديث المؤامرة ، او الانكار ، وبينهما ضاعت حقيقة فيروس خطير ، وجدنا انفسنا في مواجهته من غير قدرة حقيقية على تقييم ابعاد المشهد ، لا سيما بعد ان فارقنا المشهد المعرفي ، ومن الغريب جدا ان نجد ان رجلا بوزن وقامة ابن سيناء قبل قرون طوال ، كان يمتلك ناصية التفكر العلمي، الذي ساهم في انقاذ مجتمعات اسيوية واوربية من وباء الطاعون .
من بين دروس كورونا التي ينبغي على العالم العربي تمحيصها لا سيما بالنسبة للاجيال القادمة ، فكرة التعددية والانفتاح على العالم ، فقد اثبتت الجائحة ان عالم ما بعد العولمة اكثر اثارة ، اذ لم تعد الكرة الارضية " قرية كونية "، كما اشار الى ذلك عالم الاتصال الكندي الشهير " مارشال ماكلوهان "، في ستينات القرن الماضي ، واضحت " حارة كونية "، ما جعل من البشرية اسرة واحدة حقيقة لا مجازا .
في هذا السياق بات من غير الممكن التمترس وراء أي جدران تاريخية أو آنية ، وبدا الطريق الوحيد للنجاة ، الشراكة الفاعلة والناجعة من غيراحساس بالدونية ، او صغر الذات .
اكدت ازمة كورونا ان هناك طوابير خامسة وليس طابور واحد لا يزال يعيش بين صفوفنا الوطنية ، طوابير لا تنشد الخير لمجتمعاتنا ، بل تحمل عداوات اصولية سلبية قاتلة ، تريد الدمار والهلاك للجميع ، وتجد للاسف من يغذيها ويقويها ، ان كان بالمال او الاعلام ، وهذه مسألة كارثية ، كما الحال في موقف الاخوان المسلمين في قطر وتركيا تجاه دول عربية، ما يعني ان مراجعة جذرية جمعية لابد ان تجري بها المقادير تجاه هذا الفصيل تحديدا .
عالم ما بعد كورونا ينبغي ان تفتح فيه الابواب العربية لعلوم الغد ، واستشراف المستقبل ، واهم ما فيها ثورة الجيل الخامس الصناعي ، والغوص عميقا في عالم الذكاء الاصطناعي ، ذاك الذي سيغير شكل البشرية طولا وعرضا ، شكلا وموضوعا ، وحتى لا نبقى على هامش السباق العالمي ، والذي ستسارع وتيرته لا شك في ذلك يوما تلو الاخر .
عالم عرب ما بعد كورونا ، يحتاج الى مسحات من التضامن التي طال الشوق اليها ، فالقادم يحمل تقسيمات عولمية مغايرة ، وقيام تجمعات جغرافية وديموغرافية مثيرة للانتباه ، ومن قبل شاغبتنا فكرة مشروع مارشال عربي – عربي ، مشروع خلاق يستنهض قوى العالم العربي من المحيط الى الخليج ، يقوم عليه علماء الاقتصاد لتفادي أي اضطرابات مالية قادمة ، وللاستفادة الى ابعد حد ومد من موارد الامة المتوافرة في الحال ، والقادمة في الاستقبال سواء كانت عناصر موارد مادية او بشرية وهي الاهم .
كورونا قد يكون فرصة بقدر ما هو خطر ، فهل من عقل عربي فاعل يستطيع ان يصنع من الليمون اللاذع شرابا حلو المذاق ؟

 

* كاتب مصري

 



مقالات أخرى للكاتب

  • الصحة العالمية.. هواجس وشكوك
  • أوباما-غيت.. زمن الوقوع في الفخ
  • عن كورونا واقتصاد العالم في 2020

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق







    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي