الجمود بشأن بروتوكول إيرلندا الشمالية يعني أن بريكست لن ينجز
2022-05-19
شون أوغرايدي
شون أوغرايدي

في الشهر المقبل، تحيي بريطانيا مناسبتين سنويتين لهما أهمية بالغة. الأولى هي اليوبيل البلاتيني لجلوس الملكة على العرش، وهي تعتبر موضع إجماع بشكل عام، إضافة إلى ما تحظى به من شعبية. سيكون هناك كعك، وحفلات في الشوارع، وأيام عطلة عامة فضلاً عن الحانات التي ستفتح حتى ساعة متأخرة عن موعد إغلاقها المألوف.

وبعد بضعة أسابيع، أي في 23 يونيو (حزيران)، تحل الذكرى السنوية السادسة للاستفتاء بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وسيجري الاحتفاء بها بطرق مختلفة أقل صخباً. إنّ ذلك اليوم الذي أشاد به نايجل فاراج [زعيم في حزب الاستقلال البريطاني] على أنه يوم استقلال بريطانيا، يمكن أن يوّحد البلاد في الأقل بناء على فرضية واحدة بعينها، مفادها أن بريكست بعد كل هذا الوقت لم يجر "إنجازه".

ويبدو أن الحكومة تفكر بأن تشريعاً جديداً لإبطال بروتوكول إيرلندا الشمالية [جزء من اتفاق توصل إليه بوريس جونسون مع الاتحاد الأوروبي بهدف تنفيذ بريكست]، الذي يسمح بإجراء تفتيش لبعض البضائع المنقولة بين بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية، سيؤدي في النهاية إلى إنهاء تنفيذ بريكست. ومع ذلك، فإن الفرص تبدو محدودة.

إن الجوانب السياسية في هذا كله مألوفة بمقدار كونها معقدة ومرتبطة بالقضية الإيرلندية القديمة، وبحرب داخلية صارت الآن في مراحلها الأولى داخل حزب المحافظين، من أجل الفوز بروحه. والسؤال الذي يبرز بشكل مباشر، يتصل بإمكانية أن تمضي الحكومة قدماً في تنفيذ تهديدها الأخير بالتخلي عن مباحثاتها التي لا تنتهي مع الاتحاد الأوروبي بشأن البروتوكول، وإلغاء عمليات التفتيش على البضائع. ويشعر الوزراء بالقلق من دون شك حيال مستقبل السلطة التنفيذية لإيرلندا الشمالية، و"اتفاق الجمعة العظيمة" [وقع في 1998 لإنهاء النزاع بين البروتستانت والكاثوليك في ذلك الإقليم] في بلفاست، والسلام في جزيرة إيرلندا. إنهم يشعرون بالإحباط من عدم إحراز تقدم في المباحثات مع الاتحاد الأوروبي. وكذلك فإن الاتحاد الأوروبي منزعج من سعي البريطانيين إلى إعادة التفاوض أو التراجع عن معاهدة دولية أُبرِمَتْ رسمياً.

 لقد مررنا بتجربة مماثله من قبل. وتردّد قبل بضعة أسابيع حديث عن تضمّن خطاب الملكة [في افتتاح البرلمان] مشروع قانون لإبطال اتفاق بريكست بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بروتوكول إيرلندا الشمالية. ثم جرى التخلي عن الفكرة حينما أُلقيَ الخطاب يوم الثلاثاء الماضي. غير أن ليز تروس عملت على إحياء تلك الفكرة الآن. إذ تشير سويلا برافرمان التي تشغل منصب المدعي العام، إلى أنها تلقت نصيحة مفادها أن خطوة كهذه ستكون قانونية، على عكس ما جاء في نصيحة قانونية سابقة.

 إذاً، لقد ظهر نمط معيّن. ففي عام 2020 نُشِرَ "مشروع قانون السوق الداخلية" في المملكة المتحدة، بالترافق مع وجود نية بتحقيق الهدف نفسه [التخلي عن البروتوكول]، على غرار ما يحصل في مشروع القانون الجديد [عن إلغاء البروتوكول]. وقد لقي ذلك أيضاً استقبالاً عدوانياً في الاتحاد الأوروبي. إذ قرر جيفري فوكس، المدعي العام السابق، أن ذلك الأمر [التخلي عن البروتوكول] من شأنه أن يمثل انتهاكاً للقانون الدولي. وقد اعترفت الحكومة بذلك أيضاً، في الحقيقة، إذ ذكر براندون لويس، وزير إيرلندا الشمالية، في كلمة شهيرة أمام مجلس العموم في سبتمبر (أيلول) 2020، "نعم، هذا من شأنه أن يشكل مخالفة للقانون الدولي بطريقة محدودة ومحددة جداً. نحن نستعمل الصلاحيات من أجل إلغاء تطبيق مفهوم التأثير المباشر من وجهة نظر قانون الاتحاد الأوروبي. في ظرف معين ومحدد بطريقة دقيقة للغاية".

وفي الوقت المناسب، وبعد ضغوط من دبلن، وبروكسل، وواشنطن، حُذِفَتْ البنود المسيئة من "مشروع قانون السوق الداخلية". واستؤنفت المباحثات بين مايكل غوف وماروس سيفكوفيتش، نائب رئيسة المفوضية الأوروبية المسؤول عن بريكست، وتمخضت عن تنازلات حول الدواء وصحة الحيوان والأطعمة المثلجة. وهكذا، انتهت "حروب النقانق".

ومنذ ذلك الوقت، حصل مزيد من المباحثات بإشراف اللورد (ديفيد) فروست وليز تروس، مع تلميحات دورية من جانب لندن إلى أن المادة 16 من بروتوكول إيرلندا الشمالية سيجري تفعيلها (ما سيجيز تعليق قواعد معينة بانتظار المفاوضات)، إضافة إلى التلميحات التي تنطوي على التهديد بإلغاء أحادي الجانب أشد إثارة لبروتوكول إيرلندا الشمالية، بالتالي، إلغاء اتفاق بريكست.

 لقد استمر ذلك النمط نفسه طوال الوقت الذي حدثت فيه تلك التقلبات والانعطافات. فقد رفض الاتحاد الأوروبي، المدعوم من الولايات المتحدة، إعادة التفاوض بشأن بروتوكول إيرلندا الشمالية، وتخلى البريطانيون عن التهديدات بالتصرف من طرف واحد.

هل سيكون الأمر مختلفاً هذه المرة؟ قد يكون كذلك فعلاً، لأن المباحثات قد استُهلكت. وهناك حد لعدد المرات التي يمكن للمملكة المتحدة أن تحاول فيها تأجيل تطبيق بروتوكول إيرلندا الشمالية بشكل كامل. في المقابل، تتزايد المخاطر أيضاً في الوقت الحالي. إذ بات التهديد باتخاذ إجراءات قانونية وفرض عقوبات تجارية من قبل الاتحاد الأوروبي، يتمتع بقدرة أكبر من قوته الضخمة المعتادة لأن بريطانيا حالياً على شفا ركود اقتصادي، ومن شأن التأثير [المتأتي من العقوبات التجارية] أن يكون كارثياً بالنسبة إلى قطاعي التصنيع والزراعة في بريطانيا.

واستطراداً، من شأن حرب تجارية أن تلحق الضرر بالجانبين كليهما. ويمثّل ذلك حالة كلاسيكية يخسر فيها كل من لهم علاقة بالأمر. وفي المقابل، باعتبار أن أوروبا سوق أكثر أهمية نسبياً بالنسبة إلى بريطانيا بالمقارنة مع أهمية المملكة المتحدة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن كفة المصلحة في هذه الحالة راجحة لمصلحة الاتحاد الأوروبي. من جهة أخرى، يمكن للمملكة المتحدة أن تعطل إمدادات إيرلندا من البضائع من طريق أحد أنواع الحصار الناعم، مع أن ذلك سيثير غضب الرئيس جو بايدن.

وبالمقارنة مع النوع النموذجي من الأزمات، ستكون هذه أزمة تسير بالحركة البطيئة. إذ سيستغرق أي تشريع جديد أشهراً عدة كي يُمرّر عبر البرلمان، وليخضع أيضاً إلى الطعن القانوني في محاكم بريطانية وأوروبية ودولية (وقد بدأ الاتحاد الأوروبي سلفاً باتخاذ إجراء قانوني في أعقاب التهديد السابق. والقضية مجمدة حالياً). وربما لن يجري تمريره [التشريع الجديد] مع حلول الانتخابات المقبلة إذا مارس مجلس اللوردات صلاحياته بتأخيرها.

وفي مرحلة ما، إذا أخفق السياسيون والدبلوماسيون في فعل ذلك، فستحتاج بعض المحاكم في مكان ما إلى ذكر الحقيقة غير المريحة التي تتمثل في أن بريكست نفسه يخالف روح أو نص "اتفاق الجمعة العظيمة" في بلفاست، و/أو "القانون البريطاني للاتحاد" الصادر في 1801. لكن على أي حال، إن إنشاء حدود اقتصادية في جزيرة إيرلندا لن تكون مقبولة لدى البعض، وكذلك فإن إنشاء حدود في البحر الإيرلندي بين بريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية لن يكون مقبولاً بالنسبة إلى البعض الآخر. وقد يندلع العنف في أي من الحالتين. وهناك شعور كريه بأن أي جانب، سواء الموالين [الداعين إلى البقاء ضمن الاتحاد البريطاني] أو الجمهوريين [الميّالين إلى الاستقلال عن المملكة المتحدة]، يهدد بممارسة القدر الأكبر من العنف، سيكون هو المستفيد، حتى يجري نصب الحدود.

 ثمة شيء وحيد يمكن لجميع المعنيين بالأمر أن يكونوا متأكدين منه، هو أنه في الشكل الحالي، لن يكون بريكست "منجزاً" مع حلول نهاية هذا البرلمان، أو السنوات العشر، تماماً على غرار حال القضية الإيرلندية التي تحول بريكست بشكل محزن وحتمي، ليصبح هذه القضية نفسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية-



مقالات أخرى للكاتب

  • على بوريس جونسون الحذر فالزعماء الذين ينجون من سحب الثقة لا يستمرون طويلا
  • احذروا أيها المحافظون... بوريس جونسون كارثة للاتحاد
  • الانقسام الصيني - السوفياتي وظهور عالم ثلاثي الأقطاب





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي