هل ضحى ترمب ببولتون؟‬
2019-09-12 | منذ 1 شهر    قراءة: 141
ممدوح المهيني
ممدوح المهيني

سمعة بولتون تسبقه في أي مكان يذهب إليه. سجلّه السياسي معروف وعقيدته الصقورية منشورة بكتبه، وعندما كان خارج الخدمة لم يتوقف عن الظهور على الشاشات والجهر بآرائه حتى تلك التي طالب فيها بإسقاط النظام الإيراني.‬

‫السؤال الذي يحيرنا هو إذن: لماذا استقدمه ترمب وهو يعرف كل ذلك، إذا كان سيخرجه مع الباب الذي دخل منه بعد ١٧ شهرا؟‬

‫هناك أسباب علنية تم تداولها قد تكون صحيحة، ولكن الأسباب غير المعلنة، هي التي عجلت برحيله المبكر.‬

‫من الأسباب العلنية هو أنك تشتري بولتون قطعة واحدة وليس مفرقا. إنه رجل عقيدة سياسية ولا يقبل أن يتنازل عن أي مبدأ يمسها حتى لو كان من رئيسه. وهو رجل لا يعرف الأولويات، فكل شيء يُؤْمِن به أولوية. مثلاً في موضوع كوريا الشمالية يقال إن بولتون لم يهضم رؤية ترمب يصافح كيم يونغ أون ويتبادلان الابتسامات. بالنسبة له، وهو الذي خصص جزءا كبيرا من تاريخه السياسي للهجوم على النظام الكوري الشمالي والتبشير للإطاحة به، رؤية رئيسه والديكتاتور الكوري الشمالي كحبيبين يتبادلان الرسائل، يعني هدما لعقيدته ولا يمكن القبول به. ‬

‫ولهذا عض بولتون على جراحه النفسية، وأنكر بقلبه وفضل الصمت على الموضوع الكوري الشمالي ولم يذكر كلمة طيبة عن الملف بأكمله الذي ظل في درج بومبيو، وزير الخارجية. ويقال إن بولتون رفض حتى الخروج على شاشة التلفزيون والدفاع عن سياسات رئيسه. ‬

‫وهذا دليل على التصادم بين الرجلين بقضايا لا تحتمل الخلاف. ربما اعتقد الرئيس الأميركي أن بولتون على الشاشة وفي الكتب، سيختلف عنه عندما يجلس خلفه، حيث بمقدور المنصب والنفوذ أن يلين من مواقفه ويجعله يتنازل عن بعض مبادئه ويحتفظ بالبعض، لكنه لم يقرأه جيدا. ‬

‫نفس الشيء حدث مع قصة اللقاء مع قادة طالبان في كامب ديفيد. بولتون لم ير من اللائق أن يجلس رئيس أميركي ويصافح من تلطخت أيديهم بالدماء الأميركية. لقاء يتعارض مع عقيدته ومن الصعب أن يبلعها أو يظل صامتاً. بولتون، كلب الحراسة للعقيدة الجمهورية المؤمنة بدور أميركا بحماية العالم، عارض بشدة وتم تهميشه، وعندما تعارض رئيسك في قضية أساسية، فمن الطبيعي أن تكون أيامك معدودة.‬

‫الجدل حول هل طرد أم قدم استقالته، هو جدل بين الرجلين ومرتبط بالكرامة والكبرياء الشخصي، ولكنه عمليا غير مهم، لأن الرجلين وصلا لطريق مسدود. أخطأ ترمب باعتقاده أنه قادر على تدليك مبادئ بولتون المتصلبة. الطريق المسدود في كوريا الشمالية وأفغانستان، كان مفتوحاً في المعركة مع النظام الإيراني وميليشياته. بولتون منسجم مع خط إدارة الرئيس باستراتيجية الضغط الأقصى، وعلى عكس ما يروجه الإيرانيون والمتعاطفون معهم، فإن خروجه لم يكن بسبب موقفه من طهران الذي بدا في بعض الأحيان أقل حدة من بومبيو وبراين هوك.‬

‫ولهذا في المؤتمر الصحفي الذي أعقب خروجه، تحدث وزير الخارجية الأميركي، أن سياسة الإدارة لن تتغير بخروج شخص منها. بكلمة أخرى، وردا على المعسكر الإيراني خارج وداخل أميركا، فإن خروج بولتون ليس بسبب إيران ورحيله لن يغير شيئا. لهذا فالاحتفالات الإيرانية مبكرة جدا ويحق لهم رمي القبعات لو غادر فريق الصقور، نعرف حينها أن ترمب غير وجهته. ‬

‫كل هذه أسباب نصف معلنة وجرى الهمس بها، وقد تكون لعبت دورا في رحيل بولتون، لكن الأسباب الأقوى لم تعلن، وهي أن ترمب قدم مستشاره للأمن القومي كضحية وشهادة حسن سيرة وسلوك لجمهوره الداخلي الذي يمقته ويعتقد أنه سيدفع رئيسهم المحبوب إلى حرب تورطه وتورطهم.

  بولتون كلب الحراسة للعقيدة الجمهورية المؤمنة بدور أميركا بحماية العالم، عارض بشدة وتم تهميشه

أشنع الهجوم على بولتون بعد التهاب الأجواء بين طهران وواشنطن عقب إسقاط الطائرة المسيّرة الأميركية، لم يأت من الديمقراطيين الذين لم يترددوا بتلطيخ صورته ووصفه بداعية الحروب، ولكن أتى من الجمهوريين المطالبين بعزلة أميركية كاملة عن العالم. والآن هم أكثر من الإيرانيين احتفالا برحيله. كل عدادات ترمب موجهة على إعادة انتخابه ولا يريد أن يغضب جمهوره وعلى استعداد أن يطعم هذا الجمهور المهتاج والجائع، أي شيء حتى يهدأ. هذه المرة أطعمهم فريسة سمينة، بولتون، ليقول لهم أنا معكم ولن أجعل دماء أبنائكم تتناثر في أراض بعيدة وغريبة.‬

‫بولتون آخر ما يفكر فيه هو هدير الجماهير الداخلية وغير معني بمشاكلهم الصغيرة بوجهة نظره، من البطالة وحتى العنصرية وضرب الرؤوس بين المرشحين. هو رجل السياسة الخارجية ودوره أن يحمي أميركا من الأشرار وغير مشغول بأولويات الرئيس الانتخابية. لهذا وقف بوجهه ربما من دون أن يقصد، ولا يستطيع أن يتنازل لأنه رجل المبادئ المجمعة. وهذا ما يفرقه عن بومبيو صاحب المبادئ الواضحة ولكنه يعرف لعبة التوازنات والأولويات ويقرأ مزاج ونفسية رئيسه بطريقة صحيحة. ‬

‫قد يكون ما ذكرنا تفسيرات صحيحة أو خاطئة، ولكن هذا لا يقلل من عقل بولتون الذي يقرأ خطورة النظام الإيراني، والمنطقة بشكل عام، بشكل صحيح، ولم يعرف أن يلطخ عقيدته بهذا العمر من أجل جمهور ترمب. ما يخفف من رحيله، هو وجود شخصيات أخرى تؤمن بذات عقيدته نحو إيران ولكن تعرف كيف تكيف نفسها وتناور مع الرئيس الذي يحتل عقله شيء واحد، أن يغيظ خصومه ويجلس ٤ سنوات إضافية في البيت الأبيض.

 

صحفي سعودي *



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي