14 يناير.. فصل في الثورة
2020-01-19 | منذ 4 أسبوع
محمد جميل أحمد
محمد جميل أحمد

ما حدث في الخرطوم يوم الثلاثاء الماضي الـ14 من يناير (كانون الثاني) والتداعيات التي ستنجم عنه في مستقبل الأيام هو بمثابة التفسير السياسي لكل الأحداث الأمنية لما قبله، تلك الأحداث التي هددت الاستقرار والسلم الأهلي، وأوصلت الاقتتال في بورتسودان (شرق) والجنينة (غرب) إلى حافة الحرب الأهلية، لولا أن الله لطف.

ذلك أن الحركة العسكرية الانقلابية التي أُجهضت على مدى ساعات طويلة وعمليات عسكرية ناجحة يوم الثلاثاء الماضي الـ14 من يناير (كانون الثاني) كانت استعراضاً خطيراً ومحاولة يائسة من قوى إدارة العمليات في جهاز المخابرات (تزامنت معاً في أكثر من منطقة)، لتكشف بوضوح عن حالة الشلل الإرادي الذي كان يشتغل عبره جهاز الأمن السوداني لتعطيل مسار الثورة.

ما يعنينا من أحداث ذلك اليوم هو تأكيد الارتباط الوثيق بينها والأحداث التي كانت تفجّر الأوضاع الأمنية في مدينة بورتسودان على شكل صراع واقتتال أهلي متقطع بين مكوني النوبة وبني عامر منذ 6 أشهر، إلى جانب أحداث مدينة الجنينة، والتفلتات الأمنية التي شهدتها مدن أخرى عبر عصابات "النقرز" بالخرطوم وأم درمان وود مدني.

لقد كان الاتهام الواضح من طرف الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي" نائب رئيس مجلس السيادة، لصلاح قوش (مدير جهاز الأمن حتى سقوط نظام البشير) يؤشر على دلالات عديدة، من أهمها أن التركيبة العقائدية لمنسوبي جهاز أمن نظام البشير كانت تعكس باستمرار جانباً خطيراً من ردود الفعل المُؤكدة في أي وقت.

فنظام عقائدي كنظام البشير دام 30 عاماً (اشتغل باستمرار، لا على تغيير الواقع السياسي للسودانيين فحسب، بل كذلك على إعادة صياغة مُجتمعهم) ستكون له قوة ضاربة لجيوش من العقائديين في جهازه الأمني، فضلاً عن أن طبيعة التسوية التي شكَّلت خريطة المصير السياسي المستقبلي وفق اتفاق الـ17 من أغسطس (آب) 2019 للشراكة بين قوى الحرية والتغيير والعسكر، كانت تتصل بتقديرات واحتمالات كثيرة في صراع القوى بين الأجهزة العسكرية.

فقد كان مستغرباً أن تُحلّ تلك الوحدات العسكرية الأمنية منذ أشهر، دون أن يكون لذلك الحل والتسريح أثر ملموس، ما ترك علامات استفهام كبيرة ومعقّدة في المسار الذي أصبح عليه الوضع.

إن أهم ما تكشّفت عنه أحداث ليلة الـ14 من يناير (كانون الثاني) هو أن ذلك الحدث سينعكس في مؤشرات مستقبلية بالضرورة، كقطع الطريق عن تجدد أحداث الاقتتال الأهلي في مدينة بورتسودان، أو انحسار ظاهرة عصابات "النقرز" في المدن.

وكان واضحاً على إثر كثير من الحوادث التي سبقت المحاولة الانقلابية الأخيرة، أن ثمة أحداثاً عجّلت بظهورها إلى السطح. فمن ناحية كان حكم المحكمة بإعدام 27 من عناصر الأمن الذين تواطؤوا على قتل شهيد الثورة الأبرز الأستاذ أحمد الخير، إثر محاكمة عادلة وإصرار من ذوي الشهيد على القصاص، مؤشراً قوياً على تحقيق عدالة ناجزة، سيكون لها أثرها الكبير في مستقبل الأيام حيال الملفات التي تنتظر عناصر الأمن.

ومن ناحية ثانية، كان لنجاة وزير العدل السوداني نصر الدين عبد الباري من حادث الطائرة (تحطّمت في مدينة الجنينة قبل أسابيع إثر تخلفه عنها) أثرٌ كبيرٌ في إحساس وفرة وافرة من عناصر جهاز الأمن بأن الحلقة بدأت تضيق.

واليوم، مع تعيين ضابط ينتمي إلى قوى الثورة (الفريق جمال عبد المجيد) على رأس جهاز الأمن، وإحالة كثيرين من ذوي الرتب العليا في جهاز الأمن إلى المعاش، يمكن القول إن هذا التعيين بذاته مؤشرٌ على خلفيات أخرى في مسار التناغم بين قوى الحرية والتغيير والحكومة ومجلس السيادة.

لقد أحسّ الجميع بعد ليلة الـ14 من يناير (كانون الثاني) أن ثمة خللاً كبيراً كان يهدد تلك الشراكة من داخل أجهزة الأمن، ما عكس إصراراً واضحاً في الاجتماع الذي عُقِد بين قوى الحرية والتغيير ومجلس السيادة والحكومة، وهو اجتماع ستتمخض عنه قرارات كثيرة في الأيام المقبلة.

لقد كان في الإبقاء على مدير جهاز الأمن المُقال الفريق أبو بكر دمبلاب (الذي كان نائباً لصلاح قوش) رهانات وحسابات خاطئة، دلّت عليها الأحداث طوال شهور ما بعد الثورة، إذ إن كل المؤشرات كانت تصبّ في علامات استفهام كبيرة حيال أشياء كثيرة حدثت في الجيش السوداني والقوات النظامية طوال ثلاثين سنة.

 

يوماً بعد يومٍ، يتأكد للجميع أن مسار الثورة والذين اختاروا طريق الثورة من العسكر معرضٌ لمصير واحد، هو استهداف الثورة المضادة التي يقوم بها نظام عقائدي دام ثلاثين عاماً، ولم يصدِّق أتباعه حتى الآن أنه انتهى وولَّى إلى غير عودة، والسبب الذي يجعل أنصار الثورة المضادة غير مصدقين انتهاء صلاحية نظامهم أنهم توهموا اقتراناً شرطياً زائفاً بين دين الإسلام الحنيف وأوهام الإسلام السياسي التي روّج بها الإخوان المسلمون أيديولوجيا سياسوية معطوبة.

المحيط الجيوسياسي لمسار الثورة السودانية وتقاطعاته الإقليمية والاستراتيجية يؤشر على كثيرٍ من التحديات التي ستواجه الثورة، وهي تحديات لا يمكن استقطاب تناقضاتها في المرآة إلا عبر عقول استراتيجية كبيرة تقترح للثورة مسارات آمنة بحسابات ميزان دقيق.

لقد أصبح الاشتغال السياسي في بنية واستراتيجيات عالم ما بعد العولمة مقتضياً تشبيك مهارات أزمنة جديدة تواكب رهانات ذلك العالم المُعقّد، ما يعني أن تحديات الثورة في هذا العالم ليست من طينة تحديات الثورات الكلاسيكية ما قبل ثورة المعلوماتية والاتصال.



مقالات أخرى للكاتب

  • الثورة وتحديات المرحلة الانتقالية في السودان
  • لقاء البرهان - نتنياهو... رؤية من الداخل!
  • مفوضية البحر الأحمر.. ضرورة المرحلة

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي