2020.. إعادة إنتاج الفوضى
2020-01-14 | منذ 7 شهر
نشوى الحوفى
نشوى الحوفى

منذ أيام نشرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية تقريراً وجب التوقف أمامه، لا لاحتوائه على مضمون جديد غير متوقع، ولكن لتجسيده هواجس تشغل بال الكثيرين منا عن منطقتنا فى الشرق الأوسط. كتب التقرير «مارك لينش»، أستاذ العلوم السياسية والشئون الدولية بجامعة جورج واشنطن، عضو معهد كارنيجى، الذى يعد أحد أهم مراكز صنع القرار بواشنطن، وحمل عنوان: «توقعوا الفوضى فى الشرق الأوسط 2020»، وقد ارتكز كاتبه على ثلاثة محاور.

تناول المحور الأول تأثير ترقب المنطقة للانتخابات الأمريكية التى ستحدد ساكن البيت الأبيض فى يناير 2021، فيقول الكاتب إنه على الرغم من ثبات السياسة الأمريكية وارتباطها بمحددات مسبقة، فإن هزيمة «ترامب» الجمهورى تعنى بالنسبة لدول منطقة الشرق الأوسط سياسات عكسية بشكل حاد. مثل إعادة الاتفاق النووى مع إيران، وملف القضية الفلسطينية، والعلاقات مع تركيا والتحالفات فى الخليج العربى، بينما يعنى نجاح «ترامب» للمرة الثانية، مزيداً من الاندفاع الجامح باتجاه تحقيق أهداف سبق تحديدها. كإعلان إسرائيل ضم الضفة الغربية أو شنها ضربة عسكرية ضد إيران أو حزب الله خلال عام 2020، مدعوماً فى ذلك بتحالفاته مع السعودية والإمارات وإسرائيل لتحقيق مصالحه مقابل غض الطرف عن بعض تصرفات تلك الدول.

أما المحور الثانى، فتحدث فيه عن تصاعد حدة الصراعات فى منطقة الخليج وصعوبة السيطرة عليها، مشيراً إلى أن حملة «الضغوط القصوى» التى تطبقها إدارة «ترامب» على إيران، سواء داخلياً بالعقوبات الاقتصادية التى تزيد من حدة المظاهرات ضد الملالى، أو خارجياً بالمظاهرات الرافضة لإيران فى مناطق نفوذها فى لبنان والعراق، تلك الضغوط لم تحقق الأهداف المعلنة من واشنطن، بل على العكس فإن كل التوقعات تشير إلى صعوبة انهيار نظام الملالى فى إيران. وأن ما ستشهده المنطقة هو تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن فى منطقة الخليج العربى وسوريا ولبنان ومن دون نشوب حرب، وبخاصة العراق الممزق بين سيطرة طهران وواشنطن على أرضه.

أما المحور الثالث -وربما الأكثر أهمية- فهو حديث الكاتب عن توقعاته باستمرار الاحتجاجات واندلاع المزيد منها فى دول المنطقة، مقارناً بين ما شهدته دول الشرق الأوسط من احتجاجات فى عام 2019 وما شهدته فى عام 2011، فيما أسموه بالربيع العربى! فيشير إلى نجاح مظاهرات الجزائر فى تجديد دماء الحكم، وإطاحة السودان بالبشير، واستمرار تظاهرات العراق ولبنان حتى تلك اللحظة رغم الاختناق السياسى الذى تعانى منه الأولى، والاقتصادى الذى تعانى منه الثانية. ولكنه يشير إلى إمكانية اندلاع العنف فى السودان والجزائر نتيجة التوتر القائم بين المعارضة وأنظمة الحكم، كما يتحدث عن إمكانية اندلاع مظاهرات فى بلدان أخرى بالمنطقة، مثل مصر والأردن، مبرراً توقعاته بالتحديات الحقوقية والاقتصادية!

أهمية تتبع التقرير لا تنبع بالنسبة لى مما جاء فيه، فمعظمه غير جديد باستثناء إقدام إسرائيل على ضم الضفة الغربية فى حال فوز «ترامب» بالانتخابات المقبلة، ولكن تنبع من ضرورة قراءة ما يستشرفه صناع القرار الأمريكى عن منطقتنا الملتهبة أو القابعة على سطح صفيح ساخن منذ سنوات. وبخاصة الحديث عن الاحتجاجات وسوق التبريرات لها من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، فعن أى احتجاجات يتحدثون وقد قدرت خسائر المنطقة من ثورات الخريف العربى بنحو 900 مليار دولار كحد أدنى وفقاً لتقديرات البنك الدولى فى مطلع عام 2019؟ ولكن ما ساقه التقرير يستلزم الحذر والوعى منا جميعاً إزاء ما يخططون له ولا يتنازلون عنه بإعادة إنتاج الفوضى فى بلادنا باسم الدين تارة والحريات تارة أخرى والاقتصاد تارة ثالثة.

نعم، لن يوقفوا سعيهم لتحقيق ما سبق وأفشلناه لهم ولكن علينا الحذر، فأخطاؤنا سلاح فى يدهم.

* كاتبة مصرية



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي