ما الذي يجري في فرنسا؟
2021-05-11 | منذ 1 شهر
إميل أمين
إميل أمين

عرفت فرنسا طويلا وكثيرا ، بأنها بلاد التنوير والعلمانية، وقد دفع الفرنسيون ثمنا غاليا وعاليا، بهدف الوصول إلى تلك المرحلة من المدنية التقدمية، حيث النظر إلى الإنسان مجردا، وبعيدا عن أي محاصصات طائفية، أو سمات عرقية أو نوعية.

ولعله من المؤكد كذلك أن فرنسا قد مرت في السنوات الأخيرة بحالة من المواجهة مع قوى أصولية ظلامية ، أوقعت خسائر بشرية فادحة ، كما الحال في الهجوم الذي جرى على مسرح باتاكلان ، والذي خلف أكثر من 100 قتيل ، بخلاف الجرحي ، فيما الأثر الأكبر والأخطر ، فقد حفر في نفوس الفرنسيين ، ويبدو أن تلك الأفعال قد ولدت حالة من ردات الفعل السياسية التي غزل على تناقضاتها اليمين الفرنسي ، وحتى هذا الحد ، يمكن للمرء أن يتفهم ما تجري به المقادير .

غير أن عاصفة الجنرالات المتقاعدين التي ثأرت الأسابيع الأخيرة ، تشعر المرء بأن هناك قلقا عميقا يكاد يلف الجمهورية الفرنسية ، لا سيما وأن المشهد يقترب من حدود ما لم يكن من الممكن توقعه ، أي تدخل القوات المسلحة الفرنسية في مسيرة البلاد السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية ، وباختصار غير مخل ، فتح الباب أمام سيناريوهات الانقلاب ، الأمر الذي يتسق وجمهوريات العالم الثالث ، وليس فرنسا علم الأخوة والمساواة والحرية .

عبر مجلة " فالور أكتويل "، الإخبارية اليمينية ، أصدر عشرون جنرالا فرنسا متقاعدا بيانا ، اعتبرته الأوساط المراقبة بمثابة عاصفة ، لا سيما وأنه يدعو إلى حكم عسكري ، إذا فشل الرئيس إيمانويل ماكرون في وقف تفكك البلاد على أيدي الإسلامويين بحسب نص البيان .

ما هي حجة هؤلاء الجنرالات؟

بالتدقيق نجد رؤاهم تقوم على القول بأن هناك مخاطر كبيرة تحدق بفرنسا ، تكاد تؤدي إلى تفككها ، ويعزى الأمر إلى من يصفهم البيان بالدور الذي تقوم به جحافل الضواحى الذين يفصلون أجزاء كبيرة من الأمة ويحولونها إلى منطقة تخضع لعقائد تتعارض مع دستور فرنسا .

البيان المشار إليه يحمل دعاوى مثيرة للشقاق داخل صفوف الفرنسيين أنفسهم ، إذ ينذر ويحذر من أن فرنسا في خطر داهم ، وأن الأخطار العديدة تحوم حولها من كل صوب وحدب ، وعليه فإن الجنرالات ولو كانوا في صفوف المتقاعدين ، إلا أنهم سوف يظلون جنودا لفرنسا، وفي مثل هذه الظروف الحالية فإنه لا يمكنهم البقاء غير مبالين .

كان من الطبيعي ان تندد الحكومة الفرنسية بمثل هذا البيان لصاحبه ، كريستيان بيكيمال ، الرئيس السابق للفيلق الأجنبي ، أول الموقعين عليه ، مشبهة إياه بالانقلاب الفاشل للجنرالات ضد الرئيس شارل ديغول قبل 60 عاما .
ولعل المتابع لأحوال فرنسا يمكنه أن يدرك أن هناك محاولات حثيثة من جانب حكومة الرئيس ماكرون لتعزيز الاندماج ، ومواجهة موجات الانعزالية ، وذلك من خلال قوانين وسياسات عقلانية ، تواجه أي اختلالات نجمت عن تهاون حكومات سابقة مع جماعات متشددة ، استطاعت أن تخترق المجتمع الفرنسي .

غير أن بيان الجنرالات المتقاعدين يمضي في اتجاه صدامي ، لا مسارات البحث عن حلول تعزز الوحدة الفرنسية ، وتصون المساواة ، وتعلي من شأن الحريات ، وهي مساقات تدعم التيارات اليمينية المتشددة من الجانب الفرنسي ، وتزخم محاولاتها في الوصول إلى قصر الإليزيه في الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة .

لم يتوقف الأمر عند الجنرالات العشرين ، إذ يبدو أن هناك اليوم مئات من الجنود الفرنسيين المتقاعدين ، وربما في الغد يبلغون الآلاف ، قد تأثروا بالبيان ، وأعلنوا تاليا عن دعمهم لزعيمة اليمين الفرنسي ،ماريان لوبان "، في الحرب ضد ما اعتبروه تفكك بلادهم وخطر الحرب الأهلية .

والشاهد أنه على الرغم من الانتقاد الرسمي لوزيرة الدفاع الفرنسية ، فلورانس بارلي ، لتصرفات هؤلاء وأولئك ، واعتبارها أن التحالف بين العسكريين السابقين المسيسين ، والمرشحة اليمينية سيكون بمثابة فضيحة ، إلا أن دعوة الجنرالات بات تكتسي بلون ايديولوجي مخيف للغاية ، وبخاصة في ظل أزمة كبرى لم تحل جذريا مع اصحاب السترات الصفر ، أزمة اشتعلت قبل عامين ، ولا تزال نيرانها تحت الرماد ، تنتظر من ينفخ فيها ، وها قد جاء هذا البيان ليعطيها مددا جديدا ، وفرصة للتحالف مع قوى شعبوية قائمة وقادمة .

هل هناك مخاوف أشد من هؤلا يمكن أن نراها في مرحلة تالية ؟

الجواب واضح وخطير ، ويتمثل في احتمالات تسرب فيروس الجنرالات إن جازت التسمية إلى داخل صفوف القوات المسلحة الفرنسية ، وساعتها سوف تبدو الجمهورية الفرنسية بصورتها التي نعرف ، أقرب ما تكون إلى حالة التحلل البطيء والعهدة هنا على الراوي الكاتب والباحث الفرنسي ، تييري ميسان .

ما الذي تحتاج إليه فرنسا في هذه الأوقات المصيرية؟

لا نوفر في الأزمات المتصاعدة في الداخل الفرنسي ، التأثيرات والتجاذبات النفسية والاقتصادية التي خلفتها جائحة كورونا ، عطفا على ما تقدم من إشكاليات ، ولهذا فإن فرنسا والفرنسيين في عوز شديد لحوار وطني داخلي يقيهم شر التعصب ، ويجنبهم ويلات التطرف .

وفي الوقت عينه ينبغي التركيز في مثل ذلك الحوار ، على ضرورة تفعيل الاندماج الصحي، بحيث يتم مراعاة ظروف المهمشين، وأصحاب الضواحي، وإعادة الاعتبار لهم ضمن صفوف المواطنة.

التصنيفات الدوجمائية والإيديولوجية لن توفر مناخات سلام بل تعزز من فرص المتطرفين على الجانبين .

تستحق فرنسا كل خير وسلام ، وكل احترام وتقدير ، لمسيرتها التنويرية الإنسانية الراقية ، ونأمل أن تتجاوز هذه الكبوة بدون خسائر لتبقى دولة التنوير وبامتياز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • زيارة بايدن ... وزمن «اليد الواحدة»
  • واشنطن – موسكو.. احتواء أم ردع ؟
  • الفاتيكان ورسالة رجاء في رمضان

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي