بوتين أم روسيا.. من هو المستهدف؟
2022-05-20
إميل أمين
إميل أمين

قبل بضعة أيام تحدث رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف، عن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب الروسية على بلاده، معتبرا أن مقتل بوتين هو الطريق الوحيد وربما الدرب السديد.

لا يختلف رأي بودانوف كثيرا عما اقترحه من قبل عضو مجلس الشيوخ النافذ السيناتور ليندسي غراهام، وهو ما أكده الرئيس الأميركي بايدن مؤخرا، حتى وإن حاولت نخبته السياسية مداراة ومواراة المشهد.

على أن "نظرة عليا" للمشهد تستدعي التساؤل الجوهري التالي: هل المطلوب هو رأس بوتين الشخص، أم إلحاق الأذى الذي لا يصد ولا يرد بروسيا، العنقاء التي صحت من الرماد من جديد خلال العقدين المنصرمين؟

الشاهد أنه لا يمر يوم في الإعلام الأميركي إلا وتخرج علينا قراءات تتساءل عن المشهد الروسي بعد غياب أو تغييب بوتين، وكأن هناك من يحاول أن يرسخ المشهد في أذهان الناس شرقا وغربا، أو من يتنبأ ذاتيا واستشرافيا ضمن رؤية غربية باتت ممجوجة.

الفورين بوليسي ذائعة الصيت أفردت بدورها ملفا كاملا لهذا الطرح، وكأن روسيا جمهورية موز وليست دولة لها دستورها وبرلمانها، بل ونخبتها القادرة على إنجاب مائة بوتين وبوتين مرة أخرى.

الكثيرون في الإعلام الأميركي والأوروبي يركزون منذ بضعة أسابيع على مشهد يظهر رعشة في يد الرئيس بوتين، وعندهم أنها دلالة ربما تشي بمرض خطير قد يكون ورما خبيثا في الغدة الدرقية.

ما تحاول المجلة الأميركية الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي في نيويورك، الجهة الأكثر وصولا وتواصلا بصناع السياسة القرار الأميركي الحقيقيين، هو تأكيد نهاية بوتين القريبة سواء كان ذلك بالمرض أو بشبح الإبعاد القسري، والترويج لفكرة أنها لحظة خطيرة، بل ربما مزلزلة للاستقرار العالمي، وأمن الكوكب الأزرق، لا سيما أن بوتين حاكم أوتوقراطي ركز السلطة في يديه، ولهذا فمن غير المتوقع التنبؤ بما ستؤول إليه الأحوال في حال تواريه عن سدة حكم الكرملين.

لم تنفك الآلة الدعائية الإعلامية الأميركية تحديدا تتحدث عن فكرة حدوث انقلاب داخلي ضد الرئيس بوتين، والبعض وضع سيناريوهات حول جهات بعينها يمكن أن تقود ولديها القدرة، ليس فقط الجيش، بل خدمة الحرس الفيدرالي، والحرس الوطني، وإن تناست تلك الأصوات أن التنسيق بين كل هذه الجوقة أمر غير ممكن عمليا، فيما الأقرب عقلا وعدلا هو قيام رئيس الوزراء ميخائيل ميسوشيستين بإدارة شؤون البلاد لمدة ثلاثة أشهر، وذلك لحين انتخاب رئيس روسي جديد.

يعن لنا هنا أن نتساءل غير موفرين فكرة المؤامرة التاريخية الغربية جهة روسيا بالتحديد: هل هناك من يسعى لإحداث فوضى في الداخل الروسي؟ وإذا كان ذلك كذلك ترى هل قدر هؤلاء أكلاف مثل هذا الحدث الرهيب في دولة هي الثانية نوويا حول العالم؟

يدرك العقلاء والحكماء في داخل الإمبراطورية المنفلتة، أن جريان الأقدار بمثل هذا السيناريو المخيف، ربما يكون أكثر ضررا بالأمن العالمي، من لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي نفسه، وفي النهاية تبقى جميعها أطماعا فكرية إمبريالية تقليدية، حكما لن تسمح بها جماعة السيلوفيكي، أي الدائرة المحيطة بالرئيس بوتين، والتي ولاؤها الحقيقي لروسيا السلافية ذات الأمجاد التاريخية، بأكثر من الولاء لشخص، وربما هذا هو البعد الذي يغيب عن أعين المحللين السياسيين الأميركيين.

من هذا المنطلق تظل روسيا هي الهدف الاستراتيجي، وبوتين الهدف التكتيكي للاستراتيجية الأميركية، وللناتو دفعة واحدة، وما "تحالف رامشتاين" لصاحبه لويد أوستن وزير الدفاع الأميركي سوى البداية المؤكدة للنوايا الهادفة للخلاص من صحوة الدب الروسي.

لقد أضحى واضحا أن تحالف "الأربعين" إنما هدفه الأساس هو إطالة أمد الحرب الأوكرانية لتضحى مستنقعا لبوتين وروسيا معا، هناك حيث يفقد الجيش الروسي عدته وعتاده وخيرة جنوده وشبابه، وتتبخر أحلام المؤسسة العسكرية الروسية.

ما نقوله ليس تحليلات أو توقعات، بل تصريحات جاءت على لسان أوستن نفسه، فقد صرح الوزير برتبة جنرال لصحيفة الوول ستريت جورنال الأميركية نهار 25 إبريل نيسان المنصرم خلال زيارته للعاصمة الأوكرانية كييف بالقول: "إن القدرات العسكرية الروسية يجب أن تتدهور، وأن أميركا تريد إضعاف روسيا إلى الدرجة التي لا يمكنها إعادة بناء جيشها".

أوستن نفسه وقبل لقاء رامشتاين صرح بكلمات أكثر إثارة، إذ وعد بـ"تحريك السماء والأرض لتعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية"، في إشارة لا تخطئها العين للهدف الأميركي الأكبر، عبر سد الفجوة بين قوة الجيشين الروسي والأوكراني ، من خلال توفير معدات عسكرية ثقيلة لكييف.

يتساءل المرء: كيف يقرأ الصينيون هذه التصريحات؟ وما هي تبعاتها على التحالف الروسي – الصيني القائم والقادم بقوة، بجوار الهند وعدد من دول العالم التي سئمت من الفوقية الإمبريالية الأميركية؟

حكما لن يقبل الصينيون بهزيمة روسيا في ساحات الوغى الأوكرانية، لأن ذلك ببساطة يعني التفرغ لهم، وما زيارات الدبلوماسيين الأميركيين الأخيرة لجزيرة تايوان إلا مستصغر الشرر للحريق الأميركي – الصيني الآتي سريعا، وربما لهذا صرح الجنرال مارك ميلي رئيس أركان الجيش الأميركي بأن بلاده تواجه روسيا والصين معا.

ما الذي يجري في عقول ساسة أميركا في حاضرات أيامنا؟

تكاد إدارة بايدن تسعى للفكاك من هزائم الخارج وانتكاسات الداخل، عبر تصدير الأزمة وإلقائها على عاتق بوتين وروسيا، فمؤخرا استخدم بايدن مصطلح "تضخم بوتين"، في إشارة إلى أحوال الاقتصاد الأميركي.

تحسين سمعة أميركا الأدبية وأوضاعها الاقتصادية، ومحاولة تذكير العالم بأنها قائدته الحرة فات أوانه.

هذه المرة لن تكون آفة عالمنا المعاصر هي النسيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – العربية نت-



مقالات أخرى للكاتب

  • ماسك.. وفخ ثيوسيديديس الفضائي
  • الصين في انتظار ابن آوى
  • الحرب الأوكرانية.. مآلات ما بعد 9 مايو





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي