اللغة العربية مستويات: فصيح وعامي
2020-02-27 | منذ 1 شهر
د/ عبد العزيز المقالح
د/ عبد العزيز المقالح

ليست اللغة العربية وحدها ذات المستويين الفصيح والعامي، بل اللغات كلها – دون استثناء- تأخذ هذا المدى من التنوع. ومنذ القديم لم يتغير الحال، فكان المبدعون يكتبون بمستوى، والعامة يتحدثون بمستوى آخر، وصار للمستوى الأول مخزونٌ ثقافي موثق ومكتوب في حين صار المستوى الثاني نوعٌ من الثقافة الشفهية المتداولة بين الناس.

ولهذا وذاك فقد استطاعت اللغة العربية أن تحقق بهذا المستويين تاريخاً ثقافياً خالداً ومؤثراً، وما شعر المتنبي وأمثاله من معاصرين، ومن تلاهم من الشعراء، إلاَّ التعبير الصادق عن المستوى الأول الفصيح والمكتوب. واللافت أنه كان، وما يزال، يؤثر في وعينا وإدراكنا ويشكل الجزء الأعمق من ثقافتنا الراهنة، وليس ما يستجد من أساليب وأفكار سوى أضافة لذلك المخزون الأعمق. ولعله من هنا نشأت فكرة الأصالة والمعاصرة، وصار من حقنا أن نعتز بهذين التيارين الحديث والقديم. ويمكن القول أنه لا قديم بلا حديث، ولا حديث بلا قديم، وأن هذين التيارين –كما سبق الوصف- لابد أن يتعانقا ويواصلا مسار الأبداع، حتى لا يكون القديم محض اجترار ولا يكون الحديث صاعداً من الفراغ.

في الشعوب المتطورة ثقافياً يلاحظ القارئ هذا التماسك، وكيف أن الجديد يأخذ بيد القديم لكي يشكلا معاً هذا المنحى الثقافي الذي تعتز به الشعوب المتقدمة وترى فيه تعبيراً عن تطورها ونموها الإبداعي. وما أحوجنا نحن العرب ونحن نسعى إلى مقاومة التخلف أن نأخذ من تلك النماذج المتقدمة قدوة تجعلنا قادرين على التجاوز، وإثبات أن الحياة متجددة من خلال تجدد الثقافة وتنوع مساراتها، ذلك إنه من المستحيل أن تتطور أوضاعنا، ونخرج من دائرة التخلف دون الاقتداء بمن سبقنا. والاقتداء بالآخر المتقدم ليس عيباً ولكن العيب هو أن نتعايش مع التخلف، وأن نقف في وجه التحدي الهادف إلى التطور والنماء.

ومع ذلك نستطيع أن نقول أننا قد قطعنا شوطاً باهراً في هذا المجال، وأن علينا أن نواصل ما بدأناه بلا تردد، فالوقت ليس في صالحنا إذا لم نعبر به حالة الجمود، وما كان عليه حالنا قبل ثلاثين عاما يختلف كثيراً عما نحن عليه الآن، وما علينا لا أن نواصل السير وأن نشق بأنفسنا وقدرتنا على التجاوز الطريق المطلوب، وأن نتأكد من وجود مستويين لغويين في حياتنا، أحدهما فصيح والأخر عامي، وهو الأمر الذي يساعد على النهوض بحياتنا الفكرية والعلمية، إذ يجعل من المستوى الأول مصدراً للوعي والإدراك العلمي والفكري ومن المستوى الثاني وسيلة للتعبير ونقل الأفكار المهمة إلى الحياة العادية.

وآمل أن تكون هذه الملاحظات –رغم صعوبتها- على قدرٍ من الوضوح والتأصيل، فلا قيمة لفكرة أو معنى لا يكون لهما أثر في حياتنا. ويمكننا القول كذلك أن المستوى الثاني وهو العامي قد أستطاع أن يستوعب الأفكار والرؤى الجديدة، وأن يساعد على الفهم الحديث والارتقاء بمستوى التعبير الشعبي إلى حيث يتمكن من عكس كل المعاني والأفكار الجديدة على الواقع.

وأتوقف قليلاً للحديث عن الأصالة والمعاصرة وقد سبق لي في ما مضى أن شرحت هذا المصطلح واوضحت معناه العميق، وأنا هنا أذكر فقط بما يقتضيه الحال من ضرورة التوافق بين الأصالة والمعاصرة في بناء الفهم الجديد والحديث للحياة.



مقالات أخرى للكاتب

  • الإنسان يتحدى لكي يعيش
  • نحن والأوبئة القادمة
  • أعباء العلاج خارج الوطن العربي  

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق






    شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي